منوعات

حكايات زهرة الربيع

في الأيام اللي بعدها، كررنا الفحوصات، وراجعنا دكاترة متخصصين، ولما اتأكد الحمل، الدكتور شرح لنا إن الحمل محتاج متابعة دقيقة، وإننا لازم نلتزم بكل التعليمات الطبية.

ما قدرتش أصدق إن الحلم اللي كنت مستعدة أخسر عشانه أختي، جه في حياتي من غير ما أظلم حد.

ولما عرفت أختي، عيطت من الفرحة، وضمتني وقالت: “شايفة يا وفاء؟ ربنا كان شايلك رزقك، بس إحنا اللي ما كناش نعرف إمتى ولا إزاي.”

لكن وسط فرحتي، كان فيه خوف كبير جوايا.

كنت خايفة إن حبي للطفل الجديد يغير علاقتي بملك، أو إني من غير ما أحس أدي الطفل اللي من بطني مكانة أكبر.

وعشان كده، من أول يوم، وعدت نفسي إن ملك هتفضل بنتي، وإن أي طفل ييجي لحياتي مش هيقلل ذرة واحدة من حبها.

ومع مرور شهور الحمل، كنت كل ليلة أقعد جنب سرير ملك، وأحكيلها عن البيبي اللي هييجي، وأقول لها إنها هتبقى أخته الكبيرة، وإنها هتساعدني نعلمه الكلام ونختار له هدومه.

كانت تفرح وتضحك، وكل شوية تسألني: “هو هيحبني؟”

فأرد عليها: “ده هيحبك أكتر من أي حد، عشان إنتي أخته الكبيرة.”

ولما جه يوم الولادة، رجعت لنفس المستشفى اللي حصل فيها كل شيء من سنين.

المرة دي، ما كنتش داخلة وأنا بحاول أخد طفل من أمه، ولا وأنا بضغط على حد عشان يحققلي حلمي.

كنت داخلة وأنا ماسكة إيد محمود، وملك واقفة جنبنا بتدعيلي بطريقتها البريئة.

قبل ما أدخل أوضة العمليات، أختي قربت مني وقالت: “فاكرة اليوم اللي جيتي فيه هنا عشان تاخدي ابني؟”

ابتسمت بحزن وقلت: “عمري ما هنساه.”

مسكت إيدي وقالت: “أنا كمان مش هنساه، بس النهارده عايزاكي تدخلي وإنتي قلبك مرتاح. ربنا عوضك، وإنتي كمان بقيتي أم لملك، اللي كانت محتاجة حضن زي ما إنتي كنتي محتاجة تبقي أم.”

دموعي نزلت، وقلت لها: “لو رجع بيا الزمن، عمري ما كنت هعمل اللي عملته فيكي.”

ضمتني وقالت: “المهم إننا اتعلمنا، وإننا لسه إخوات.”

دخلت أوضة العمليات، وبعد وقت طويل سمعت صوت بكاء طفل.

الدكتورة قربت مني وقالت: “ألف مبروك، ربنا رزقك بولد.”

عيطت من الفرحة، لكن أول سؤال خرج مني كان: “هو كويس يا دكتورة؟”

ابتسمت وقالت: “كويس الحمد لله، وهنكمل المتابعة للاطمئنان عليه وعليكي.”

ولما خرجت من المستشفى، لقيت محمود واقف شايل ابني، وملك جنبه، بتبصله بفضول وفرحة.

أول ما شافتني، جريت عليا وقالت: “ماما، هو ده أخويا؟”

ابتسمت وقلت: “أيوه يا حبيبتي.”

بصتله وقالت: “أنا هعلمه يلعب، وهحكيله حكايات قبل النوم، ومش هخلي حد يزعله.”

ضمّيتها ليا، وبوست راسها وقلت: “وأنا عمري ما هخليكي تحسي إنك أقل من أي حد في البيت ده.”

في اللحظة دي، افتكرت كل دمعة نزلت مني، وكل مرة حسيت فيها إن حياتي ناقصة، وكل قرار غلط كنت مستعدة آخده عشان أحقق حلمي.

وفهمت إن الإنسان لما بيكون موجوع، ممكن يفتكر إن سعادته أهم من كل شيء، لكن الحقيقة إن مفيش فرحة تستاهل إنك تكسر قلب حد بتحبه عشان توصل لها.

ومن يومها، بقيت أحكي لملك ولأخوها لما يكبروا إن العيلة مش بس دم واحد، وإن الأمومة مش مجرد ولادة، وإن الفقر عمره ما كان سبب يخلي الإنسان يتنازل عن حقه في إنه يحب عياله ويربيهم في حضنه.

أما أختي، ففضلت أقرب واحدة ليا، وسامح رجع شغله واستعاد ثقته في نفسه، وأولاده كبروا وهم عارفين إن خالتهم غلطت في حقهم زمان، لكنها اعترفت بغلطها وحاولت تصلحه.

وفي عيد ميلاد ابن أختي الرابع، اللي كنت في يوم من الأيام فاكرة إني مش هقدر أعيش من غيره، وقفت قدامه وقدمتله هدية صغيرة، وقلتله: “كل سنة وإنت طيب يا حبيبي.”

بصلي بابتسامة وقال: “وإنتي طيبة يا خالتو.”

كانت كلمة بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت أكبر من أي هدية، لأنها كانت دليل إن الحب ممكن يفضل موجود حتى بعد الغلط، وإن الاعتذار الصادق والتغيير الحقيقي يقدروا يفتحوا باب كان مقفول.

وفي آخر الليل، لما رجعت بيتي، لقيت ملك نايمة جنب أخوها، وإيدها الصغيرة محاوطة إيده.

وقفت أبص عليهم، ودموعي نزلت وأنا بقول لنفسي:

أنا كنت فاكرة إن ربنا حرمني من الأمومة، لكن الحقيقة إني كنت محتاجة أتعلم إن الحب مش ملكية، وإن الطفل مش وسيلة نعوض بيها نقصنا، وإن رزق ربنا عمره ما بييجي على حساب ظلم حد تاني.

ولو رجع بيا الزمن لليوم اللي وقفت فيه قدام أختي وطلبت منها ابنها، كنت هضمها وأقول لها: «خلي ابنك في حضنك يا حبيبتي، وأنا هفضل جنبك، وربنا وحده اللي يعلم إمتى هيرزقني».

لأن أصعب حاجة في الدنيا مش إنك تستنى حلمك سنين طويلة، أصعب حاجة إنك توصل له وتكتشف إنك خسرت في الطريق قلب إنسان كان بيحبك بصدق.

وأنا الحمد لله، ما خسرتش أختي، وما خسرتش ملك، وربنا رزقني بابني في الوقت اللي ما كنتش أتخيله.

لكن كل ما أفتكر اليوم اللي أختي وافقت فيه تحت ضغط الجوع والخوف، بدعي ربنا يسامحني على اللي عملته، وأفتكر إن الرحمة مش إنك تنقذ حد من الفقر مقابل أغلى حاجة عنده، الرحمة إنك تمد إيدك له من غير ما تطلب منه يتنازل عن قلبه.

وده كان الدرس اللي غير حياتي كلها، وخلاني أعرف إن في حاجات كتير بنفتكر إننا مش هنقدر نعيش من غيرها، لكن لما ربنا يفتح لنا باب الرضا، بنكتشف إن السعادة كانت محتاجة قلب يتغير قبل ما الحلم يتحقق.

ومرت السنين، وكبر ابني وكبرت ملك معاه، وبقى البيت اللي كان زمان هادي وساكت، مليان دوشة وضحك وخناق على اللعب ومين هياخد الريموت ومين هيقعد جنب ماما. بقيت أصحى الصبح على صوتهم وهما بيتخانقوا، وأنام بالليل وأنا بسمعهم بيحكوا لبعض أسرارهم الصغيرة، وكل مرة كنت ببص عليهم كنت بحس إن ربنا عوضني عن سنين طويلة من الوحدة بطريقة ما كنتش أتخيلها.

لكن الغريب إن الإنسان ساعات بيحتاج سنين عشان يتأكد إنه اتغير بجد، وإن الغلطة اللي ندم عليها ما بقتش مجرد ذكرى بتوجعه، لكنها بقت درس بيمنعه يكرر نفس الغلطة مع حد تاني.

أنا اتغيرت فعلًا، أو على الأقل كنت فاكرة إني اتغيرت، لحد اليوم اللي ابني رجع فيه من المدرسة وهو عنده حوالي عشر سنين، ورمى شنطته على الكنبة وقعد جنبي وهو متضايق.

سألته: “مالك يا حبيبي؟ حصل إيه؟”

قال لي: “ماما، فيه ولد معايا في المدرسة مش بيجيب أكل معاه، وكل يوم بيقعد يتفرج علينا وإحنا بناكل. أنا عايز أساعده.”

ابتسمت ومسحت على شعره وقلت: “برافو عليك يا حبيبي، بكرة خدله أكل معاك، وخليه ياكل معاك.”

بصلي شوية وقال: “طب يا ماما، ينفع أجيبله هدوم وشنطة كمان؟ أصل شنطته قديمة جدًا، وكل العيال بتضحك عليه.”

وافقت، وقلت له إننا هنشوف إيه اللي محتاجه ونساعده على قد ما نقدر.

لكنه فجأة سألني سؤال خلاني أسكت.

قال: “ماما، هو لو حد فقير ومش معاه فلوس، يبقى من حقنا نطلب منه يعمل أي حاجة عشان نساعده؟”

حسيت إن السؤال جه من مكان بعيد جوايا، مكان كنت فاكرة إني قفلته من سنين.

قربته مني وسألته: “إنت بتسأل ليه يا حبيبي؟”

قال: “عشان الولد ده باباه مش بيشتغل، ورجله تعبانة، وهو قال إن مامته بتخيط للناس عشان تجيب لهم أكل. وأنا فكرت أساعده، بس خايف أحسسه إنه أقل مني.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى