
قعدوا الاتنين قصاد بعض، والمكان حواليهم مليان ورد وأضواء هادية. داليا قطعت الصمت وقالت بصوت هادي:
— سيف.. هو إنت عرفت منين حكاية البنسيون والدهب والكل؟
سيف شرب رشفة عصير من الكوباية اللي قدامه، وبص لها بعيون مليانة حنين:
— من أول يوم شفتك فيه في الحفل.. كنتِ واقفة لوحدك بتعدي الفلوس في كشكول قديم وشكلك مهموم، وساعتها سالت عنك وعرفت كل صغيرة وكبيرة عنك.. وعن تعبك وشغلك عشان جدتك. أنا مكنتش مستني الصدفة يا داليا، أنا كنت مراقبك من بعيد ومستني الفرصة اللي أقدر أدخل فيها حياتك من غير ما تحسي.
داليا فتحت بقها بصدمة حلوة:
— يعني.. يعني إنت كنت معجب بيا من قبل ما أطلب منك الجواز؟!
— من أول نظرة يا مهندسة.. وفستانك الأصفر المبهدل ده دخل قلبي قبل ما يدخل عيني.
داليا ضحكت بضحكتها الرنانة اللي ملئت المكان، ومدت إيديها ومسكت إيده فوق الترابيزة وقالت برقة:
— خلاص.. طالما الحكاية فيها إعجاب من الأول، يبقى مفيش أسبوع تجربة.. أنا وافقت أبقى مراتك بجد.
سيف وقف بسرعة من مكانه، ولف الترابيزة وشالها بين إيديه ولف بيها في الجنينة وسط ضحكاتها العالية، وقال بصوت عالي خلى الحراس يبتسموا من بعيد:
— مفيش رجوع في الكلام يا داليا.. مبروك عليا أحلى عروسة في مصر كلها!
بعد شهور قليلة، ما بقاش فيه أي أثر للديون ولا للهموم القديمة في حياة داليا. “بنسيون الست صالحة” بقى واحد من أشهر وأرقى النزل الريفية في الفيوم كلها، بعد ما سيف جدده بالكامل وخلى طاقم العمل بتاعه يظبطه على أعلى مستوى، وبقى مقصد لكل السياح اللي عايزين يهربوا من زحمة القاهرة وقرفها.
أما في قصر التجمع، فالحياة كانت عبارة عن شقاوة داليا ودلع سيف اللي كان بيحاول بكل طريقته يعوضها عن سنين الشقا والتعب.
في يوم جمعة دافئ، كانت داليا واقفة في جنينة القصر لابسة فستان بيتي صيفي مريح، وماسكة مفك في إيديها وبتصلح بنفسها صنبور المية في نافورة الحديقة، كعادتها اللي مبتتغيرش مهما الأيام عدت.
سيف جه من وراها بهدوء، وحضن وسطها بإيديه الاتنين، وناشد في ودنها بصوت دافي:
— مهندسة القصر العظيمة.. هو إحنا مش متفقين إن فيه صيانة مركزية وناس متخصصة بتعمل الشغل ده؟ ليه مصرة تبهدلي إيديكِ بالزيت؟
داليا التفتت له ووشها متغطي بشوية تراب صغيرين، وضحكت بذكاء وهي بترفع المفك قدام عيونه:
— يا سي سيف، إنت ممكن تجيب مية مهندس ومية عامل.. بس عمرك ما هتلاقي حد يصلح الطلمبة بحب زيي! وبعدين.. الشغل بإيدي هو اللي بيفكرني بأيام ما كنت بطلبك للجواز.
سيف ضحك ضحكة عالية، ومال عليها وباسها برقة على خديها:
— أحلى ليلة في عمري.. اليوم اللي ربنا بعت لي فيه مجنونة تطلب إيدي قدام ثلاثمائة بني آدم، وتقلب حياتي فوق تقلتها.
داليا لفت إيديها حوالين رقبته وقالت بدلع:
— طب بقولك إيه يا سي سيف الهواري؟ إيه رأيك نعمل حفلة تانية في البنسيون.. عشان ناويين نكرر طلب الجواز بس بشكل رسمي أكتر!
سيف ابتسم بلممعة خطيرة في عيونه وشالها بين إيديه زي ما عمل أول يوم، وقال بصوت مليان حب:
— من عيوني.. تطلبي بلد يا داليا، مش بس حفلة!
#حكايات_شروق_خالد
المحطة الأخيرة لقلب سيف الهواري
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




