
وبعدين همست: “خلي بالك من نفسك يا بنتي.”
بعد أقل من ربع ساعة، لقيت نفسي قاعدة في أوضة واسعة في الدور الأرضي، قدامي ترابيزة عليها ملفات كتير، ومنصور قاعد في الناحية التانية، وياسين واقف جنب المكتبة.
كان فيه راجل في الأربعينات اسمه فؤاد، واضح من طريقته إنه مدير أعمال منصور، ومعاه حارس واقف عند الباب.
منصور حط ملف بني قدامي.
“افتحيه.”
بصيت للملف، وبعدها بصيت له.
“ده إيه يا فندم؟”
“افتحيه يا هدى.”
فتحت الملف بإيدين متوترتين.
كان فيه صور قديمة لفيلا كبيرة متفحمة، وتقارير عن حريق حصل من أربع عشرة سنة، وصورة لست شابة واقفة قدام البحر وهي شايلة طفل صغير.
عرفت من الكلام المكتوب إن الست دي كانت والدة ياسين، اسمها ليلى زهران.
قلبي انقبض.
دي كانت الحادثة اللي الناس كلها بتتكلم عنها. الحريق اللي ماتت فيه ليلى، واللي خرج منه ياسين مصاب بإصابات شديدة، وبعدها فقد السمع بشكل كامل.
منصور أشار لتقرير في آخر الملف.
“اقري الصفحة دي.”
كانت الصفحة بتتكلم عن نتيجة التحقيق وقتها، وإن الحريق بدأ بسبب عطل كهربائي، وإن مفيش شبهة جنائية.
قلت: “التقرير بيقول إن الحريق كان بسبب عطل كهربائي.”
“بالضبط. لكن من أسبوعين، ظهر دليل جديد.”
فتح فؤاد ملف تاني وطلع منه صورة صغيرة لقطعة معدنية قديمة.
منصور كمل: “عامل صيانة كان شغال في الفيلا وقت الحريق مات من شهرين، وقبل ما يموت سلّم لمحامي ورقة قال إنها تخص اللي حصل الليلة دي.”
“وإيه علاقة ده بيا؟”
منصور مال بجسمه لقدام.
“عشان ابني عنده حاجة تخص الحريق، ورافض يقول هي إيه.”
بصيت لياسين.
كان واقف ساكت، لكن عينيه ثابتة على الملف.
منصور كمل: “من كام يوم، اكتشفت إنه كان بيقابل محامي سرًا. محامي مش من الناس اللي بتتعامل معانا. ولما واجهته، رفض يرد.”
منصور سكت، وبص له.
ياسين أشار بسرعة، وأنا بدأت أترجم:
“أنا ما كنتش بقابل المحامي عشان أضرّك. كنت بقابله عشان أعرف الحقيقة اللي إنت دفنتها.”
منصور قام من مكانه.
“أنا دفنت إيه؟!”
ياسين رد:
“إنت قلت لي طول عمري إن أمي ماتت بسبب عطل كهربائي. لكن أنا فاكر الليلة دي.”
الصمت نزل على الأوضة.
منصور ثبت عينيه على ابنه.
“إنت كنت عندك تلاتاشر سنة. كنت مصاب، وكنت تحت تأثير أدوية. ذاكرتك مش موثوق فيها.”
ياسين هز راسه بعنف.
“أنا فاكر كل حاجة.”
إيديه بدأت تتحرك أسرع، كأن الكلام اللي حبسه سنين بقى مش قادر يستنى.
“فاكر إن أمي كانت بتخبط على الباب. فاكر إني كنت بحاول أوصل لها. فاكر إن حد قفل الباب من الناحية التانية.”
حسيت إن نفسي وقف.
منصور رجع خطوة لورا، ووشه شحب.
ياسين كمل:
“وفاكر إنك كنت واقف في آخر الممر، وكنت شايفني.”
ما قدرتش أترجم الجملة الأخيرة.
فضلت باصة لياسين، وقلبي بيدق بعنف.
منصور صرخ: “ترجمي!”
