روايات وقصص

الزعيم والممرضة #حكايات_شروق_خالد

— “جريئة أوي.. لدرجة الغباء.” قالها وهو بيجز على أسنانه من وجع الجرح.
— “الغباء هو اللي مخليك قاعد بتعاند مع الموت عشان غرورك، وأنا مش فاضية أموت معاك عندي غسيل وإيجار مستنيني.” رديت عليه وأنا بسحب زجاجة المطهر الطبي ومحلول المحاليل من الشنطة.
بدأت أنظف الجرح بحذر شديد، ووشه اتخطف من الألم، وعضلات جسمه انشدت كأنها حديد، بس ما طلعش صوت واحد.. الراجل كان بيبلع الوجع جوه روحه عشان ميظهرش ضعيف قدامي.
— “إيدك خفيفة.. بس لسانك طويل أوي يا دكتورة.” قالها بصوت مبحوح ودايب من التعب، وراسه مالت على المخده.
— “اللسان الطويل بيكفي ويوفر وقت.. ودلوقتي اعدل نفسك عشان أخيط الجرح ده قبل ما الصديد ياكل الكتف كله.”
سكت شوية، وبان على وشه أمارة استسلام أولى، وقال بنبرة هادية لأول مرة: “اعملي اللي تشوفيه.. بس لو سيبت أثر، هعتبرها قضية تانية.”
ابتسمت بسخرية وأنا بجهز الإبرة والخيط الطبي: “اطمئن.. أيدي في الشغل أحسن بكتير من كلامي.”

#حكايات_شروق_خالد

تحت ضوء اللمبة الضعيف، بدأت أشتغل في الجرح بتركيز تام. إيدي كانت ثابتة، رغم إن دقات قلبي كانت لسه راجعة تنتظم بصعوبة بعد خضة دخول عمرو والحارس. كنت بدخل الإبرة وأطلع بيها بحرفية دكتورة طوارئ قديمة، شايفة بلاوي ومستحميلة ضغط عصبى يهد جبال.
فارس كان مقفل عينه، وعضلات رقبته وجسمه مشدودة على الآخر. كل ما الخيط كان بيعدي في الجلد الممزق، كنت بشوف وجع خفي بيترسم على ملامحه، بس ما نطقش بحرف واحد. الراجل كان بيعاند مع الوجع زي ما بيعاند مع الموت بالظبط.
— “خلاص.. قربت أخلص، استحمل معايا غرزتين كمان.” قلتها بصوت هادي وخالي من السخرية المرة دي، كأني بطمن طفل مش زعيم مافيا.
فتح عينه ببطء، وبص لي بنظرة أول مرة أشوفها فيه.. نظرة فيها احترام خفي ممتزج بدهشة.
— “إنتي متأكدة إنك كنتي شغالة في مستشفى حكومي عادي؟” سألني بصوت واطي ومبحوح، وكأنه بيحاول يلهي نفسه عن وجع الخياطة.
قصيت الخيط بالمقص وعقدته بحرفية، وبعدين حطيت مرهم مضاد حيوي وشاش نظيف ربطته بإحكام حوالين كَتفه.
— “طوارئ القصر العيني يا سيادة الباشا.. هناك بنشوف حالات تخلي اللي زيك يغمى عليه من أول دقيقة، والممرضة هناك بتتعلم إزاي تداوي الجروح وتكتم الصراخ لوحدها من غير لا مساعدة ولا دكاترة فاضيين.”
عدل جسمه شوية على المخدات بعد ما حس براحة نسبية في كتفه، ورمى راسه لوراء وهو بيلتقط نفسه ببطء.
— “شغلك نضيف.. وعندك قلب جامد.” قالها وهو بيبص لشاش الجديد اللي بقى أبيض ونظيف. “عمرو!”
قبل ما أكمل جملتي، باب الجناح اتفتح في ثانية، وكأن عمرو كان واقف لازق في الباب من بره مستني أي إشارة. دخل وخطى بخطوات سريعة ووشه كله قلق.
— “أمرك يا باشا؟”
فارس بصه ببرود وقال بنبرة قاطعة: “جهزي الأكل للآنسة نورا.. وحطِّي الشنطة بتاعتها في الأوضة اللي جنب الجناح ده فوراً. وبكره الصبح بدري، تروحوا تدفعوا إيجار شقتها وتجيبوا الإيصال لحد هنا.”
عينيه نطت عليا وأنا باصة له بدهشة، وكمل بابتسامة خفيفة ملتوية: “عشان الإيجار اللي يوم الإثنين ده.. ما يعطّلش شغلك معايا.”
عمرو بلع ريقه وبص لي بدهشة أكبر، وبعدين هز راسه بسرعة: “أمرك يا باشا، حالاً.”
بصيت لفارس ورفعت حاجبي وأنا بلم أدواتي في الشنطة: “شايفك بتشتري دماغي بالفلوس بتاعتي.. بس ماشي، طالما الإيجار هيدفع، اعتبرني فتحت معاك صفحة جديدة يا باشا.”
ضحك ضحكة مكتومة هزت كَتفه، وقال وعيونه بتلمع بلمحة غريبة: “شكل الأيام اللي جايين في القصر ده.. مش هتكون مملة خالص يا نورا!”
لميت أدواتي الطبية وحطيتها جوه الشنطة بهدوء، ورجعت بصيت له لقيته غصب عنه عينيه بدأت تتقفل لوحدها من التعب والإرهاق اللي كان مكتم عليه طول الأيام اللي فاتت، خصوصاً بعد ما الجرح ارتاح والصدิด اتشال.
— “نام وارتاح، الصديد راح والكتف هدي، ولو حسيت بسخونية تاني بكرة، ابقى اندهلي.. طبعاً بالزرار العجيب بتاعكم ده.” قلتها وأنا برفع شنطتي وبتحرك ناحية الباب.
فتح عينه نص تقفيلة وبصلي بنظرة هادية وغامقة، وقال بصوت خشن: — “تصبحي على خير يا دكتورة.. ونورا؟”
وقفت وبصيتله فوقفت مكاني: “نعم؟”
— “باب الأوضة اللي جنبك مفتوح، والبيت كله تحت أمرك.. ما تخلينيش أحتاج أنادي عليكِ تاتي، ماشي؟”
ابتسمت بسخرية خفيفة وأنا بهز رأسي: “اطمئن، مرتاحة في أوضتي أكتر ما تتخيل.”
طلعت من الأوضة، ولقيت عمرو واقف بره مستنيني، ووشه متبدل خالص وبدل القرف والغرور اللي كان بيبصلي بيه أول ما جيت، بقى فيه احترام واضح ومرسوم على ملامحه.
— “اتفضلي يا دكتورة.. الأوضة بتاعتك جاهزة، والأكل هيكون عندك في خلال دقايق، ولو عزتِ أي حاجة في أي وقت، أنا موجود تحت.” قالها وهو بيشاور لي على الأوضة اللي جنب الجناح الرئيسي على طول.
دخلت الأوضة اللي كانت أوسع وأفخم من شقتي كلها على بعضها، الملايات نضيفة والريحة هادية ومريحة. حطيت شنطتي، ورميت نفسي على السرير وأنا بحس بتعب الدنيا كُلّه بيتجمع في جسمي. صحيح الخضة كانت جامدة والبداية مرعبة، بس كنت حاسة إن الجاي هيبقى مختلف تماماً.
تاني يوم الصبح بدري، صحيت على صوت خبط خفيف على الباب. فتحت، ولقيت عمرو واقف وماسك في إيده ظرف كبير وورقة.
— “صباح الخير يا دكتورة. الباشا صاحي وبيسأل عنك.. ودي حاجة باعتك فيها.”
مد إيده بالظرف، وفتلقيته وفتحيته، لقيت جواه إيصال سداد إيجار شقة فيصل، ومعاه مبلغ كويس جداً كدفعة مقدمة لشغلي في القصر، ومعاهم ورقة صغيرة مكتوب بخط يدوي ناشف:
(حقك.. وبزيادة كمان. تعالي على الأوضة عندي، لسه الجرح محتاج متابعة.)
ضحكت بصوت عالي، وبصيت لعمرو وأنا بهز راسي: “قول للباشا.. دقايق وأكون عنده!”

#حكايات_شروق_خالد

خلصتُ من قراءة الظرف والإيصال، وخدت نفسي بعمق وأنا حاسّة إن حمل جبل المقطم كله اتقلع من على كتافي. بصيت لعمرو اللي كان واقف بيبتسم بترميز كأنه بيبارك لي على أول نصر مع الباشا، وهزيت راسي له.
— “قول للباشا دقايق وأكون عنده.”
دخلت الحمام غسلت وشي، وعدلت شعري قدام المراية، ورجعت مسكت شنطتي الطبية اللي بقيت جزء من يومياتي الجديدة هنا. مشيت في الممر الطويل الهادئ، ووقفت قدام البابين الكبار بتوع الجناح الرئيسي. المرة دي، مخبطش برضه.. بس فتحت الباب ودخلت على طول.
الأوضة كانت منورة شوية عن امبارح، والستائر مفتوحة نص فتحة بتدخل نور الشمس الصبحي الهادي على الجدران.
فارس كان قاعد على السرير، لابس تيشرت أسود قطني واسع، وكتفه الأيمن متغطي بشاش نضيف ومرتب. شكله كان مريح أكتر بكتير من امبارح، ودقنه الخفيفة مع بياض وشه مدياله هيبة تانية خالص. أول ما دخلت، رفع عينيه ليا وبان على شفايفه ابتسامة صغيرة خفيفة.
— “بدري يا دكتورة.. فكرتيني ههرب ولا إيه؟” قالها بصوت هادي ومتحسن كتير عن إمبارح.
— “هرب فين بس يا سيادة الباشا؟ والفلوس اللي في الظرف لسه مالحقتش أنزل أصرفها؟” قربت من السرير وطلعت جهاز قياس الضغط والترمومتر من الشنطة. “يلا، مد إيدك عشان أطمن إن الجرح مطلعش جنان تاني.”
مد إيده بهدوء وهو بيبص لي بنظرة عميقة كأنه بيقرا كل خطوة بخطوة.
— “حرارتك نزلت، وضغطك اتظبط.. شكلك كده هتعيش وتغلب يا فارس باشا.” قلتها وأنا بشيل الجهاز من ايديه.
— “فارس حاف.. مفيش داعي للرسميات دي طالما بقينا شركاء في الإيجار وفي العند.” قالها وهو بيعدل قعدته ببطء.
بصيتله بثقة وأنا ببتسم: “تمام يا فارس.. بس على شرط، الشغل بشغله، وأنا هنا ممرضة مش أكتر.”
غمز بعينيه بابتسامة ساحرة وخطيرة: “بكرا تشوفي وتعرفي إن مفيش حاجة هنا ثابتة على حالها.. خصوصاً الحكاية اللي بدأت بيني وبينك من امبارح.”
سكتت لحظة، وقلبي دق دقة خفيفة ملهاش تفسير، بس رفعت راسي وضحكت: “طب يلا عشان تفطر، والدواء القديم ده مش هيتاخد لوحده.”
ومن اليوم ده، حياتي اللي كانت واقفة على حافة الهاوية والإيجار والمصائب، اتحولت لقصة تانية خالص.. قصة بدأت برصاصة وكلمة “لا”، وانتهت بحكاية ما حدش كان يتوقع نهايتها.

الزعيم والممرضة

#حكايات_شروق_خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى