روايات وقصص

حكاية الـ 11 دقيقة حكايات_شروق_خالد

عاصم تردد لحظة.
وبعدين بص ناحية باب القاعة المقفول.
“عشان الناس اللي المفروض أثق فيهم، أثبتوا لي كويس هما عايزين مني إيه.”
بلعت ريقي بصعوبة.
“وإنت عايز مني إيه؟”
“مراتي ما تمثلش إنها بتحبني عشان فلوسي.”
كنت هضحك تاني.
“بس إنت حرفياً بتعرض عليا فلوس عشان أتتجوزك.”
ولأول مرة، عاصم ابتسم.
ابتسامة صغيرة ومتعبة.
“نقطة تحسبي.”
وبعدين بص لساعة إيده.
11:48 بالليل.
“ها يا مريم، موافقة؟”
فضلت باصة له.
“وإنت عرفت اسمي منين؟”
“مكتوب على كارت التعريف بتاع الشغل.”
بصيت لصدري.
طبعاً.
خدت نفس عميق.
ستمائة ألف جنيه.
جوازة من راجل دوبك لسه شايفه من دقايق.
ومعاد نهائي مالوش أي معنى منطقي.
وبعدين فكرت في أمي.
الدوا بتاعها.
والروشتات والفواتير اللي متراكمة جنب سريرها.
ولقيت نفسي بفكر بجد.
“عندي شرط واحد.”
عاصم هز راسه فوراً بدون تردد.
“قوليه.”
بصيت في عينه دايركت.
“أمي خط أحمر وأولويتي الأولى. لو احتاجتني في أي وقت، هسيب كل وأجري عليها. من غير إذن، ومن غير نقاش، ومفيش أي فلوس في الدنيا تديك الحق تحرمني منها أو تمنعني أروح لها.”
ملامح وشي اتغيرت، وحسيت إنه اتفاجأ بجد من كلامي.
“إنتي مش طالبة فلوس أكتر؟”
“لأ.”
“طيب ذهب؟ عربية؟ شقة تمليك؟”
هزيت راسي بالنفي.
“أنا مش محتاجة حد يشتريني يا بشمهندس. أنا كل اللي محتاجاه إنك تفهم إني عندي حياة وحياة تخصني بالفعل.”
فضل ساكت كذا ثانية.
بعدين عينه نزلت على الساعة.
11:49 بالليل.
ولما رجع بص لي تاني، ملامحه كانت هادئة وحست بلين مفاجئ.
“يا مريم، محدش في حياتي فاوضني بالشجاعة دي أبداً.”
بلعت ريقي بتوتر.
“يعني ده قبول؟”
عاصم مد إيده يمسك موبايله.
وبعدين وقف مكانه.
“فيه حاجة لازم تعرفيها.. إيه اللي هيحصل لو متجوزناش قبل الساعة اتناشر بالليل بالضبط.”
معدتي انقبضت رعب.
لأني فهمت فجأة إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد عرض غريب من ملياردير في أزمة..
فيه حد حط لعاصم مهران مهلة نهائية مرعبة، ومهما كانت الخسارة، كانت كبيرة لدرجة تخليه يعرض على بنت غريبة ستمائة ألف جنيه عشان تثق فيه لمدة حداشر دقيقة بس.
#حكايات_شروق_خالد

الفصل الثاني
الباب اللي ورا عاصم اتفتح بببطء من غير صوت.
الراجل اللي دخل لم يكن غريباً عني، رغم إني مكنتش أتخيل إني أشوفه هنا في الوقت المتأخر ده. كان “شاكر المنسي”، الشريك التنفيذي والذراع اليمين لعاصم في الشركة، واللي صورته دايماً بتتصدر صفحات مجلات المال والأعمال جنبه.
وشاكر كان ماسك في إيده ملف عريض، وابتسامته الباردة مرسومة بدقة على شفايفه، ابتسامة حد واثق إنه كسب الجيم خلاص.
“معقول يا عاصم؟” قال شاكر بصوته الهادئ وهو بيقرب من الترابيزة، “بتدور على عروسة وسط عاملات النظافة والسعاة عشان تلحق الشرط الجزائي؟ للدرجة دي الخوف من خسارة أسهم الشركة مكبّلك؟”
عاصم مبلعش ريقه، وبص له بنظرة حادة تكفي تجمّع دم في العروق. “شاكر.. مكانك مش هنا دلوقتي.”
“بالعكس، مكاني هنا تماماً عشان أشهد النهاية,” قال شاكر وهو بيقعد على كرسي من غير ما يستأذن، وبيبص لي بنظرة كلها سخرية وازدراء، “البنت دي متعرفش أصلاً إيه اللي هيحصل بكره الصبح.. متعرفش إن مجلس الإدارة هيصوت على سحب الوصاية والإدارة منك لو بقيت أعزب لحد نص الليل، وساعتها كل مجموعة مهران الاستثمارية والشركات والبرج اللي إحنا واقفين فيه ده.. هيبقى تحت تصرفي أنا وشركائي الجدد.”
عاصم قرب خطوة من شاكر، وصوته نزل لدرجة خلتني أرجف رغم إني بعيدة: “لو كنت مفكر إنك قدرت تحاصرني، فإنت نسيت مين اللي بنى الإمبراطورية دي من الأساس.”
“البناء انهار يا عاصم، والوصية شرطت بوضوح: المدير التنفيذي لازم يكون مستقر أسرياً ومعمّر لبيته.. يعني متجوز، وبعقد قانوني موثّق قبل الساعة اتناشر بالليل، وإلا مقعدك في مجلس الإدارة هيعتبر باطل قانوناً،” شاكر بص لساعته وقال بابتسامة صفراء: “فاضل سبع دقايق يا عاصم.. سبع دقايق بس، وتدمر كل اللي أبوك بناه.”
بصيت لـ عاصم، وبعدين بصيت لشاكر، والموقف كله بقى أشبه بكابوس مرعب. الـ 600 ألف جنيه اللي كنت شايفهم طوق نجاة، طلعوا مجرد ثمن في لعبة سيطرة والحرب كراسي بين رجال أعمال كبار، وأنا طلعت “الكارت” الأخير اللي عاصم بيلعبه عشان ينقذ نفسه من الضياع.
دموع أمي ودواها جه في بالي في ثانية. مش مهم اللعبة إيه، ومش مهم مين يكسب ويخسر.. أنا محتاجة الفلوس دي عشان أمي تعيش.
مديت إيدي بسرعة لـ عاصم، وقلت بصوت ثابت رغم دقات قلبي اللي كانت بتخبط زي الطبول:
“هات التليفون.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى