
عاصم اتفاجأ وبص لي بدهشة.
“اكتب العقد.. أو اتصل بالمأذون اللي جاهز على تلفونك الطارئ،” كملت كلامي وأنا باصة في عينه بجرأة، “لأنك لو خسرت الكرسي ده.. مش بس إنت اللي هتخسر، أنا كمان محتاجة الفلوس دي أكتر من أي حاجة في الدنيا.. ومستعدة أكمل معاك اللعبة دي للآخر.”
شاكر وقف مكانه بصدمة، وابتسامته اتلغت تماماً من على وش.
عاصم طلع تليفونه فوراً، وبص لي بنظرة امتنان أول مرة ألمحها في عيونه الصارمة:
“الساعة دلوقتي 11:53.. قدامنا سبع دقايق، وتاريخ شركة مهران كله هيتكتب من أول وجديد بيكي يا مريم.”
#حكايات_شروق_خالد
الفصل الثالث
نبرة التحدي اللي سمعها شاكر في صوتي خلته يفقد هدوءه لأول مرة. تقدم خطوتين لقدام وهو بيشير بصباعه ناحيتي بنبرة كلها تهكم:
“إنتي مجنونة يا بت إنتي؟ إنتي عارفة إنتي بتمضي على إيه؟ ده مش جواز.. دي طوق نجاة لواحد مفلس صعد على أكتاف غيره، وبكره الصبح لما يرميكي مش هينفعك الستمائة ألف جنيه اللي بتجري وراهم!”
قبل ما شاكر يكمل جملته، كانت إيد عاصم مهران ماسكة لياقة جاكت البدلة بتاعه بقوة رهيبة، ورفعه عن الأرض. وش عاصم كان محتقن بالدم، وعيونه بتطلع شرار.
“صوتك لا يعلى جوه شركتي، ولا يتطاول على مراتي.. مفهوم؟” صوت عاصم كان واطي بس مليان غضب.
شاكر زق إيد عاصم عنه بصعوبة وهو بيعدل هدومه بتوتر، بس حاول يداري رعشته بضحكة صفرا: “اقتلني ولا اعمل اللي تحبه يا عاصم.. بس الساعة دلوقتي 11:55! قدامك خمس دقايق والمأذون اللي مستنيك في المكتب تحت مش هيقدر يلحق يوثق الجواز قبل ضربة الساعة اتناشر.. اللعبة خلصت يا مهران!”
عاصم سابه خالص وبص لي بسرعة، لقيت تليفونه في إيده والعين على الشاشة. المأذون كان ظاهر على مكالمة فيديو وجاهز بكل الأوراق ومستني الإشارة.
“مريم،” قال عاصم وصوته كان مليان رجاء لأول مرة أشوفه فيه، “المأذون جاهز عبر الفيديو، والشهود اتنين من حرس المبنى تحت.. كل اللي محتاجينه بصمتك وإمضائك على العقد الإلكتروني الموثق مع الشهر العقاري فوراً.. موافقة تكوني مراتي على ديني وسنتي ودون أي شروط تانية غير شرطك؟”
بصيت للأسفل على الشاشة، وبصيت لشاكر اللي كان بيعد الثواني على ساعته بلهفة، وبعدين فكرت في أمي ووجعها..
“موافقة!” قلتها بصوت عالي وواضح، “بس شيك الستمائة ألف يتصرف دلوقتي حالاً قبل ما الساعة تجيب اتناشر!”
ابتسامة خطفت قلب عاصم ظهرت على شفايفه، ودوس بصباعه على زرار في تليفونه، وفي ثواني وصلني إشعار على موبايلي البسيط برسالة بنكية: (تم إيداع مبلغ 600,000 جنيه مصري في حسابك بنجاح).
المأذون بدأ يقرأ صيغة عقد الزواج الشرعي عبر الفيديو: “زوجتك موكلتي.. وأنا قبلت الزواج.. وعلى كتاب الله وسنة رسوله…”
“قبلتُ!” قلتها وأنا بمضي بصباعي على الشاشة الرقمية قدام عاصم.
“وأنا قبلتُ!” قالها عاصم بصوت رنان هز حوائط القاعة.
شاكر وقف متسمر مكانه، عيونه بتبرق في شاشة موبايله اللي جاله عليها إشعار من الإدارة القانونية بتقول: (تم توثيق الزواج رسمياً في تمام الساعة 11:58 مساءً.. عقد صحيح ومستوفي لكل شروط الوصية).
الساعة في الحائط جابت 12:00 بالتمام والكمال.
شاكر سقطت إيده وجاكت البدلة اتهبد على جنبه، وبص لعاصم بصدمة العمر: “إنت.. إنت عملتها إزاي في آخر ثانية؟”
عاصم خدني من إيدي بهدوء ووقّفني جنبه بثقة، وبص لشاكر بنظرة انتصار ساحقة: “الفرق بيني وبينك يا شاكر، إني بشترط بالثقة، وإنت بتبني حساباتك على الخيانة.. ودلوقتي، برّص مكتبك واطلع برا شركتي، لأن بصفتك الشريك الأقل، مراتي وأنا اللي هندير المجموعة دي من بكره الصبح.”
لقيت نفسي واقفة جنب أغنى راجل في مصر، وأنا لسه ماسكة قماشة التنظيف في الإيد التانية.. بس الدنيا كلها اتغيرت في تلات دقايق بس!
الفصل الرابع
القاعة سكتت تماماً، ومبقاش فيه صوت غير دقات الساعة اللي أكدت إن التاريخ اتغير للأبد.
شاكر بلع ريقه بصعوبة بالغة، وبصلي بنظرة كلها غل وحقد، وكأن مش مصدق إن “عاملة النظافة” اللي كان بيحتقرها من دقايق بقت شريكة في الإمبراطورية دي وصاحبة الكلمة المسموعة جنب عاصم. من غير ما ينطق بحرف واحد، لف ظهره بخطوات مهزوزة وخرج من القاعة وهو بجر أذيال الخيبة والكسرة.
الباب اتقفل وراه، وفجأة حسيت بكل التوتر والإرهاق اللي كتمته طول اليوم بيفرغوا في جسمي مرة واحدة. رجليا اللي كانت شايلاها أطنان من التعب حسيت إنها بتخونني، وكنت هاوقع لولا إن إيد عاصم القوية مسكتني بحنان وسندتني بسرعة.
“مريم.. إنتي كويسة؟” قالها بصوت هادئ.
هزيت راسي وأنا باخد نفس عميق: “أنا.. أنا كويسة، بس حاسة إني في حلم مش مصدقاه.”
عاصم ابتسم، والمرة دي كانت ابتسامة صافية وحقيقية خلت شكله يختلف تماماً. “ده مش حلم.. ده واقع جديد صنعناه إحنا الاتنين سوا. وبصفتك مراتي وشريكتي، أول خطوة هنعملها حالا هي إننا نتحرك نطمئن على الست الوالدة وننقلها لأفضل مستشفى في مصر فوراً.”
فكرت في أمي، وكلمة “مستشفى كبير ودكتور شاطر” اللي كانت بعيدة المنال، بقت دلوقتي في إيدي. دمعة فرح نزلت على خدري، ومسحتها بسرعة بكم هدومي.
“شكراً يا عاصم.. مش عارفة أقولك إيه.”
“ما تقوليش حاجة،” قالها وهو بيمسك موبايله وبيطلب السواق الخاص بيه، “اعتبري اللي حصل ده بداية صفحة جديدة ليكي ولأخيراً.. حياة كريمة تستحقيها.”
بعد أقل من ساعة، كنت قاعدة في عربية عاصم الفارهة، وماسكة موبايلي وعنيه بتبص على رسالة البنك اللي فيها الـ 600 ألف جنيه، وجنبها إشعار إن أمي اتنقلت في غرفة خاصة في أكبر مستشفى والدكاترة بدأوا معاها العلاج اللازم.
عاصم قعد جنبي في العربية بصمت، ومد إيده بهدوء مسك إيدي المتعبة اللي لسه فيها آثار الشغل والتنظيف. حسيت بدفء غريب وأمان مكنش في حياتي قبل كده.
بصيت له وقلت بتساؤل: “بس يا عاصم.. الجوازة دي وإنقاذ الشركة مؤقت لحد ما الأمور تهدأ، ولا إيه النظام؟”
عاصم بص في عيني بثقة وهدوء وقال: “مين قال إنها مؤقتة؟ أنا لا يمكن أفرط في ست وقفت جنبي في أصعب دقيقة بجدعنة وشجاعة.. الجواز ده حقيقي وقانوني يا مريم، ومليون سنة ضوئية ما أفرطش فيكي.”
قلبي دق بسرعة، ولقيت نفسي ببتسم لأول مرة من سنين طويلة.
قصتي مكنتش مجرد صدفة ليلية في قاعة اجتماعات، دي كانت بداية حكاية جديدة.. أنا اللي بدأت فيها كعاملة نظافة، وخلصتها وأنا شريكة حياة أغنى راجل في مصر.
#حكايات_شروق_خالد
حكاية الـ 11 دقيقة
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



