
أخت جوزي بعتتلي رسالة بتحدد فيها لبس الحفلة: «فستان أبيض بفتحة عالية بس»، وكانت متأكدة إني هرفض، لأن جسمي كان مليان ندوب بشعة بعد إصابة أنهت مسيرتي في التزلج على الجليد.
سمعتها وهي بتضحك وبتقول:
«مستحيل تحط رجلها المشوهة دي على الجليد جنبنا.»
ما صرختش، وما دخلتش معاها في خناقة. بس خرجت بهدوء.
وفي ليلة العرض اللي كان هيتذاع على التلفزيون، جوزي سلّمني شنطة هدوم سرية وهمسلي:
«حان وقت الدرس.»
ولما دخلنا منطقة كبار الشخصيات ورا الكواليس، وشافتني أخت جوزي، ملامحها اتجمدت من الصدمة…
جوزي ياسين كان واحد من أشهر مصممي عروض التزلج على الجليد في مصر، وكان تقريبًا هو السبب الأساسي في نجاح أخته الصغيرة، داليا.
من تلات سنين، اتعرضت لحادث مروع أثناء واحدة من أهم البطولات، وكانت إصابتي خطيرة لدرجة إنها أنهت مستقبلي في اللعبة اللي قضيت عمري كله بحبها.
وأثناء فترة علاجي، داليا استغلت غيابي.
أخدت مدربيّ، واستولت على وقت التدريب اللي كان مخصص ليا، وبعدها بوقت قصير حصلت على اللقب القومي اللي كنت أنا البطلة فيه.
ومع مرور الوقت، أصبحت هي النجمة الجديدة.
ولما أعلنت عن عرض ضخم قبل بطولة دولية كبيرة، ياسين وافق يساعدها، وسمح لها تستخدم بعض العروض اللي صممها بنفسه، واللي كانت سببًا في فوز متسابقين كتير بميداليات وجوائز.
كنت فاكرة إن دعوتها ليا مجرد محاولة منها إنها تظهر قدام الناس إنها متسامحة وإنها بتكرم واحدة كانت منافستها زمان.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
قبل العرض بكام يوم، أنا وياسين رحنا لصالة التدريب عشان نسلم داليا حذاء التزلج الجديد اللي طلبته.
باب غرفة تبديل الملابس كان مفتوح سنة صغيرة.
وفجأة سمعنا صوت ضحك داليا وصديقاتها من جوه.
قالت داليا وهي بتفتح زجاجة مشروب:
«طبعًا كان لازم أعزمها تعمل لفة تكريم قدام الناس. بس مستحيل تكشف رجلها اللي شبه الوحش دي وهي لابسة فستان أبيض تحت إضاءة قوية وكاميرات التلفزيون.»
ضحكت واحدة من صاحباتها وقالت:
«يعني لو حاولت تتزلج، هتتعثر قدام الناس كلها.»
داليا ردت وهي بتضحك:
«وده المطلوب بالظبط. عايزة الجمهور يشوف بنفسه إنها خلصت، وإن أنا الوحيدة اللي تستحق أمثل مصر في البطولات الكبيرة.»
ضحكاتهم كانت بتخترق قلبي.
حسيت إن جسمي كله اتجمد.
كنت واقفة في الممر، ومش قادرة حتى أتنفس.
لكن ياسين ما صرخش.
ما خبطش على الباب.
وما دخلش يواجه أخته.
طلع موبايله من جيبه، وبدأ يسجل كل كلمة.
داليا ما كانتش تعرف إن التسجيل ده هيكون أول خطوة في سقوطها.
وما كانتش تعرف كمان إن ياسين وأنا كنا مخبيين سر كبير عن الجميع.
سر متعلق بالحادث اللي أنهى مستقبلي.
من يوم الحادث وأنا كنت بحاول أتعامل مع الخوف اللي بقى ملازمني.
صوت التزحلق على الجليد، نظرات الناس، حتى صوت سقوط أي حاجة على الأرض، كل ده كان بيرجعني للحظة اللي اتكسرت فيها حياتي.
وفكرة إني أقف قدام ملايين المشاهدين وأتعرض للسخرية كانت مرعبة بالنسبة لي.
وفي ليلة العرض، خوفي وصل لأقصى درجة.
قلت لياسين:
«أنا مش هقدر أطلع.»
هزيت راسي وأنا بعيط:
«خليني هنا، بالله عليك. مش عايزة أديها الفرصة تضحك عليا قدام الناس.»
كنت مستعدة أستخبى طول الليلة، بس ما أطلعش قدام الكاميرات.
لكن ياسين دخل الغرفة الخاصة بينا، وكان هادي بشكل غريب.
هدوءه كان أخوف من أي عصبية.
حط شنطة هدوم سوداء أنيقة على الترابيزة، وبصلي وقال:
«أنا خلاص بطلت أحمي داليا من نتيجة أفعالها.»
بصيتله باستغراب.
فتح الشنطة ببطء وقال:
«قدامك عشر دقايق تجهزي.»
قلتله:
«إنت جايب إيه؟»
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
«الليلة دي مش هتطلعي ضحية.»
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
«الليلة دي هتطلعي وتفكريها مين الست اللي كانت بتحاول تكسرها.»
إيدي بدأت ترتعش وأنا ببص لجوا الشنطة.
كان جواها شيء ما كنتش أتوقع أشوفه أبدًا بعد تلات سنين.
شيء مرتبط بماضيي، وبأكبر إنجاز في حياتي.
لبست، وخرجت مع ياسين.
ولما دخلنا منطقة التحكم الرئيسية قبل بداية البث بدقائق، داليا كانت واقفة قدام شاشات العرض، بتتكلم بثقة مع فريقها.
لكن أول ما رفعت عينيها وشافتني…
ابتسامتها اختفت.
وشها اصفر.
فضلت باصة لي من فوق لتحت، وكأنها مش مصدقة إني فعلًا جيت.
كانت متوقعة إني أخاف.
كانت متوقعة إني أستخبى.
كانت متوقعة إنها تظهر قدام الناس كبطلة وأنا أظهر كإنسانة مكسورة.
لكنها ما كانتش تعرف إن ياسين كان محتفظ بتسجيل صوتها.
وما كانتش تعرف إن الشنطة اللي جبتها معايا ما كانتش مجرد هدوم.
كانت تحمل دليلًا قادرًا على تغيير كل حاجة.
وبمجرد ما بدأ البث، ظهرت أول مفاجأة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.




