
كل ما أعدي قدامها، أحس بغصة في قلبي، وأفتكر اليوم اللي دخلت فيه المستشفى وأنا فاكرة إن سعادتي على بعد ساعات، وخرجت وأنا شايلة درس عمري ما هنساه.
محمود حاول يخفف عني، وقاللي إننا ممكن نفكر في كفالة طفل يتيم، وإن فيه أطفال كتير محتاجين بيت دافي وحد يحبهم.
في البداية، رفضت.
كنت لسه متعلقة بفكرة إني لازم أخلف طفل من دمي، وكنت بحس إن أي حل تاني مش هيعوضني.
لكن بعد شهور، بدأت أهدى، وبدأت أفهم إن الأمومة مش مجرد طفل يحمل اسمك، ولا مجرد شهادة ميلاد مكتوب فيها اسمك في خانة الأم.
الأمومة مسؤولية، وحنان، وصبر، وقدرة على إنك تحبي من غير ما تملكي.
وفي يوم، رحت مع محمود لجمعية بتقدم الرعاية للأطفال، وهناك قابلنا طفلة صغيرة اسمها ملك، كانت عندها حوالي سنتين، قاعدة في ركن بعيد عن باقي الأطفال، ماسكة دبدوب قديم، وكل ما حد يقرب منها، تخبي وشها فيه.
سألت المسؤولة عنها، فقالتلي إنها طفلة فقدت أسرتها، وإنها محتاجة وقت عشان تثق في الناس.
قعدت على الأرض بعيد عنها، وما حاولتش ألمسها أو أشيلها.
طلعت من شنطتي لعبة صغيرة، وحطيتها على الأرض قدامها، وفضلت ساكتة.
بعد وقت، رفعت ملك عينيها وبصتلي، وبعدها زحفت ناحيتي وأخدت اللعبة.
ما قالتش حاجة، لكن ابتسامتها الصغيرة خلت قلبي يدق بطريقة مختلفة.
بصيت لمحمود، لقيته بيبتسملي، لكن ما استعجلش ولا قاللي أي كلام.
بدأنا الإجراءات القانونية اللازمة، وخدنا وقتنا في التعرف على احتياجات ملك، واتعلمنا إزاي نساعدها تتأقلم، وإزاي نديها الأمان من غير ما نستعجل مشاعرها.
ولما رجعنا البيت بعد أول زيارة، وقفت قدام أوضة الأطفال القديمة.
بصيت للسرير اللي كنت مجهزاه لابن أختي، وللملابس اللي اشتريتها، وللألعاب اللي كانت مستنياها ضحكة طفل.
المرة دي، ما حسيتش إني بجهز الأوضة عشان أعوض نقص جوايا.
حسيت إني بجهز بيت لطفلة محتاجة حد يفتح لها قلبه.
ومع مرور الوقت، بدأت ملك تتعلق بينا، وبقت أول ما تشوفني تجري عليا وتشد في هدومي عشان أشيلها.
وفي ليلة من الليالي، كانت نايمة على صدري، وفجأة فتحت عينيها نص فتحة وقالت بصوتها الصغير: “ماما.”
اتجمدت مكاني.
بصيت لمحمود، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
ما كانش ده مجرد لفظ سمعته، كان إحساس عمري كله متجمع في كلمة واحدة.
ضميتها لصدري، وبوست راسها، وقلت لها: “عيوني يا قلب ماما.”
في اللحظة دي، عرفت إن ربنا فتحلي باب ما كنتش شايفاه، وإن الحرمان اللي عشت فيه سنين ما كانش معناه إن حياتي انتهت.
لكن الحكاية ما خلصتش هنا.
بعد حوالي سنة، وفي يوم كنا بنجهز فيه لعيد ميلاد ملك، جرس الباب رن، ولما فتحت، لقيت أختي واقفة قدامي، ومعاها ابنها الصغير اللي كنت عايزة آخده منها زمان.
ابتسمتلي وقالت: “ممكن أدخل يا وفاء؟”
وسعتها تدخل، وقعدنا في الصالة، والأطفال بيلعبوا حواليها.
أختي بصت لملك وهي بتضحك، وقالت: “البنت دي شبهك في ضحكتها.”
ابتسمت وقلت: “دي بنتي.”
هزت راسها وقالت: “ربنا يخليهالك.”
سكتت شوية، وبعدها قالت: “أنا عايزة أقولك حاجة بقالها فترة في قلبي.”
حسيت بالتوتر، لكن قلتلها: “قولي.”
قالت: “يوم الولادة، لما رفضت أديكي ابني، كنت خايفة إنك تكرهيني، وكنت خايفة أخسر أختي الوحيدة. بس كنت خايفة أكتر إني أعيش باقي عمري وأنا حاسة إني اتنازلت عن جزء مني عشان كنت جعانة ومحتاجة فلوس.”
مسكت إيدي وكملت: “أنا سامحتك يا وفاء، بس مش عشان اللي حصل كان بسيط، عشان إنتي اعترفتي بغلطك وحاولتي تصلحيه.”
دموعي نزلت، وقلت لها: “أنا اللي محتاجة تسامحيني. أنا مش هنسى اليوم ده طول عمري.”
أختي ضمتني، وفضلنا نبكي في حضن بعض، وبعدها نادت ملك وقالت لها: “تعالي يا حبيبتي، سلمي على خالتو.”
ملك جريت ناحيتها، وأختي شالتها وباستها، وبعدها رجعتها لحضني.
وقبل ما تمشي، بصتلي وقالت: “على فكرة، أنا حامل تاني.”
فتحت عيني بصدمة، وقلت: “إنتي بتهزري؟!”
ضحكت وقالت: “والله بجد، بس المرة دي أنا وسامح اتفقنا إننا نربي عيالنا على قد ما نقدر، ومش هنخلي الفقر يخلينا نخاف من بكرة.”
ضحكت معاها، لكن جوايا افتكرت كل اللي حصل، وقلت لنفسي إن ربنا قادر يرزق كل إنسان بطريق مختلف.
بعد ما أختي مشيت، محمود قرب مني وقال: “كنتي زمان بتبصي لأختك وتسألي ليه ربنا رزقها بأطفال كتير وإنتي لأ.”
بصيت لملك اللي كانت بتلعب على السجادة، وقلت: “أيوه، كنت بعمل كده.”
قال: “ودلوقتي؟”
ابتسمت وقلت: “دلوقتي فهمت إن رزق ربنا مش بيتقاس بعدد العيال، ولا بالفلوس، ولا بالحاجات اللي بنقدر نشتريها. أنا كنت عندي كل حاجة إلا راحة القلب، ولما حاولت أجيب اللي نفسي فيه بالقوة، كدت أخسر أختي وبيتها كله.”
محمود مسك إيدي وقال: “المهم إنك فهمتي.”
عدت الأيام، وملك كبرت وسطنا، وبقى بيتنا مليان ضحك وحركة وحكايات قبل النوم، وبقيت كل يوم أشكر ربنا على النعمة اللي دخلت حياتي.
لكن في يوم، وبعد مرور سنوات، كنت قاعدة مع ملك وهي بتراجع دروسها، وفجأة سألتني سؤال ما كنتش متوقعة تسمعه مني.
قالت: “ماما، هو أنا جيت من بطنك؟”
قلبي انقبض، لكن افتكرت إن لازم أكون صادقة معاها بطريقة تناسب سنها، وإن حبنا ليها مش محتاج كذبة عشان يفضل موجود.
قربتها مني وقلت: “إنتي جيتي لحياتنا بطريقة مختلفة يا حبيبتي، لكن من يوم ما عرفناكي وإحنا بنحبك، وإحنا اللي بنربيكي وبنخاف عليكي وبنفرح بيكي. ولما تكبري أكتر، هحكيلك كل حاجة بالتفصيل، وهفضل جنبك مهما كان عندك أسئلة.”
ملك بصتلي شوية، وبعدها حطت راسها على كتفي وقالت: “يعني إنتي هتفضلي ماما بتاعتي؟”
ضميتها بقوة وقلت: “طول العمر يا روح قلبي.”
وبعدها بشهور، حصلت المفاجأة اللي ما كنتش مستعدة ليها.
كنت تعبانة بشكل غريب، وبحس بدوخة كل شوية، ومحمود أصر إني أروح للدكتور وأعمل فحوصات.
دخلت العيادة وأنا مقتنعة إن الموضوع مجرد إرهاق، لكن لما الدكتور رجع بنتيجة التحاليل، بصلي باستغراب وقال: “مدام وفاء، محتاج أتأكد من حاجة قبل ما أقولك النتيجة النهائية.”
قلبي اتقبض، وسألته: “فيه إيه يا دكتور؟”
قال: “النتيجة الأولية بتقول إن فيه حمل، لكن لازم نكرر التحليل ونعمل فحص تاني عشان نتأكد.”
بصيتله وأنا مش قادرة أتكلم.
عشر سنين من الحرمان، وعشرات الزيارات للدكاترة، وكلام صريح إن فرصة الإنجاب شبه مستحيلة.
خرجت من العيادة وأنا مش عارفة أفرح ولا أخاف، ولما محمود شاف وشي، سألني: “مالك يا وفاء؟ الدكتور قالك إيه؟”
مديتله الورقة بإيد بتترعش.
قرأها مرة، وبعدين قرأها تاني، وبصلي وعينيه بتلمع.
قال: “يعني ممكن يكون عندنا طفل؟”
هزيت راسي وأنا بعيط.



