
في الساعة التانية بعد نص الليل، لقيت خادمتي قاعدة على أرضية مخزن الأكل، بتاكل بواقي الأكل الباردة حبة رز حبة رز، كأنها خايفة حد يمسكها وهي بتحاول تعيش.
اللي اكتشفته عن سبب جوع سلمى جوه قصري في المعادي ماكانش بس حاجة تكسفني… ده كشف سرقة مدفونة جوه إمبراطوريتي نفسها.
باب المخزن كان موارب، وشريط رفيع من نور الطرقة كان واقع على الأرض الرخام.
في النور الخافت، شفت طبق صيني متشقق، وبدلة خدم رمادية، وشوكة بتتحرك بحذر وسط شوية رز بارد.
سلمى كانت قاعدة وظهرها مسنود على دولاب خشب.
كانت عندها سبعة وعشرين سنة، هادية، عمرها ما اتأخرت عن شغلها، وإيديها خشنة ومليانة تشققات من الكلور وسلك المواعين.
وحول معصمها كان فيه خيط قديم مربوط فيه حرفين صغيرين:
ل و م.
ليلى ومروان.
ولاديها.
ساعتها ماكنتش أعرف عنهم أي حاجة تقريبًا.
أنا، آدم المنصوري، كنت عندي تمانية وتلاتين سنة، وبنيت حياتي كلها على إني أعرف إيه المهم وأتجاهل أي حاجة تانية.
فوق، اسم المنصوري كان معناه شركات مقاولات، ونقل، وفنادق، وتبرعات لحملات انتخابية.
لكن تحت السطح اللامع، كان معناه طرق، وحماية، ونفوذ، وخدمات محدش بيسجلها على ورق.
القاهرة كانت بتخاف مني.
لكن في الليلة دي، كل القوة دي ماكانش ليها أي معنى.
كنت نازل المطبخ عشان النوم هرب مني تاني، زي ما كان بيحصل تقريبًا كل ليلة من يوم ما مراتي ماتت من سنتين.
عادةً كنت بمشي في ممرات البيت اللي هي اختارت تصميمها، لحد ما التعب يغلبني وأرجع أوضتي.
لكن الليلة دي، كنت عايز أشرب مية.
بدل المية، لقيت سلمى بتاكل كأن الأكل نفسه ممنوع عليها.
حست بوجودي قبل ما تشوفني.
رفعت راسها، وأول ما عينينا اتقابلوا، اتجمدت مكانها.
— “يا فندم.”
الشوكة وقفت في نص الطريق لفمها.
وبعدين نزلتها بسرعة، ومسكَت الطبق بإيديها الاتنين.
— “أنا آسفة.”
قربت منها.
— “إنتِ بتعملي إيه هنا؟”
وشها احمر من الإحراج.
— “ماحبتش أزعج حد.”
بصت للأكل.
رز بارد.
فاصوليا خضرا.
وتلات شرايح لحمة متبقية من العشا اللي كنت عامله من كام ساعة لرجال أعمال وأعضاء مجلس محلي وأصحاب شركات ورجالة كانوا بيهدَروا أكل في سهرة واحدة أكتر من أكل عائلات كاملة في أسبوع.
— “كنت جعانة بس.”
الكلمة دي خلتني أقف مكاني.
مش لأنها كانت محرجة.
لكن لأنها اتقالت بصوت واحدة استسلمت.
— “آخر مرة أكلتي فيها إمتى؟”
سلمى سكتت.
وكان سكوتها هو الإجابة.
— “إمتى؟”
— “امبارح الصبح.”
فكي اتشد.
— “إنتِ بتشتغلي في البيت ده كل يوم.”
— “أيوه يا فندم.”
— “ومرتبك بينزل كل جمعة.”
— “أيوه.”
— “يبقى إزاي قاعدة على أرضية مخزني بتاكلي بواقي الساعة اتنين الصبح؟”
عينيها اتمَلَت دموع فورًا.
— “أنا ببعت أغلب الفلوس لولادي.”
وببطء، الحقيقة بدأت تظهر.
ولاديها، ليلى عندها تمانية سنين ومروان عنده خمس سنين، عايشين مع جدتهم في المنوفية؛ لأن سلمى ماقدرتش تتحمل إيجار القاهرة ومصاريف الحضانة والمدرسة.
جدتها كانت مريضة ومصاريف العلاج غالية، والأدوية بتاخد جزء كبير من دخلها، ومصاريف المدرسة مابتخلصش.
كل مرتب كانت بتاخده كان بيختفي قبل ما تقدر حتى تشتري لنفسها أكل كفاية.
بصيت لها وأنا مش قادر أصدق.
— “مرتبك كام؟”
قالت الرقم.
دمي تلج.
— “ده مستحيل.”
بصت لي باستغراب.
أنا كنت عارف ميزانية العمالة في بيتي.
والرقم اللي قالته كان أقل من نص المرتب اللي شركتي بتسجله في حساباتها.
— “مين قالك إن ده مرتبك؟”
— “الشركة.”
صوتي اتغير.
— “أنهي شركة؟”
قالت الاسم.
شركة المنصوري للخدمات المنزلية.
شركة من شركاتي.
ولأول مرة في الليلة دي، سلمى بصت في عيني مباشرة.
— “يا أستاذ آدم؟”
طلعت موبايلي وفتحت نظام المرتبات.
كتبت اسمها.
ظهر ملفها خلال ثواني.
وظهر قدامه الرقم اللي شركتي بتقول إنها بتدفعه لها كل شهر.
فضلت باصص للشاشة.
وبعدين بصيت لسلمى.
حد جوه مؤسستي كان بيسرق من موظفيني من سنين.
والتوقيع الموجود تحت تحويلات المرتبات كان بتاع راجل أنا كنت واثق فيه لدرجة إني سلمته نص إمبراطوريتي.
الحاج فؤاد الشناوي.
مدير التشغيل وأقرب رجالي ليا.
الراجل اللي كنت بعتبره إيدي اليمين.
ساعتها فهمت إن سلمى ماكانتِش الحالة الوحيدة.
كانت مجرد أول واحدة شوفتها بعيني.
وقفت، وحطيت الطبق على الترابيزة.
— “سلمى، من النهارده إنتِ مش هتاكلي بواقي.”
هزت راسها بسرعة.
— “أنا آسفة يا فندم، والله ما كنت أقصد…”
قاطعتها.
— “إنتِ مش فاهمة.”
قربت منها وقلت بهدوء:
— “اللي لازم يعتذر… مش إنتِ.”
وفي نفس الليلة، فتحت كل ملفات العاملين في شركاتي.
وبعد ساعة واحدة، اكتشفت إن سرقة مرتبات سلمى كانت مجرد طرف خيط.
العشرات كانوا بيتسرق منهم.
بعضهم من خمس سنين.
وبعضهم من سبع سنين.
وكان فؤاد الشناوي بيحول ملايين الجنيهات لحسابات سرية، بينما الموظفين اللي أنا كنت فاكر إنهم بيتقبضوا كويس كانوا بيستلفوا عشان يشتروا أكل.
لكن أكتر حاجة كسرتني كانت ورقة واحدة.
كشف راتب سلمى.
مرتبها الحقيقي كان ثلاثة أضعاف الرقم اللي كانت بتستلمه.
وفي خانة الملاحظات، كان فيه تعليق كتبه فؤاد بنفسه:
“موظفة محتاجة… مش هتشتكي.”
قفلت الملف ببطء.
وبصيت لسلمى.
هي ماكانتش بتجوع لأنها ضعيفة.
كانت بتجوع لأن حد استغل خوفها.
وأنا، رغم كل القوة اللي كنت فاكر إنها بتحميني، كنت أعمى عن اللي بيحصل جوه بيتي.
في الصبح، استدعيت فؤاد.
دخل مكتبي مبتسم كعادته.
— “صباح الخير يا آدم باشا.”
رفعت عيني له.
— “اقفل الباب يا فؤاد.”
ابتسامته اختفت.
— “في حاجة؟”
حطيت كشف المرتبات قدامه.
— “أيوه.”
سكت.
— “عايز تعرف أنا عرفت إزاي؟”
بص للورق.
— “مش فاهم.”
قلت بهدوء:
— “سلمى كانت بتاكل رز بارد على أرضية المخزن الساعة اتنين الصبح.”
وشه اتغير.
ولأول مرة في حياتي، شفت الخوف الحقيقي في عين الراجل اللي كان كل الناس بتخاف منه.
قلت له:
— “إنت ما سرقتش فلوس من شركتي يا فؤاد.”
سكت.
— “إنت سرقت أكل من بيوت ناس.”
ثم دفعت الملف ناحيته.
— “والحساب بدأ النهارده.”
لأن سلمى كانت أول موظفة اكتشفت قصتها.
لكنها لم تكن الأخيرة.
ومن يومها، تغيرت قواعد إمبراطورية المنصوري كلها.
أما ليلى ومروان…
فأنا بنفسي روحت المنوفية عشان أقابلهم.
ولما شفتهم، فهمت ليه أمهم كانت مستعدة تنام جعانة كل ليلة عشان هما يشبعوا.
ليلى مسكت إيد أمها وقالت:
— “ماما، هو الراجل ده صاحب البيت؟”
سلمى اتوترت.
لكنني ابتسمت وقلت:
— “لا يا ليلى.”
بصت لي باستغراب.
— “أمال مين؟”
بصيت لسلمى.
— “البيت ده من النهارده بيت أمك كمان.”
سلمى عينيها اتمَلَت دموع.
— “يا فندم، أنا مش عايزة صدقة.”
هزيت راسي.
— “ومش هديكي صدقة.”
ثم وضعت قدامها عقدًا جديدًا.
— “ده حقك. مرتبك الحقيقي، تعويض عن السنين اللي اتسرقت منك، ونسبة من الأرباح اللي اتاخدت من العمال.”
فضلت ساكتة وهي بتبص للعقد.
وبعد لحظات، سألتني:
— “ليه بتعمل كل ده؟”
بصيت لولاديها.
ثم قلت:
— “عشان في ليلة واحدة، اكتشفت إن أكبر سرقة حصلت في إمبراطوريتي ماكانتش الفلوس.”
— “أمال كانت إيه؟”
قلت:
— “كرامة ناس وثقوا فيا.”
ومن يومها، ماعدتش أقيس نجاحي بعدد الشركات اللي أملكها.
بقيت أقيسه بعدد الناس اللي يقدروا يرجعوا بيوتهم آخر الشهر من غير ما يضطروا يقعدوا على أرضية مخزن في الضلمة… وياكلوا حبة رز واحدة كل مرة، وهم خايفين حد يكتشف إنهم بيحاولوا يعيشوا.
حكايات شروق خالد
لكن اللي حصل بعد ما افتكرت إن الموضوع خلص، كان أسوأ بكتير.
بعد أسبوع من كشف سرقة المرتبات، كنت قاعد في مكتبي الساعة عشرة بالليل، قدامي عشرات الملفات والحسابات البنكية.
كنت فاكر إن فؤاد الشناوي هو العقل المدبر.
لكن الأرقام كانت بتقول غير كده.
كل ما أراجع تحويل، ألاقي تحويل أكبر منه.
كل ما أفتح شركة، ألاقي شركة تانية مرتبطة بيها.
وفي النهاية، ظهر اسم واحد بيتكرر في كل الملفات.
طارق المنصوري.
ابن عمي.
الراجل اللي كان مسؤول عن جزء كبير من الاستثمارات العائلية.
اتصلت بيه.




