
اسمي نادية عبد التواب.
كنت شغالّة خدّامة تخينة عند واحد من أباطرة البزنس وأكثر راجل في القاهرة الناس كلها بتعمله ألف حساب وتهابه، لحد ما اتقلب بي الحال ووقعت مغمى عليّ بعد شفتات شغنبذة عن ووردبريسل مهلكة قعدت حوالي ثمان وأربعين ساعة من غير راحة.
كان اسمه يوسف عز الدين.
مليارير أقوى رجالة البلد تخافه، ونادراً ما كان بيبان عليه أي إحساس ولا عاطفة.
ومع ذلك، لما وقعت غارقة في دُوخي على أرضية قصره اللي كلها رخام في الزمالك، ساب اللي وراه واللي قدامه وشالني بنفسه عشان يلحقني.
وفي وسط ما كنت نايمة على سرير في المستشفى، عرف حاجات عن حياتي كفيلة تغيّر نظرته ليا خالص وللأبد.
فاكرة صينية التقديم المصنوعة من الفضة وهي بتتزحلق من بين صوابعي.
والصوت المرعب بتاع الوقعة.
وصوت حد بيزعق وبيصرخ باسمي.
وبعدين الدنيا ضلمت تماماً.
ولما فتحت عيني تاني، لقيت نفسي نايمة في مستشفى استثماري كبير.
وكان فيه خرطوم محلول واصل بذراعي.
جسمي كان تقيل بطريقة مش طبيعية، كأنه متشال على كتافي حجر.
ولقيت حد ماسك إيدي.
لفيت راسي عشان أشوف مين.
طلعت يوسف عز الدين قاعد جنب السرير بالضبط.
والبدلة البراند اللي لابها كانت مبهدلة ومكرمشة.
وعنيه كان باين عليها التعب والسهر.
وصوابعه كانت متشابكة ودافية حوالين إيدي.
همست بصوت : “سي يوسف؟”
لقيته انحنى عليا بسرعة البرق وقال: “يا نادية.. فوقتي أخيرًا.”
حاولت أعدل نفسي وأقعد: “أنا آسفة.. العزومة دي كانت—”
“انسى العزومة خالص.”
“بس الضيوف اللي برّه—”
“يا نادية.”
صوته هدي خالص.
“إنتي كنتي مني.”
فضلت باصة له ومصدومة.
أصل أنا ما كنتش دريانة إطلاقاً باللي حصلي ولا إن انهياري كان بالخطورة دي.
وما عرفتش اللي حصل غير بعدين.
لما وقعت، القصر كله اتقلب وبقى حالة صراخ وهلع.
وحد طلب الإسعاف فوراً.
واحد من البودجاردات جيه وعرض إنه يشيلني.
لكن يوسف رفُض تماماً.
وقالهم بحزم: “دي وقعت وهي بتخدم في بيتي.. أنا اللي هتشيلها.”
شالني بين إيديه وطار بيا على المستشفى.
الدكتور هناك اكتشف إني عندي جفاف شديد، وضغط الدم واصل لحد خطر، ونبضات قلبي مش منتظمة خالص.
وحتى إن واحد من الدكاترة حذره وقاله إن لو كان جالي يوم شغل كمان فوق التعب ده، كان زماني ميتة.
يوسف بقى.. ألغى اجتماعه المهم مع مجلس الإدارة.
وألغى مؤتمراته وكل مواعيده مع المستثمرين بتوع الخليج وأوروبا.
وبعدين طلب بنفسه جداول حضور ومواظبة الموظفين وسجلات الشفتات الإضافية بتاعت آخر ست شهور.
واللي شافه هناك كان مصيبة أكبر من اللي تصوره.
أصل أنا كنت بشتغل تقريبًا في كل ويك إند على مدار ثلاث سنين.
شفت ورا شفت.
وردية بالليل ووردية بالنهار.
أيام العيد والإجازات الرسمية.
وكل ما كانت زميلة ليا تتزنق أو تعتاز مساعدة، كنت أجري أتطوع بدالها فوراً.
جه عم صبري، الخادم الكبير والمسن، وحكاله السبب:
“يا بيه، نادية كانت بتشيل شغل زمايلها وتغطي شفتاتهم عشان قلبها كان أبيض وما بيطاوعهاش تشوف حد متبهدل ولا تعبان.”
وخرجت خادمة تانية افتكرت إزاي أنا اشتغلت بدالها عشان تقدر تروح تحضر حفل تخرج ابنها في المدرسة.
والجنايني افتكر الشفت بتاعي اللي قعدته ست عشرة ساعة متواصلة يوم ما مراته ولدت.
وشيف المعجنات افتكر لما عملت له الفطار بنفسي بعد ما دراعه اتعور في حادثة.
وهنا بقى.. عم صبري كشف سر ما كانش على بال ولا خاطر حد.
كل يوم الصبح بدري، كنت بطلع أكلّم نفسي وأسيب فطار خفيف برّه مكتب سي يوسف.
مرة طبق فاكهة مقطعة.
ومرة سندوتشات جبنة خفيفة.
ومعاهم دايماً ورقة صغيرة بخط إيدي فيها كلمتين:
“القهوة مش فطار يا سي يوسف. اشرب شوية مية والنبي. ونام كويس الله يكرمك.”
الناس اللي واقفة ضحكت بخفة.
عشان يوسف ده، الراجل اللي ما حدش في مصر كلها بيكبر يرفع عينه في عينه، كان بينفذ كل كلمة بالحرف من غير ما يعرف حتى مين اللي كاتبهاله.
بس الضحكة دي اتقطعت وسكتت تماماً أول ما فتح ملفات العلاج والمصاريف الطبية بتاعتي.
عشان كل قرش زيادة كنت بطلعه من عرق جبيني، كان بيروح لمصاريف علاج أبويا.
الحاج عبد التواب.
جلسات تخسيس وتأهيل بعد الجلطة.
علاج طبيعي.
روشتات وأدوية غالية.
مواصلات ومصاريف دكاترة.
أنا كنت بطحن نفسي في الشغل لحد ما بقيت عظامي تتكسر ووصلت لمرحلة الموت، كل ده عشان أجمع فلوس تديه فرصة تانية يقف ويمشي على رجليه.
وبعدين.. يوسف لقى ورقة استقالة قديمة بتاعتي ما كنتش لسه مضيتها.
ومكتوب معاها تقرير قديم عن خطيبي السابق.
من خمس سنين، سابني وفص ملح وداب عشان خجلان مني ومن وزني وهيئتي.
وقال لي بالحرف ساعتها: “كنتِ هتبقي زي القمر لو مش تخينة قوي كده.”
يوسف قرأ الكلمات دي وعاش حالة صمت رهيبة.
سنين طويلة وأنا شايلة لوحدي قسوة التريقة والتنمر، والوحدة، والخوف، ورافعة رأسي وابتسم في وش الكل في كل شفت.
ودلوقتي بس.. هو عرف كل الحقيقة.
وأنا قاعدة في المستشفى، لقيت دموعه بتلمع في عينه.
سألني بصوت مكسور: “ليه ما قلتيش لحد خالص؟ ليه شلتي الهم ده كله لوحدك؟”
بصيت في الناحية التانية وبلعت ريقي: “الكل يا سي يوسف عنده همومه ومشاكله.. ما حبتش أكون همّ جديد على حد.”
لقيته شد على إيدي بقلب جامد ودافئ: “عمرك ما كنتي همّ يا نادية.. عمري ما حسيتك كده.”
شفايفي بدات ترتجف.
قالي إنه أمر بتحقيق فوري مع مدام عايدة عشان يشوف طريقتها في التعامل وإدارتها للخدم.
وبعدين وطى صوته أكتر: “كان المفروض أي حد يلاحظ إنتي كنتي عاملة إزاي.. وكان المفروض أنا أولهم.”
سألته بصوت واطي: “ليه مهتم بيا قوي كده يا بيه؟”
يوسف فضل باصص لإيدينا وهي ماسكة في بعض مدة طويلة.
في الأول ما نطقش بحرف.
وبعدين همس وقال: “عشان إنتي قضيتي سنين عمرك بتطبطبي على الكل.. وبتخافي على الكل، وكنتِ أولهم أنا.”
مرر صباعه بحنان على إيدي: “ومن غبائي.. ما حسيتش أبداً بوجعك ولا بقد إيه كنتِ بتموتي بالبطيء لوحدك.”
وهنا.. عيوني دمعت وفضلت أعيط بوجع وبدون قهر.
لأول مرة من سنين طويلة، ما لقيتش حد بيطلب مني أكون قوية أو أشيل الليلة لوحدي.
لقيت راجل بيقولي بقلب صافي: “خلاص.. ارتاحي، وسيبي لي أنا الشيل والتعب.”
بس يوسف ما كانش لسه قال لي كل اللي عرفه.
ومهما كانت القرارات الصعبة اللي ناوي يعملها في اللي فات، حسيت وعرفت من نظرة عينه إن قراره عشاني أنا.. اتقال وانتهى وخلاص.
#حكايات_شروق_خالدتاني يوم الصبح، كانت الأوضة هادية تماماً مافيهاش صوت غير دقات جهاز الكشف الطبي ونفسي المنتظم بالعافية. الباب خبط خبطتين خفاف ودخل عم صبري، ووراه ممرضة شايلة صينية فيها شوربة دافية.
عم صبري بص لي بحنية وقال: “صباح الفل يا بنتي، حمد الله على سلامتك.. سي يوسف مستني برّه من بدري، ومسفّر الحرس عشان يجيبوا الحاج والدك من البيت هنا عشان يطمن عليكِ بنفسه، ويطمن على علاجه كمان.”
فتحت عيني باستغراب وضعف: “أبويا؟! جابه هنا؟!”
“آه يا بنتي، سي يوسف ما سبش حاجة للصدفة.. قال ما ينفعش تبقي تعبانة وأبوكِ قاعد لوحده من غير رعاية كاملة.. ده غير إنه نقل والدك في أكبر مركز تأهيل في القاهرة على حسابه الخاص، وكمان جاب دكتور خاص يتابع حالته كل يوم.”
دموعي نزلت لوحدها من كتر الكرم والمفاجأة اللي أكبر من طاقتي. عم صبري طبطب على كتفي وطلع بهدوء.
وبعد دقايق، الباب اتفتح ودخل يوسف. كان لابس بدلة أغمق شوية، وبان عليه إنه ما نامش الليل كله. قرب من السرير بهدوء وسحب الكرسي وقعد جنبي، ومسك إيدي كالعادة كأنه خائف أطير منه.
قال بصوت دافئ وهادئ: “أبوكِ في الطريق للمستشفى يا نادية.. هيعملوا له فحص شامل، وموضوع العلاج الطبيعي ده هينتهي تماماً، هيجوا له لحد عندك، ومفيش همّ هتشيليه تاني طول ما أنا عايش.”
بصيت له وقلبي بيدق بسرعة: “ليه بتعمل ده كله يا سي يوسف؟ أنا.. أنا مجرد خدامة عندك!”
يوسف ابتسم بحزن، نظرة عينه كانت مكسورة وهو بيبص لي: “خدامة؟ إنتي فاكرة نفسك خدامة بجد؟ إنتي الروح اللي كانت ماشية في القصر ده من غير ما حد يحس بيها.. كنتِ بتديني أنا وزملائك كل طاقتكم، وساكتة على الوجع والظلم اللي عيشتیه سنين.”
سكت شوية وبعدين كمل بصوت حازم: “فانيسا عايدة وكل اللي زوها في الإدارة.. مشيوا من القصر خلاص. والمرتبات هتتغير، وساعات الشفتات هتنزل للنصف، وهتعيني ناس تانية تساعدك.. إنتي هتبقي مسؤولة عن الإشراف بس، مش عن شغل إيدك.”
هزيت راسي بصعوبة ودموعي نازلة: “أنا مش عارفة أقولك إيه.. كفاية إنك جبت أبويا هنا.”
“تقوليلي إنك هتهتمي بنفسك.. وبس.”