بلعت ريقي وقلت: “بيقول إنه فاكر إن حضرتك كنت واقف في آخر الممر، وإنك شفته وهو بيحاول يوصل لأمه.”
منصور ضرب الترابيزة بكفه.
“كفاية! الولد كان مصدوم، ومش فاكر حاجة صح!”
ياسين أشار بإيده:
“أنا ما كنتش مصدوم لدرجة إني أتخيل وش أبويا.”
الدموع لمعت في عينيه، لكنه ما مسحهاش.
“إنت ما كنتش بتحاول تنقذها يا بابا. إنت كنت بتحاول تمنعها من الخروج.”
أمينة، اللي كانت واقفة عند الباب من غير ما نلاحظ دخولها، شهقت وحطت إيدها على بقها.
منصور لف ناحيتها.
“إنتِ مالك؟ ادخلي أوضتك.”
لكنها ما اتحركتش.
بصت له وهي بتترعش.
“منصور… هو فاكر؟”
منصور اتجمد.
أنا بصيت لها.
“حضرتك تعرفي حاجة عن اللي حصل؟”
أمينة نزلت عينيها، ودموعها بدأت تنزل على خدودها.
“أنا كنت هناك الليلة دي.”
فؤاد رفع راسه بسرعة.
منصور قال بحدة: “أمينة، إنتِ مش فاهمة إنتِ بتقولي إيه.”
لكن أمينة كملت، وصوتها كان ضعيف ومتقطع.
“كنت في المطبخ لما سمعت صوت ليلى بتصرخ. طلعت أجري، ولقيت الدخان مالي الممر. حاولت أفتح الباب اللي بيوصل للجناح، لكنه كان مقفول من بره.”
بصت لياسين.
“كنت بسمع خبطك على الباب يا حبيبي. كنت بسمعك، بس ما كنتش قادرة أوصلك.”
ياسين قرب منها بسرعة، وأمسك إيديها.
أمينة انهارت في العياط.
“أنا حاولت أجيب المفتاح، لكن منصور أخده مني وقال لي أرجع مكاني. قال إن رجال المطافي جايين، وإن دخولي هيعرّضني للموت.”
منصور صرخ: “إنتِ بتكدبي!”
أمينة انتفضت، لكن ياسين وقف قدامها.
رفع إيده وأشار لأبوه:
“ما تعلاش صوتك عليها.”
أنا ترجمت.
منصور بص لابنه كأنه لأول مرة يشوفه واقف قدامه بالطريقة دي.
ياسين كمل:
“إنت طول عمرك بتفتكر إن سكوتي معناه إني مش عارف. كنت بتفتكر إن عشان أنا مش بسمعك، يبقى مش هعرف أسمع الحقيقة من غيرك.”
أشار ناحية الملف.
“لكن أنا لقيت التسجيل.”
منصور سكت فجأة.
حتى فؤاد رفع عينيه بصدمة.
“تسجيل إيه؟” سأل منصور.
ياسين فتح موبايله، وطلع منه جهاز صغير موصل بسماعة خارجية، وبعدها كتب على الشاشة:
التسجيل اللي أمي كانت مخبياه في درج مكتبها. التسجيل اللي إنت كنت فاكر إنه اتحرق مع البيت.
منصور بص للجهاز كأنه شايف حاجة مستحيل تكون موجودة.
“هات الجهاز ده.”
ياسين هز راسه.
“لأ.”
“قلت هاته!”
ياسين ما اتحركش.
وبعدين أشار لي:
“شغليه يا هدى.”
أنا بصيت له بتوتر.
“إنت متأكد؟”
هز راسه.
“لو ما سمعناش الحقيقة دلوقتي، مش هنسمعها أبدًا.”
ضغطت على الملف الصوتي.
في البداية، كان فيه تشويش، وبعده صوت ست واضح رغم إنه قديم.
صوت ليلى.
“منصور، أنا مش هقدر أعيش كده أكتر من كده. لازم ياسين يعرف إن الفلوس اللي بتدخل البيت مش كلها من الشغل اللي بتقوله.”
بعدها جه صوت منصور، أصغر سنًا، لكنه بنفس النبرة القاسية.
“إنتِ مش فاهمة اللي بتتكلمي فيه.”
ليلى ردت: “أنا فاهمة أكتر مما تتصور. وعندي نسخ من كل المستندات. لو حصلي حاجة، كل حاجة هتوصل للنيابة.”
سمعنا صوت حركة، وبعده صوت منصور بيقول:
“إنتِ مش هتخرجي من البيت ومعاكي أي حاجة.”
وبعدين صوت باب بيتقفل بقوة.
التسجيل انتهى فجأة.
أنا فضلت باصة للموبايل.
أمينة كانت بتعيط بصمت.
أما منصور، فكان واقف من غير حركة.
فؤاد قرب منه وقال بصوت واطي: “يا معلم… لازم نفهم الموضوع.”
منصور لف له ببطء.
“اخرج.”
“بس يا معلم…”
“قلت اخرج!”
فؤاد خرج، والحارس خرج معاه، وبقينا إحنا الأربعة لوحدنا.
منصور بص لياسين.
“إنت فاكر إن التسجيل ده يثبت إني قتلت أمك؟”
ياسين رد بإيده:
“أنا مش قاضي، ومش هحكم عليك من تسجيل. أنا عايز أعرف ليه الباب كان مقفول، وليه كل ما أسألك عن اللي حصل كنت بتخليني أحس إني مجنون.”
منصور قعد على الكرسي ببطء.
لأول مرة، شفت على وشه حاجة غير الغرور والغضب.
شفت راجل خايف.
لكنه بدل ما يعترف، بص لي أنا.
“إنتِ مش هتخرجي من البيت قبل ما أعرف كل حاجة عنك.”
حسيت إن قلبي وقع.
ياسين وقف فورًا وأشار بغضب:
“هي مالهاش علاقة بالماضي بتاعنا. إنت اللي جبتها هنا.”
منصور تجاهله.
“اسمك الكامل إيه يا هدى؟”
“هدى محمود عبدالسلام.”
“ساكنة فين؟”
اترددت.
“في سيدي بشر.”
“مين أهلك؟”
“أمي عايشة في كفر الشيخ، وأنا عايشة لوحدي هنا.”
“وعندك إخوات؟”
“كان عندي أخ اسمه يوسف.”
لما قلت الاسم، ياسين بص لي باهتمام.
منصور سأل: “كان أصم زي ابني؟”
“أيوه.”
“ومات إزاي؟”
حسيت إن السؤال دخل في مكان قديم جوايا.
“بأزمة قلبية. كان عنده تسعتاشر سنة.”
سكت منصور لحظة، وبعدها قال: “إنتِ فاهمة يعني إيه تدخلّي نفسك في مشكلة عيلة زي عيلتنا؟”
بصيت له مباشرة.
“أنا ما دخلتش نفسي في أي مشكلة يا فندم. حضرتك اللي طلبت مني أترجم كلام ابنك، وبعدها جبتني هنا غصب عني.”
منصور رفع حاجبه.
يمكن ما كانش متعود إن حد يرد عليه بالطريقة دي.
لكن قبل ما يتكلم، ياسين أشار لي:
“إنتِ مش هتفضلي هنا لو مش عايزة. أنا هخلي السواق يوصلك.”
منصور قام من مكانه.
“محدش هيتحرك من هنا!”
ياسين بص له طويلًا، وبعدها أشار بإيده ببطء:
“أنا مش تحت أمرك.”
الجملة كانت قصيرة، لكنها وقعت على منصور كأنها صفعة.
ياسين كمل:
“إنت أبوي، وأنا طول عمري حاولت ألاقي لك عذر. قلت يمكن حزنك على أمي خلاك قاسي. يمكن خوفك عليّا خلاك تتحكم في كل حاجة. لكن أنا تعبت من إني أبرر لك كل حاجة.”
عيونه اتملت بالدموع.
“أنا فقدت سمعي في الحريق، لكن إنت خلتني أفقد ثقتي في نفسي كمان. كنت بتعامل معايا كأني طفل، وتتكلم عني قدام الناس كأني مش موجود. وكل ما أحاول أفتكر اللي حصل، كنت تقولي إن ذاكرتي غلط.”
رفع إيده ناحية صدره.
“أنا مش عايز منك فلوس، ولا شركات، ولا اسم زهران. أنا عايز أعرف أمي ماتت إزاي.”
منصور فضل ساكت.
وللحظة، افتكرت إنه أخيرًا هيقول الحقيقة.
لكنه فجأة بص ناحية أمينة وقال:
“طلعي المفتاح اللي عندك.”
أمينة شهقت.
ياسين بص لها باستغراب، وبعدين أشار:
“مفتاح إيه؟”
منصور كرر بحدة: “المفتاح يا أمينة!”
أمينة رجعت لورا وهي بتعيط.
“أنا مش معايا حاجة.”
منصور قرب منها.
“أنا عارف إن ليلى قبل ما تموت سلّمتك مفتاح. وعارف إنك خبّيتيه.”
ياسين لف ناحيتها، وعينيه اتسعت.
أمينة غطت وشها بإيديها.
“أنا كنت خايفة يا حبيبي. كنت خايفة عليك.”
ياسين أشار:
“إنتِ عارفة مكان المفتاح؟”
هزت راسها وهي بتعيط.
“أيوه.”
منصور قال: “هاتيه.”
لكن أمينة رفعت راسها لأول مرة وبصت له بعناد.
“لأ.”
الكل اتجمد.
حتى منصور نفسه ما عرفش يرد.
أمينة كملت: “أنا سكت أربع عشرة سنة، وفضلت أقول لنفسي إن السكوت هيحمي ياسين. لكن السكوت ما حماهوش. السكوت خلّاه يعيش عمره كله وهو شاكك في نفسه.”
مسحت دموعها.
“أنا مش هسكت تاني.”
وبعدين بصت لياسين وقالت: “المفتاح في أوضة أمك القديمة. تحت لوح الخشب اللي جنب الشباك.”
ياسين لف ناحية السلم.
لكن منصور وقف قدامه.
“مش هتطلع فوق.”
ياسين أشار بإيده:
“إنت مش هتمنعني المرة دي.”
“أنا أبوك!”
ياسين رد:
“وأنا ابنك. بس ده ما اداكش الحق تخبي عني موت أمي.”
وبعدين بص لي.
“هدى، تعالي معايا.”
طلعت وراه السلم، وأمينة لحقتنا، بينما منصور فضل واقف تحت، ووشه متغير كأن سنين طويلة من الأسرار بدأت تقع مرة واحدة.
أوضة ليلى كانت في آخر الممر، بابها الخشبي لونه بني غامق، وعلى المقبض طبقة خفيفة من التراب.
ياسين وقف قدام الباب فترة طويلة.
مد إيده ولمس المقبض، وبعدها رجعها.
أشار لي:
“أنا ما دخلتش هنا من يوم الحريق.”
بصيت له بحزن.
“ليه؟”
كتب على موبايله:
أبويا قفل الأوضة، وقال إن كل حاجة فيها اتحرقت. ولما طلبت أشوفها، قال لي إن مفيش حاجة تستاهل أفتكرها.
أمينة طلعت مفتاح صغير من سلسلة كانت لابساها تحت هدومها.
فتحت الباب.
الأوضة كانت محفوظة كأن الزمن وقف فيها. ستاير فاتحة، تسريحة عليها علبة عطر قديمة، ومكتبة مليانة كتب، وصورة لليلى وهي واقفة على البحر وبتضحك.
ياسين دخل خطوة، وبعدين وقف.
كان بيبص للصورة كأنه بيحاول يسترجع صوت أمه من ملامحها.
قرب من التسريحة، وأخد الصورة بإيد مرتعشة.
أشار لي:
“كانت بتحب البحر. وكانت كل يوم تصحيني بدري عشان ننزل نتمشى على الشاطئ.”
ابتسم ابتسامة حزينة.


