
“كانت بتكلمني بالإشارة أحيانًا، حتى قبل ما أفقد سمعي. كانت بتقول إن الكلام مش لازم يكون بالصوت عشان يوصل للقلب.”
دموعي لمعت.
كان واضح إن ليلى ما كانتش مجرد أم بالنسبة له. كانت الشخص الوحيد اللي ما حسش معاه إنه مختلف أو ناقص.
أمينة ركعت جنب الشباك، ورفعت طرف السجادة الصغيرة، وبعدها ضغطت على لوح خشبي في الأرض.
اللوح اتحرك.
تحته كان فيه صندوق معدني صغير.
ياسين نزل على ركبته وفتحه.
جواه مفتاح قديم، وورقة مطوية، وذاكرة إلكترونية صغيرة.
أخد الورقة وفتحها.
كانت مكتوبة بخط ليلى:
“لو وصل لك المفتاح ده يا ياسين، يبقى أنا ما قدرتش أحميك من الحقيقة. ما تكرهش نفسك، وما تسمحش لحد يقنعك إنك ضعيف لمجرد إنك مش بتسمع. إنت أقوى من كل اللي حواليك، بس القوة مش إنك تنتقم. القوة إنك تعرف الحقيقة وتختار تعمل بيها إيه.”
ياسين قرا الرسالة مرتين.
وبعدين ضمها لصدره، ودموعه نزلت من غير ما يحاول يخبيها.
أنا ما قدرتش أقول أي كلمة.
قربت منه بهدوء، ووقفت جنبه من غير ما ألمسه، لحد ما رفع راسه بنفسه.
أشار:
“أنا كنت محتاج أسمع الكلام ده من زمان.”
قلت له بلغة الإشارة:
“يمكن ما سمعتهوش بصوتها، لكنك لسه قادر تقراه بإيدك وقلبك.”
بص لي، وابتسم وسط دموعه.
وبعدين أخد الذاكرة الإلكترونية.
“لازم نعرف اللي عليها.”
نزلنا بالصندوق، وكان منصور مستنينا في الصالة.
أول ما شاف الذاكرة في إيد ابنه، وشه اتغير.
“حطها على الترابيزة.”
ياسين رفض.
منصور قرب منه وقال: “أنا مش هكرر كلامي.”
ياسين رد بإشارة واحدة:
“وأنا مش هكرر سكوتي.”
أمينة وقفت جنب ابنها، وأنا وقفت الناحية التانية.
منصور بص لنا التلاتة، وبعدها ضحك بمرارة.
“يعني بقيتوا كلكم ضدي؟”
أمينة ردت: “إحنا مش ضدك يا منصور. إحنا مع الحقيقة.”
منصور بص لياسين.
“لو فتحت اللي على الذاكرة دي، مش هتقدر ترجع زي الأول.”
ياسين أشار:
“أنا عمري ما رجعت زي الأول من يوم ما أمي ماتت.”
قعد على الكنبة، وفتح اللابتوب اللي كان على المكتب الجانبي، ووصل الذاكرة.
كان عليها مجلد واحد، اسمه: “لياسين”.
فتح المجلد.
ظهر تسجيل فيديو قديم.
الصورة كانت مهزوزة، والإضاءة ضعيفة، لكن الصوت كان واضح.
ليلى ظهرت قدام الكاميرا، قاعدة في أوضتها، ووشها مرهق.
قالت: “ياسين، لو إنت بتشوف الفيديو ده، يبقى أنا ما قدرتش أشرح لك كل حاجة بنفسي.”
سكتت لحظة، ومسحت دمعة من خدها.
“أنا مش عايزاك تكره أبوك لمجرد إن بيني وبينه خلاف. لكن لازم تعرف إن فيه ناس حواليه بيستغلوا خوفه وغضبه عشان يخلّوه يعمل حاجات هو نفسه مش عارف يرجع عنها.”
منصور فضل واقف، وعينيه على الشاشة.
ليلى كملت: “أنا اكتشفت إن فيه عقود اتوقعت باسمي من غير علمي، وإن فيه ممتلكات اتنقلت بطريقة غير قانونية. لما واجهت منصور، قال لي إنه هيصلح كل حاجة. لكن بعد كده عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد فلوس.”
ظهر صوت طرق على الباب في الفيديو.
ليلى بصت ناحية الباب، وبعدها رجعت بصت للكاميرا.
“لو حصل لي حاجة، دوروا على الدفتر الأزرق. هو الدليل الوحيد اللي يوضح مين كان بيعمل إيه.”
التسجيل انتهى.
الصالة غرقت في الصمت.
منصور قال بصوت مبحوح: “الدفتر الأزرق اتحرق.”
ياسين لف له بسرعة.
أشار:
“إنت متأكد؟”
منصور ما ردش.
أمينة همست: “ليلى ما كانتش بتسيب حاجة مهمة في مكان واحد.”
ياسين رجع فتح الملفات، وبدأ يدور في المجلدات الفرعية.
كان فيه صورة قديمة لمكتب ليلى، وصورة تانية لمكتبة صغيرة في البيت القديم، وبعدها ملف صوتي تاني.
ضغط عليه.
ظهر صوت ليلى وهي بتتكلم مع شخص ما.
“أنا مش هسلم الدفتر لأي حد غير المحامي. لو منصور عرف مكانه، هيحاول ياخده.”
جاء صوت رجل: “حضرتك متأكدة إن الموضوع يستاهل كل ده؟”
ليلى ردت: “أنا مش خايفة على الفلوس. أنا خايفة على ابني. فيه ناس مستعدة تضحي بيه عشان مصالحها، ومنصور مش شايف ده.”
بعدها قالت اسمًا.
اسم خلّى فؤاد، اللي كان رجع للصالة من غير ما حد ياخد باله، يتجمد عند الباب.
“كمال الديب.”
منصور لف ببطء.
“إنت بتعمل إيه هنا؟”
فؤاد ما ردش فورًا.
ياسين لاحظ وجوده، وأشار له:
“إنت تعرف كمال الديب؟”
فؤاد حاول يتماسك.
“ده شريك قديم للمعلم. كان مسؤول عن جزء من شركات النقل زمان، لكن من سنين خرج من الشغل.”
منصور قال بحدة: “خرج من الشغل بعد ما اكتشفنا إنه كان بيسرق مننا.”
ياسين بص له.
“يبقى ليه اسمه موجود في تسجيل أمي؟”
منصور سكت.
فؤاد حاول يغيّر الموضوع.
“يا معلم، الوقت اتأخر. خلينا نكمل الكلام بكرة.”
لكن ياسين وقف قدامه.
أشار بإيده:
“لأ. أنا استنيت أربع عشرة سنة. مش هأجل الحقيقة لحد بكرة.”
وبعدين رجع للابتوب.
في آخر المجلد، لقى صورة صغيرة لرف كتب، وعليها علامة بالقلم عند كتاب قديم.
أمينة قربت من الشاشة.
“دي مكتبة البيت القديم.”
ياسين رفع راسه.
“البيت اللي اتحرق؟”
أمينة هزت راسها.
“أيوه. لكن قبل الحريق بشهر، ليلى نقلت بعض الكتب والذكريات لمخزن صغير تابع للعيلة في محطة الرمل. كانت بتقول إنها عايزة تحافظ على حاجاتها بعيد عن البيت.”
منصور قال بسرعة: “المخزن ده اتقفل من سنين.”
ياسين رد:
“يبقى هنفتحه.”
الساعة كانت قربت من نص الليل لما خرجنا من الفيلا.
المطر كان خف، والبحر بقى أسود تحت السما الغائمة. ياسين أصر إن أنا وأمينة نركب معاه، رغم اعتراض منصور.
منصور وقف عند الباب، وقال لابنه: “إنت مش فاهم إنك بتدخل نفسك في حاجة أكبر منك؟”
ياسين بص له طويلًا.
وبعدين أشار:
“يمكن. لكن على الأقل هعرف أنا داخل في إيه.”
ركبنا العربية، والسواق اتحرك ناحية محطة الرمل.
طول الطريق، ياسين كان قاعد جنبي وبيكتب ملاحظات على موبايله. كل شوية كان يوريني حاجة من تسجيلات أمه، أو يسألني عن كلمة مش واضحة في ورقة قديمة.
لاحظت إنه لما بيتكلم بالإشارة، شخصيته بتتغير. مش بقى الشاب الجامد اللي شفته في المطعم، ولا الابن اللي أبوه بيهينه قدام الناس.
كان واضح، ذكي، سريع الملاحظة، وعنده قدرة غريبة على ربط التفاصيل ببعضها.
كتبت له:
إنت بتفهم في إدارة الشركات؟
ابتسم وكتب:
درست إدارة أعمال في الجامعة. وبعدها درست المحاسبة والقانون التجاري، واشتغلت في شركات بره مصر فترة.
رفعت حاجبي باستغراب.
يعني إنت مش بعيد عن شغل أبوك زي ما الناس بتقول؟
هز راسه.
أنا كنت بعيد بإرادتي. كنت عايز أتعلم من غير ما أكون مجرد ابن منصور زهران.
كتبت له:
طب ليه الناس فاكرة إنك مش فاهم حاجة؟
قرأ الرسالة، وفضل ساكت شوية، وبعدها كتب:
لأن أبويا كان محتاج الناس تصدق كده.
الجملة فضلت قدام عيني.
كان فيه فرق كبير بين إن حد يخبي إعاقته، وبين إن حد يخبي قدرته عشان ينجو من سيطرة اللي حواليه.
ياسين ما كانش بيخبي إنه أصم.
كان بيخبي إنه قادر يشوف حاجات أبوه مش عايز حد يشوفها.
وصلنا لمخزن قديم في شارع جانبي قريب من محطة الرمل. المبنى كان واجهته باهتة، وبابه الحديد عليه صدأ.
أمينة نزلت الأول، وطلعت المفتاح اللي كان في الصندوق.
لكن قبل ما تفتحه، لاحظت إن القفل مخدوش، وإن التراب اللي قدام الباب متشال من مكانه.
ياسين قرب، وركع يبص على الأرض.
أشار لي:
“فيه حد دخل هنا قريب.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“يمكن حد من العمال؟”
هز راسه.
“المخزن مقفول من سنين. ومحدش يعرف مكانه غير عدد قليل جدًا من الناس.”
أمينة همست: “يا رب استر.”
ياسين فتح الباب ببطء.
ريحة الخشب القديم والتراب خرجت في وشنا. شغلنا كشافات الموبايلات، ودخلنا وسط رفوف مليانة صناديق وكتب وأثاث مغطى بقماش أبيض.
كان المكان واسع، لكنه مهجور تمامًا.
بدأنا ندور على المكتبة اللي ظهرت في الصورة.
بعد حوالي عشر دقايق، لقيناها في آخر المخزن.
كانت مكتبة خشب صغيرة، وفي نصها كتاب قديم غلافه أزرق.
ياسين أخده، وفتحه بحذر.
الكتاب كان فاضي تقريبًا، لكن لما قلب آخر صفحة، لاحظ جيبًا مخفيًا في الغلاف الخلفي.
طلع منه دفتر أزرق صغير.
أمينة حطت إيدها على صدرها.
“يا ساتر يا رب.”
ياسين فتح الدفتر.
في الصفحات الأولى كانت فيه أرقام والحسابات وعقود مختصرة، وبعدها أسماء شركات ومواعيد تحويلات وملاحظات بخط ليلى.
ما كنتش فاهمة كل التفاصيل، لكن ياسين كان بيقرا بسرعة، وكل صفحة كانت بتخليها أكثر توترًا.
فجأة وقف عند صفحة معينة.
قرب الدفتر من الضوء، وبعدين أشار لي:
“بصي على الاسم ده.”
كان اسم فؤاد.
وبجانبه تحويلات مالية تمت على مدار شهور قبل الحريق.
أمينة قالت بصدمة: “فؤاد؟”
ياسين قلب الصفحة، ولقى أسماء تانية، من ضمنها اسم كمال الديب، واسم شركة كانت مسؤولة عن صيانة أنظمة الكهرباء في الفيلا القديمة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر صفحة.
كان فيه سطر مكتوب بخط ليلى:
“الشخص اللي فتح الباب في ليلة الحريق لم يكن هو الشخص الذي أغلقه.”
قرأت الجملة مرتين.
وبصيت لياسين.
“يعني إيه؟”
هو نفسه ما كانش فاهم.
قلب الدفتر، فلقى ورقة صغيرة مثبتة في الغلاف، عليها عنوان ورقم تليفون.
وتحت الرقم مكتوب:
“لو حصل أي شيء، اسألوا الدكتور سامح نجيب. هو الوحيد اللي شاف ياسين بعد الحريق وقبل ما يتم نقله للمستشفى.”
أمينة همست: “الدكتور سامح… ده كان طبيب العيلة.”
ياسين أشار:
“لسه عايش؟”
“آخر مرة سمعت عنه كان ساكن في سموحة، لكنه ساب شغله من سنين.”
قبل ما نتحرك، سمعنا صوت باب المخزن بيتقفل بقوة.
لفينا كلنا ناحية المدخل.
خطوات تقيلة قربت من الممر.
ظهر رجل طويل لابس معطف غامق، ووراه اتنين.
بص للدفتر في إيد ياسين، وبعدها ابتسم.
“كنت متأكد إنكم هتوصلوا له في يوم من الأيام.”
ياسين وقف قدامي بشكل تلقائي.
الرجل كمل: “سلّم الدفتر يا أستاذ ياسين، وخلينا نعتبر إن الليلة دي ما حصلتش.”
ياسين أشار له:
“إنت مين؟”
الرجل ضحك.
“أنا واحد بيحاول يحميك من الحقيقة اللي أبوك مش قادر يقولها.”
أنا رفعت صوتي: “ولو إنت بتحميه، جاي ليه في نص الليل ومعاك رجالة تقفل علينا الباب؟”
الرجل بص لي باستهزاء.
“إنتِ هدى، صح؟ الجرسونة اللي ظهرت فجأة في حياة ياسين.”
اتجمدت.
إزاي عرف اسمي؟
قرب خطوة وقال: “إنتِ مش فاهمة إنتِ دخلتي نفسك في إيه. الموضوع ده مش بتاعك.”
“ما تكلمهاش بالطريقة دي.”
الرجل ابتسم.
“لسه بتدافع عن الناس، يا ياسين؟ زي ما دافعت عن أمك زمان؟”
ياسين شحب.
أنا حسيت إنه اتأثر بالجملة، لكن قبل ما أقدر أتصرف، الرجل مد إيده ناحية الدفتر.
ياسين رجع خطوة، وضم الدفتر لصدره.
الرجل قال بنبرة حادة: “آخر مرة هقولها. سلّم الدفتر.”
أمينة وقفت جنب ياسين، وأنا وقفت في الناحية التانية.
ما كانش معانا أي سلاح، ولا أي وسيلة للدفاع عن نفسنا. لكن ياسين كان مصر إنه ما يسيبش الدفتر.
وفجأة، سمعنا صوت صفارة عربية شرطة من الشارع.
الرجالة اللي مع الرجل بصوا لبعض.
الرجل اتعصب، ومد إيده يحاول ياخد الدفتر، لكن ياسين لف بعيد عنه.
في اللحظة دي، دخل اتنين من أفراد الشرطة ومعاهم ضابط.
“محدش يتحرك!”
الرجل رجع خطوة، وحاول يبتسم.
“فيه سوء تفاهم يا حضرة الضابط. إحنا أصحاب المخزن.”
الضابط بص له، وبعدها بص للدفتر اللي في إيد ياسين.
“اسمك إيه؟”
الرجل تردد لحظة.
وياسين رفع إيده وأشار للضابط، وبعدها كتب له على موبايله:
“الرجل ده دخل المخزن من غير إذن، وحاول ياخد دليل متعلق بتحقيق في حريق قديم.”
الضابط طلب بطاقات الهوية، وبدأ يفصل بين الموجودين.
الرجل حاول يتصل بحد، لكن الضابط طلب منه يحط الموبايل على الترابيزة.
بعد دقائق من الأسئلة، عرفنا إن اسمه كمال الديب.
نفس الاسم اللي ظهر في تسجيل ليلى.
الضابط بص له بجدية.
“إنت مطلوب لسماع أقوالك في بلاغ مقدم من محامي السيد ياسين زهران. اتفضل معانا.”
كمال بص لياسين نظرة طويلة، وقال بصوت واطي:
“إنت فاكر إنك كسبت؟ إنت لسه ما تعرفش مين كان واقف ورا الباب.”
وبعدها خرج مع الشرطة.
الجملة فضلت ترن في دماغي.
مين كان واقف ورا الباب؟




