روايات وقصص

الزعيم والممرضة #حكايات_شروق_خالد

وسابني ومشي.
دقات قلبي كانت بتعلى وتدق في وداني مع كل خطوة أقرب بيها من الأبواب المقفولة دي.
مخبطش على الباب.
محدش فهمني إن فيه خبط أصله.
الأوضة كانت ضلمة كحل أول ما دخلت، ومافيش غير شريط ضوء رمادي رفيع جاي من الشارع وواخد طريجه من الستائر التقيلة.
سخونة رهيبة خبطت في وشي.. الأوضة كانت عاملة زي الفرن الحامي.
وفجأة.. طلع صوت خشن من عتمة السرير.
“اطلعي بره.”
صوت واطي.. ومبحوح.. بس رعبني.
عيني بدأت تتعود على الضلمة وتلقط الملامح بالتدريج.
فارس الروبي كان مرمي على مخدات سودا، عاري الصدر من فوق، وكتفه ملفوف برباطات ضاغطة شاربة دم للسماء. العرق مالي جلده، ووشه أصفر وباهت تحت دقنه الخفيفة، وحتى وهو بين الحياة والموت، كان باين عليه سيّد الرجالة اللي متعود يأمر والكل يقول نعم وتحت أمرك.
نزلت شنطتي على الأرض بصوت مكتوم.
“لأ.”
السكوت طبّل في الأوضة.
عينه اتفتحت على الآخر وبرقت في وشي.
محدش قال لي ولا حذرني إيه اللي بيحصل لما فارس الروبي يسمع الكلمة دي في وشّه..
وبصراحة كده، من النظرة اللي وشه اتشرخ بيها، باين أوي إن مفيش مخلوق أجرأ يقولهاله مرتين قبل كدة!

#حكايات_شروق_خالد

دبّ صوتي في الأوضة المكتومة، وكنت حاسة إن روحي بتسحب نفسها من جسمي، بس العند اشتغل جوايا.
فارس الروبي رفع راسه ببطء شديد، كأن حركة عضلاته بتكلفه ألم جهنم. عيونه اتسعَت بغضب حارق وهو بيبصلي من فوق لتحت، كأنه مش مصدق إن حتة بنت واقفة قدامه بتكسر كلمته.
— “إنتي اتجننتي؟” قالها بصوت أطخن وأقسى، والنبضات في عروق رقبته كانت بتتحرك بعنف.
قربت خطوتين من السرير، وريحة الدم بقت لا تطاق، لازقة في حلقي زي السم. فتحت شنطتي وطلعت منها زوج من الجوانتيات الطبية ولبستهم بسرعة، وأنا عيني في عينه ومبدأتش أبربش خالص.
— “أنا مجنونة فعلاً، بس مش أفقر منك في العند. وكتفك ده لو فضل ينزف ساعة كمان، مش هتلحق تخلص طردي ولا طرد غيري، عشان هتروح في داهية والموضوع هيخلص أصلاً.”
شهق شهقة حادة من تعب، ولسه رافع إيديه السليمة عشان يزقني أو يحدفني بحاجة تانية، بس كنت أسرع. خطيت ومسكت دراعه المصاب بحزم، مع إني كنت مرعوبة إن عظمه يكسرني، لكن بينت له العكس تماماً.
الدم كان حار ودافي، والرباط القديم لازق في الجلد المتهتك بفعل الجفاف.
— “سيبي دراعي.. بقولك اخرجي!” صرخ في وشي بصوت هز حيطان الأوضة، ووشه اتشنج لدرجة إن العرق نزل شرشر على دقنه.
— “لو شيلت إيدي هتموت، ولو فضلت نايم كدة هتموت برضه.. فابسطهالي وسيبني أعمل شغلي عشان الحق آخد قرشين الإثنين وأخلص من وشك!” قلتها وأنا بجذب المقص الطبي من الشنطة عشان أقص الغيار القديم.
وقف الهوا في الأوضة للحظة.
عيونه السودا بصتلي بتأمل غريب ومخيف، كأنه أول مرة يشوف بني آدم بيعنده بالشكل ده وما بيجريش يعيط. بص لدراعه اللي بين إيديا، وبعدين رجع بص لوشي تاني، وملامحه الحادة انفرجت عن ابتسامة سخرية صفرا ووجع.
— “شكلك مش متعودة على الخوف يا نورا..” قالها بصوت واطي وداير بين الشفاه.
— “الخوف خلص معايا من يوم ما صاحب الشقة علّق إشعار الطرد على بابي..” رديت عليه وأنا بضغط بالمقص وبقص الشاش المتخثر بدم أسود.
في اللحظة دي، برة الأوضة، سمعت صوت خطوات سريعة بتقرب من الجناح، وزرار الاستدعاء بدأ يدق بصوت عالي يرعب البيت كله، وكأن الدنيا اتقلبت تحت!
باب الأوضة اتفتح برزع جامد، ودخل عمرو وراه حارس تاني ضخم كأنه خزانة ملابس، وعيونهم طايرة من الرعب وهما باصين للسرير.
— “يا فندم.. الزرار دق لوحده ولا حصل إيه؟ إحنا سمعنا صوت..!” وقف عمرو مبلوع في لسانه أول ما شافني واقفة وماسكة دراع فارس الباشا بالمقص والدم مالس في إيديا.
فارس رفع عينيه الحادة ببطء ناحية عمرو، وصوته جه واطي وجارح زي السكينة:
— “مين.. قالكم.. تدخلوا من غير إذن؟”
عمرو بلع ريقه بصعوبة، وعينيه نطت بيني وبين فارس برعب: “أصل.. أصل يا باشا الجرس رن، وخفنا لتكون.. الممرضة دي عملت مصيبة زي اللي قبلها.”
— “المصيبة الوحيدة اللي كانت هتححصل.. هي إنكم دخلتِوا تقطعوا عليا المزاج والحوار.” فارس ضيق عينيه بوجع ظاهر، وبص لعمرو بنظرة تخلي أي حد يتمنى الأرض تنشق وتبلعه. “اطلعوا بره.. إنتوا الاتنين. ومحدش يقرب من الأوضة دي تاني إلا لما أنا أنادي.”
عمرو بص لي بنظرة كلها ذهول وتحذير في نفس الوقت، وبعدين نزل راسه بسرعة: “أمرك يا باشا.”
الباب اتقفل وراهم بنفس السرعة والهدوء، ورجعت الأوضة لسكوتها المكتوب بريحة الدم والحرارة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى