روايات وقصص

ابن زعيم المافيا

في صباح اليوم التالي، كنا قاعدين في مكتب محامي ياسين في سموحة.
المحامي اسمه شريف البدري، راجل في الخمسينات، هادي، وبيتكلم بحذر. كان قدامه الدفتر الأزرق والتسجيلات، وبيراجع كل حاجة بعناية.
قال: “المستندات دي محتاجة فحص فني، لكن فيها مؤشرات خطيرة على تحويلات مالية غير مبررة، وتلاعب في عقود، ومحاولات لإخفاء مستندات.”
ياسين أشار:
“وأمي؟”
شريف بص له بحزن.
“مش هقدر أقول لك مين تسبب في موت والدتك قبل ما التحقيق يكتمل. لكن نقدر نثبت إن التقرير القديم ممكن يكون ناقص، وإن فيها أدلة ما اتعرضتش وقتها.”
ياسين نزل عينيه.
كان عايز إجابة واضحة، لكنه بدأ يفهم إن الحقيقة مش هتظهر كلها في لحظة واحدة.
المحامي كمل: “أنا هقدم طلب رسمي لإعادة فحص ملف الحريق، وهسلم الدفتر والتسجيلات للجهات المختصة. والأهم إنك ما تواجهش أي حد بنفسك، مهما حصل.”
ياسين وافق.
بعدها المحامي بص لي.
“وإنتِ يا هدى، لازم تعرفي إن شهادتك مهمة في توثيق الكلام اللي اتقال قدامك، لكن ما تدخليش نفسك في مواجهة مع أي طرف. لو حد هددك، بلغي فورًا.”
هزيت راسي.
أنا كنت لسه مش مستوعبة إن ليلة شغلي العادية تحولت لكل ده.
لما خرجنا من المكتب، ياسين وقف على الرصيف وكتب لي على موبايله:
أنا آسف إنك اتورطتي في ده بسببي.
كتبت له:
إنت ما ورطتنيش. أنا اللي قررت أساعدك.
قرأ الرسالة، وبعدها ابتسم.
وبعدين أشار:
“ممكن أسألك سؤال؟”
“اتفضل.”
“إنتِ ليه ما خفتيش مني زي باقي الناس؟”
فكرت لحظة.
“أنا خفت من أبوك، وخفت من اللي ممكن يحصل. لكن أنا ما خفتش منك. يمكن عشان أخويا علمني إن الإنسان مش لازم يسمعك عشان يفهمك، ومش لازم يتكلم بصوت عشان يكون عنده كلام مهم يقوله.”
ياسين فضل باصص لي.
وبعدين كتب:
يوسف كان محظوظ إن عنده أخت زيك.
حسيت بغصة في حلقي.
“وأنا كنت محظوظة إنه كان أخويا.”
لأول مرة من بداية الليلة دي، ضحك ياسين من قلبه، من غير ما يحاول يخبي حزنه.
لكن الضحكة ما كملتش طويلًا.
موبايله رن.
قرأ الرسالة، ووشه اتغير.
سألته: “فيه إيه؟”
وراني الشاشة.
رسالة من رقم مجهول:
“لو عايز تعرف مين قفل الباب على أمك، اسأل أبوك عن الليلة اللي رجع فيها البيت من المستشفى قبل وصول المطافي.”
حسيت ببرودة في إيدي.
بصيت لياسين.
“إنت كنت فاكر إن أبوك وصل بعد الحريق؟”
هز راسه ببطء.
“ده اللي قاله لي.”
لكن الرسالة كانت بتقول حاجة تانية.
في اليومين اللي بعدهم، بدأت الأمور تتحرك بسرعة.
المحامي قدم طلب إعادة فتح التحقيق، والشرطة بدأت تستدعي الأشخاص اللي أسماؤهم ظهرت في الدفتر. كمال الديب رفض الكلام في البداية، لكنه بعد مواجهة بالمستندات وافق يدلي بأقواله.
أما منصور، فاختفى عن الأنظار.
ما ردش على مكالمات ابنه، وما ظهرش في أي من شركاته، ورجاله بقوا يتحركوا في صمت.
ياسين ما حاولش يوصل له بنفسه.
كان عارف إن أي مواجهة من غير استعداد ممكن تضيع الأدلة.
لكن الرسالة المجهولة فضلت شاغلاه.
في مساء اليوم الثالث، اتصل بياسين رقم أرضي قديم.
رد على المكالمة، وسمع من خلال مترجم إلكتروني على الجهاز إن المتصل هو الدكتور سامح نجيب.
الدكتور قال إنه مستعد يقابله، لكنه اشترط إن المقابلة تكون في عيادته القديمة، وإن ما يكونش معاهم أي شخص من رجال منصور.
ياسين قرر يروح.
وأنا رحت معاه، لأن الدكتور طلب وجود شخص يقدر يترجم لغة الإشارة لو احتاج.
العيادة كانت في شارع هادي في سموحة، ومبناها قديم، واللافتة اللي على الباب باهتة.
دخلنا، فلقينا راجل كبير قاعد وراء مكتب مليان ملفات.
أول ما شاف ياسين، قام ببطء.
“كبرت يا ابني.”
ياسين رد بالإشارة:
“حضرتك فاكرني؟”
الدكتور هز راسه.
“فاكرك كويس. كنت طفل شجاع، رغم إنك كنت بتتعذب من اللي حصل.”
ياسين كتب على موبايله:
“أنا محتاج أعرف الحقيقة. مش عايز حماية، ولا كلام يريحني. عايز أعرف اللي حصل.”
الدكتور قعد، وشاور لنا نقعد.
فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها فتح درج مكتبه وطلع ملفًا قديمًا.
قال: “الليلة دي، لما وصلنا الفيلا، كانت والدتك توفت بالفعل. إنت كنت مصاب، وفاقد الوعي، وكان عندك إصابة خطيرة في الرأس. لكن قبل ما تفقد وعيك، كنت بتكرر جملة واحدة.”
ياسين رفع عينيه.
“كنت بتقول: الباب اتقفل، الباب اتقفل.”
الدكتور كمل: “في الأول افتكرنا إنك بتتكلم عن باب الأوضة اللي كنت محبوس فيها. لكن بعد كده، لما حاولت تسأل عن اللي حصل، والدك طلب مننا ما نضغطش عليك، وقال إن ذاكرتك اتأثرت بالصدمة.”
ياسين أشار:
“هو وصل قبل المطافي؟”
الدكتور سكت.
وبعدين قال: “أيوه.”
حسيت إن قلبي وقف.
ياسين فضل باصص للدكتور من غير حركة.
الدكتور كمل: “منصور وصل الفيلا قبل وصول المطافي بدقايق. كان معاه كمال الديب وشخص تالت. وقتها ما فهمتش ليه كانوا موجودين، لكن بعد الحريق، منصور طلب مني أكتب في التقرير إنك كنت فاقد الوعي طول الوقت، وإنك ما قدرتش تشوف أي حاجة.”
ياسين أشار بعنف:
“يعني حضرتك كذبت في التقرير؟”
الدكتور نزل عينيه.
“أيوه. وأنا ندمان على ده من يومها.”
أنا حسيت بغضب شديد.
“ليه عملت كده؟”
الدكتور بص لي.
“كنت خايف. منصور وقتها كان عنده نفوذ كبير، وكان عندي أسرة وأطفال. أقنعت نفسي إن التقرير مش هيغير حاجة، وإن الولد محتاج ينسى اللي حصل.”
ياسين كتب على موبايله:
“لكن أنا ما نسيتش. أنا عشت أربع عشرة سنة بحاول أفتكر لوحدي.”
الدكتور مسح وشه بإيده.
“عارف. وعشان كده قررت أتكلم دلوقتي.”
فتح الملف، وطلع ورقة عليها توقيع قديم.
“ده التقرير الأصلي اللي كتبته في نفس الليلة. ما اتقدمش للشرطة، لأن منصور أخده مني قبل ما أودعه في الملف الطبي.”
الورقة كانت بتقول إن ياسين استعاد وعيه لفترة قصيرة داخل سيارة الإسعاف، وإنه أشار إلى رجل كان واقف قرب باب الجناح قبل اندلاع الحريق.
لكن اسم الرجل ما كانش مكتوبًا.
بدل الاسم، كانت فيه عبارة بخط الدكتور:
“المريض أشار إلى شخص من أفراد العائلة.”
ياسين بص للدكتور، وأشار:
“مين كان الشخص ده؟”
الدكتور غمض عينيه.
“أنا ما شفتش وشه بوضوح. لكن الممرضة اللي كانت معايا وقتها شافته.”
“اسمها إيه؟”
“دكتورة منى عبدالرحمن. كانت شغالة في مستشفى خاص وقتها، وبعدها سافرت القاهرة. على حد علمي، رجعت إسكندرية من سنين.”
ياسين أخد العنوان، وقرر يروح لها بعد ما يبلغ المحامي.
وقبل ما نخرج، الدكتور ناداه.
“يا ياسين.”
ياسين لف له.
الدكتور قال: “أنا عارف إن اعتذاري مش كفاية، وإنك من حقك تغضب مني. بس عايزك تعرف إن أمك كانت بتحبك جدًا، وإنها كانت بتحاول تحميك من صراعات الكبار.”
ياسين أشار بهدوء:
“أنا مش محتاج حد يقولي إنها كانت بتحبني. أنا فاكر.”
وبعدها خرج.
دكتورة منى وافقت تقابلنا في اليوم التالي، بعد ما المحامي تواصل معاها رسميًا.
كانت ست في أوائل الخمسينات، بتتكلم بهدوء، لكن إيديها كانت بتترعش وهي بتراجع الورق القديم.
قالت: “أنا فاكرة الليلة دي. كنت في الإسعاف، وكنت مع الدكتور سامح لما وصل ياسين.”
ياسين أشار:
“إنتِ شفتِ مين؟”
منى خدت نفسًا عميقًا.
“شفت راجل خارج من الممر الخلفي للفيلا، وكان ماسك مفاتيح الباب الحديد. ما قدرتش أشوف وشه بوضوح، لكني سمعت منصور بيناديه باسم…”
سكتت.
المحامي شجعها: “خدي وقتك يا دكتورة.”
منى كملت: “سمعته بيناديه فؤاد.”
أنا حسيت إن الأرض اختفت من تحتي.
فؤاد، الرجل اللي كان واقف في الفيلا، واللي كان بيظهر جنب منصور في كل مناسبة، واللي كان عارف تفاصيل شغل العيلة، هو اللي كان في المكان وقت الحريق.
لكن ياسين ما اكتفاش بالاسم.
أشار:
“هل شفتِه بيقفل الباب؟”
منى هزت راسها.
“ما شفتوش وهو بيقفله. لكن شفته خارج من ناحية الباب بعد ما سمعت صراخك.”
ياسين نزل عينيه.
المحامي قال: “الشهادة دي مهمة، لكنها لوحدها مش كفاية لإثبات مسؤولية أي شخص عن الحريق. لازم نربطها بالأدلة التانية.”
منى أومأت.
“أنا مستعدة أشهد بكل اللي شفته.”
خرجنا من عندها، وكان ياسين ماشي ببطء.
سألته بلغة الإشارة:
“إنت كويس؟”
بص لي، وبعدها أشار:
“أنا مش عارف إذا كنت مستعد أعرف باقي الحقيقة.”
وقفت قدامه.
“محدش بيكون مستعد لكل حاجة يا ياسين. بس إنت مش لوحدك.”
فضل باصص لي فترة، وبعدها أشار:
“إنتِ ليه لسه معايا؟ كان ممكن تسيبيني من أول ليلة.”
ابتسمت بحزن.
“عشان أنا عارفة إن أصعب حاجة مش إنك تخسر حد بتحبه. أصعب حاجة إنك تفضل عايش وسط ناس بتقول لك إن إحساسك غلط، وإن ذكرياتك كدب.”
ياسين قرب خطوة.
“أنا ما قابلتش حد فهم ده قبل كده.”
كنت هرد، لكن موبايله رن.
المحامي كان بيتصل.
أول ما ياسين رد، شفت ملامحه بتتغير.
المحامي قال إن منصور زهران وصل بنفسه إلى مكتب النيابة، وإنه طلب الإدلاء بأقواله رسميًا.
ولأول مرة من أربع عشرة سنة، منصور قرر يتكلم.
في اليوم التالي، راح ياسين مع محاميه إلى مقر النيابة.
أنا فضلت بره في قاعة الانتظار، لأن شهادتي ما كانتش مطلوبة في الجلسة دي.
مرت ساعة.
وبعدها ساعة تانية.
كنت قاعدة على كرسي خشبي، وببص للناس اللي داخلة وخارجة، وكل شوية أبص على الساعة.
وفجأة، باب الغرفة اتفتح.
خرج منصور.
كان لابس بدلة رمادية، لكن وشه كان مرهق، وعينيه غائرة، وكأنه ما نامش من أيام.
ورا منه خرج ياسين.
وقفوا قدام بعض في الممر.
منصور رفع إيده، وبدأ يتكلم بلغة الإشارة ببطء شديد. كان واضح إنه مش طليق فيها، لكنه كان بيحاول.
ياسين اتفاجئ.
منصور أشار:
“أنا… آسف.”
إيده وقفت لحظة، وبعدها كمل بصعوبة:
“أنا عارف إن كلمة آسف مش كفاية.”
ياسين فضل ساكت.
منصور تابع:
“أنا ما كنتش عايز أمك تموت.”
أنا حسيت إن الجملة دي هتكون بداية الاعتراف الكامل.
لكن ياسين أشار له:
“يبقى احكي لي اللي حصل.”
منصور نزل عينيه.
“في الليلة دي، أمك كانت اكتشفت إن كمال وفؤاد بيستخدموا شركات العيلة في تحويلات مالية مش قانونية. كانت ناوية تسلم المستندات للنيابة، وأنا حاولت أقنعها تستنى لحد ما أقدر أصلح الموضوع.”
ياسين أشار:
“وهي رفضت.”
منصور هز راسه.
“أيوه. حصلت بيننا خناقة كبيرة. أنا خرجت من الأوضة، وفؤاد كان واقف في الممر. قال لي إنه هيتصرف، وإنه هيمنعها من تسليم المستندات.”
ياسين وقف مكانه، وعينيه ما فارقتش وش أبوه.
منصور كمل: “أنا ما كنتش أعرف إنه هيقفل الباب عليها. أقسم لك إني ما كنتش أعرف.”
ياسين رفع إيده:
“إنت شفتني وأنا بحاول أفتح الباب؟”
منصور سكت طويلًا.
وبعدين هز راسه.
“أيوه.”
ياسين أغمض عينيه.
منصور كمل، وصوته اتكسر:
“لما رجعت للممر، كان الدخان بدأ ينتشر. شفتك بتخبط على الباب، وشفت فؤاد واقف بعيد. حاولت أوصل لك، لكن السقف بدأ يقع، ورجالي سحبوني بره.”
ياسين أشار بعنف:
“ليه ما قلتش الحقيقة؟!”
منصور دموعه نزلت.
“لأني كنت جبان.”
الكلمة خرجت منه بصعوبة.
“كنت خايف إن الناس تعرف إن رجلي هو اللي تسبب في موت أمك. كنت خايف أخسر اسمي وشغلي، وكنت فاكر إني بحميك لما أخبي عنك الحقيقة.”
ياسين أشار:
“إنت ما حمتنيش. إنت سبتني أعيش مع الشك.”
منصور هز راسه.
“عارف.”
ياسين قرب منه خطوة.
“أنا كنت محتاج أبويا، مش إمبراطور يخاف على اسمه أكتر ما يخاف على ابنه.”
منصور غطى وشه بإيده.
ولأول مرة، ما كانش فيه حراس ولا رجال أعمال ولا حد يقدر يوقف الكلام.
كان فيه أب واقف قدام ابنه، بيواجه نتيجة أربع عشرة سنة من الصمت.
لكن ياسين ما حضنوش.
ما قالوش إنه سامحه.
كل اللي عمله إنه أشار:
“أنا هسيب القانون ياخد مجراه. مش هحميك، ومش هنتقم منك. إنت اللي لازم تتحمل مسؤولية اللي عملته واللي سكت عنه.”
منصور رفع راسه، ودموعه على خده.
“وأنا هقبل.”
ياسين لف ومشي.
وأنا لما شفته خارج من الممر، حسيت إنه رغم الألم اللي في عينيه، بقى أخيرًا واقف على أرض ثابتة.
بعد أسابيع من التحقيقات، ظهرت تفاصيل جديدة.
الدفتر الأزرق والتسجيلات وشهادة الدكتور سامح ودكتورة منى ساعدوا في كشف شبكة تحويلات مالية وتزوير مستندات مرتبطة بشركات كانت تحت إدارة فؤاد وكمال الديب.
التحقيق أثبت إن فؤاد كان موجودًا في الفيلا ليلة الحريق، وإنه تعمد إخفاء أدلة مهمة بعد الحادث. أما المسؤولية الدقيقة عن إغلاق الباب وما ترتب عليه، فبقت محل تحقيق قضائي مستقل، لأن بعض التفاصيل احتاجت أدلة فنية إضافية.
منصور اعترف إنه أخفى معلومات عن اللي حصل، وإنه ضغط على الدكتور سامح لتغيير التقرير الطبي، وإنه اختار حماية اسم العيلة بدل ما يواجه الحقيقة.
القضية ما انتهتش في يوم وليلة، وما كانش فيه اعتراف واحد كافي يرجع لياسين أمه، أو يرجع له السنين اللي عاشها وهو بيشك في ذاكرته.
لكن لأول مرة، بقى فيه ملف رسمي بيتفتح، وشهود بيتكلموا، وأدلة بتتراجع بعيد عن نفوذ منصور.
أما أنا، فرجعت لشغلي في مطعم بلاك هورس.
في أول يوم رجعت فيه، زميلتي سمر جريت عليّا وهي بتسألني عن اللي حصل.
“يا بنتي إنتِ اختفيتي فين؟! إحنا افتكرنا إنك سافرتي!”
ضحكت وقلت: “حكاية طويلة.”
“طويلة إيه بس؟ ده المطعم كله بيتكلم عنك! إنتِ الوحيدة اللي خلتِ ياسين زهران يتكلم!”
ابتسمت وأنا بربط المريلة.
“ياسين كان بيتكلم طول الوقت. الناس بس ما كانتش بتفهم لغته.”
في اللحظة دي، باب المطعم اتفتح.
دخل ياسين.
كان لابس قميص أبيض وجاكيت كحلي، وما كانش معاه أي حراس.
الزبائن بصوا له، وبعض الموظفين وقفوا مكانهم من المفاجأة.
لكنه ما اهتمش بحد.
مشي ناحيتي، ووقف قدام الكاونتر.
رفع إيده وقال بلغة الإشارة:
“مساء الخير يا هدى.”
ابتسمت ورديت:
“مساء النور. تحب تطلب إيه النهارده؟”
أشار:
“نفس الطلب. ستيك ميديوم رير، بطاطس بيوريه، وقهوة مضبوطة.”
ضحكت.
“وأبوك؟”
ابتسامته اختفت لحظة، وبعدها رجعت بهدوء.
“أبويا مش جاي النهارده.”
وبعدين كتب على موبايله:
أنا بدأت أروح جلسات علاج نفسي، وبحاول أتعلم إزاي أعيش من غير ما أفضل مستني منه اعتراف كل يوم.
قريت الرسالة، وهزيت راسي.
“دي خطوة كويسة.”
كتب تاني:
وبدأت أشتغل في إدارة شركة مستقلة. مش هستخدم اسم العيلة عشان أفرض نفسي على حد. عايز أبني حاجة تخصني.
ابتسمت.
“أنا متأكدة إنك هتقدر.”
بص لي، وبعدها أشار:
“فيه حاجة تانية عايز أقولها لك.”
حسيت إن قلبي دق أسرع، لكن حاولت أفضل هادية.
أشار ببطء:
“أنا لما شوفتك أول مرة، كنت فاكر إنك مجرد شخص غريب هيمشي من حياتي بعد دقايق. لكن إنتِ كنتِ أول حد من سنين يبص لي ويسألني أنا عايز إيه، مش الناس عايزاني أكون إيه.”
ما عرفتش أرد فورًا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى