روايات وقصص

ردّ الاعتبار ج1

بعد ساعتين من بداية عيد ميلادي السادس والعشرين، وجدت نفسي أواجه أشرس رجل في بولاق الدكرور — مش مرة واحدة، لا، مرتين — وشفت المكان كله يسكت سكتة الموت. وما كملناش دقيقة، إلا ووقع حدث أمني عنيف، وسقطت شظايا قريبة من رأسي، ورشدي الجبالي شالني على كتفه زي شوال البطاطس، وفجأة لقيت عيد ميلادي الزفت اتحول لموقف خطير عشان أطلع منه حية.

بعد عشر ساعات شغل متواصل في الشيفت الثاني في المكان اللي بشتغل فيه، كنت جايبة آخري، ومفقوعة، وناقصني أربعين جنيه عشان أكمل إيجار شقة أمي في دار المسنين. فلما مجموعة رشدي خبطوا فيا والطلب غرق بدلته الفحمي التفصيل، الصبر من عندي اتنسف خالص.

قلتله بنشفان وش وأنا بحط صباعي في صدره:

— الممر يساع جمل، وبطريقة ما مجموعة الرجالة بتاعتك دي عرفت تخبط فيا.

ثلاثة من الرجالة الواقفين حسيت إنهم قطعوا النفس. حمزة، كبير حراسة رشدي، مد إيده جوة الجاكيت. حطيت صباعي في صدر رشدي تاني.

— ودلوقتي معايا ثلاث كاسات مكسورين، وأرضية غرقانة، ومدير هيشيلني حقهم. فلو كانت هيبتك دي بتديك حصانة من السلامة والصحة المهنية، اقف عدل عقبال ما أجيب المقشة.

رشدي نزل عينيه ببطء لصباعي. وبعدين بص في عيني. ومن ورا الكاونتر، عم إبراهيم بدأ يقرأ الفاتحة ويهز رأسه.

رشدي قال ببرود:

— إنتي بتتكلمي مع الغرباء كده دايماً؟

— بس مع اللي واقفين فوق الزجاج المكسور.

حمزة همس:

— يا معلم..

— سمعته.

— لا.. يا معلم بجد!

التغير في نبرة صوت حمزة شال التسلية من وش رشدي في ثانية. كان فيه راجل بفيست رمادي بيمشي بسرعة بين الزحمة، وإيد من إيديه داخلة جوة الجاكيت. وبعدين لمحت مقبض أداة تهديد. واحدة صرخت.

رشدي شدني من وسطي في نفس اللحظة اللي وقعت فيها الضربة الأولى وضربت في العمود الخشب اللي كان ورا رأسي. وفجأة، رجليا سابت الأرض.

— فيه إيه يا جدع أنت—

طوحني على كتفه. حرفياً شالني ودبني على كتفه.

— نزلني يا جدع أنت!

— مش الليلة.

— يا مجنون يا—

ضربة ثانية وقعت ورايا. رشدي غطى رأسي بإيده الكبيرة وهو شايلني وبيجري بيا في ممر الخدمة ورجالته محوطينا. وبطريقة ما، رغم الرعب، كنت حاسة قد إيه الموقف مسخرة. في يوم عيد ميلادي، أنا مقلوبة على كتف أشرس راجل في بولاق.

— رشدي الجبالي!

هوا نوفمبر الساقع ضرب في وشي أول ما زق الباب الخلفي للشارع.

— لو طلعت حية من الليلة دي، أنا هعمل فيك بلاغ في البوليس!

— لأنهي مأمور؟

— هتفكر في واحد!

ضحك. وضربة ثانية ربت في الحيطة الطوب فوق رأسنا. الضحكة طارت. رشدي حشرني جوة عربية جيب مصفحة ونط ورايا. والعربية بتفرك الأسفلت وطالعة تجري من الحارة، لمحت جرح بسيط على فكه من شظايا الزجاج اللي تطايرت.

إيديا بدأت اترعش. مد إيده ناحيتي.

— ما تلمسنيش.

إيده وقفت في ثانية.

— إنتي في أمان.

— أنت رميتني جوة عربية!

— الخطر كان بينه وبين راسك مسافة صغيرة.

— ده ما يخليش اللي بتعمله طبيعي!

— لا.. بس يخليه ضروري.

بلعت ريقي بالعافية:

— هو إيه اللي حصل؟

رشدي قال:

— اللي خبط في الصينية بتاعتك ما كانش زبون عادي.

— فهمت كده لما بدأ الهجوم.

— ده جاي عشان حد في الصالة.

— أنت.

رشدي سكت.

— ده اللي أنا فاهمه.

— عظيم.. نزلني عند بيتي بقى.

— لأ.

الغضب كل الخوف في ثانية:

— يعني إيه لأ؟

— اللي كان ماسك أداة التهديد شافك وإنتي بتتعدي عليا. واللي باثه الليلة دي هيفتكر إنك شفتي وشه.

— أنا ملمحتش حاجة أساساً!

— هما ما يعرفوش كده.

— خلاص أعملي حراسة.

— لأ.

— أنت شكل كلمة لأ دي عاجباك قوي.

— الكلمة دي بتمنع المصايب.

بصيتله وقلبي لسه بيلف في قفصي الصدري:

— أنا عندي أم معتمدة عليا في كل حاجة.

— عارف.

الكلمتين دول نزلوا عليا أتقل من صوت الهجوم. خوفي اتحول في ثانية لشك حامي.

— عارف؟

— عارف إيه بالظبط؟

طلعت مني مخنوقة، وعيني متثبتة في عينيه وهو قاعد جنب مني في زحمة الكنبة المصفحة. رشدي الجبالي طعّن بضهره ورا، وحط دراعه الضخم على ظهر الكنبة كأنه بيمتلك العربية واللي فيها، وقال ببرود يفرس:

— عارف إن اسمك فرح، وشغالة هنا بقالك ست شهور شيفتات مضاعفة عشان تدفعي مصاريف دار الرعاية بتاعة الحجة فاطمة، وعارف إن أصلك من السيدة وزمانك كنتي بتدرسي، بس الظروف لطشت معاكي.

دمي اتجمد في عروقي. العربية كانت بتفرك الإسفلت وتغرز في شوارع المنيب الضيقة، وصوت السفايف وراينا بيصرخ، بس أنا ما كنتش سامعة غير صوت ضربات قلبي.

— أنت بتراقبني؟ صرخت فيه وأنا بجيب آخري. أنت مين يا جدع أنت؟! وزاقق عليا حراسة ومتابع حياتي ليه؟

رشدي ما رمش له جفن، بص من الشباك الفيميه وشفته المقشورة من إزاز الضربة بدأت تنزف تاني.

— أنا مش براقبك يا فرح.. أنا بحميكي.

— تحميني من إيه؟! من زبون اتكعبل في صينيتي ولا من حراسك اللي سادين العين؟!

قبل ما يرد، العربية اتخبطت من ورا خبطة هزت دواير السقف، وشريط الصوت في ودني زمر. حمزة، اللي قاعد جنب السواق قدام، لف وشُه ولونه كتافي:

— يا معلم! فيه عربيتين جيب سودا وارثينا من بعد الكوبري، ومشرعين أدوات عدوانية!

رشدي ما اتهزش. مد إيده تحت الكنبة وطلع أداة تهديد سودا مط، وشد أجزائها بصوت يرعب. بصلي وقال بصوت واطي وأجش:

— اللي ورايا دول مش عاوزيني أنا بس يا فرح.. دول عاوزين العمارة والخدمة والسوق كله. والسبت اللي فات، ابن أختي اتغدر بيه بنفس الطريقة.

العربية اتخبطت تاني، وصوت هجوم عنيف بدأ يرشق في الصاج المصفح زي المطرة. مسكت في حرف الباب وجبت آخري من الخوف، غمضت عيني وصرخت:

— وأنا مالي بكل ده؟! أنا زبونة غلبانة جاية ألم قرشين لأمي!

رشدي مال عليا، وبإيده الثانية حط صباعه تحت دقني ورفع وشي لوشه.. كانت عينه فيها نظرة حامية تقطع الخلف:

— أنتِ مش زبونة غلبانة.. أنتِ البنت الوحيدة اللي تجرأت تحطي صباعها في صدر رشدي الجبالي قدام رجاله بولاق كلهم وماتهزتش.. وأمي الله يرحمها كانت بتقولي: اللي ما يخافش منك في أول مرة، يا إما مجنون.. يا إما هو الوحيد اللي ينفع تسند عليه لما الدنيا تكركب.

الشبابيك المصفحة بدأت تنقر من الهجوم، ورشدي فتح شباكه شبر واحد، وجهز أداته وابتسم ابتسامة مكسورة:

— اقعدي في أرضية العربية يا فرح.. وسيبيني أوريكي المعلم لما بيزعل بيعمل إيه.. وبعدها، أوعدك، هتروحي لأمك وأنتِ شايلة عدلك وزيادة.

دبيت نفسي في الأرضية بين رجليه، وأنا حاطة إيديا على رأسي وبسمع صوت الهجوم وأعمال المعلم وهي بتعلم في الشارع، وعرفت إن الليلة دي مش بس هغير حياتي.. دي هتقلب بولاق كلها رأساً على عقب.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى