
حكايات شروق خالد
أنا ما ناطقتش… زقيت الباب بدفعة خفيفة ودخلت.
العيال الأربعة اتسمروا في مكانهم وشافوني، كبروا ورا شروق ومسكوا في ديل فستانها بذهول.
أنا نزلت على ركبي قدامهم في نص الصالة البسيطة، ولأول مرة في حياتي، الدموع نزلت من عين حمزة الهواري قدام حد.
بصيت للأربعة وقلت بصوت مكسور:
“أنا مش عمو يا حبايبي… أنا أباكم.”
العيال بصلوا لبعضهم مش فاهمين، وشروق نزلت على ركبها جنيهم وقالت ودموعها نازلة زي المطر:
“أبوكم اللي سابنا يا أولاد… أبوكم اللي اختار شغله وفلوسه وقسوته وداس علينا.”
حكايات شروق خالد
بصيت لشروق في عينها وقلت بثبات ويقين:
“أنا هسيب كل حاجة يا شروق… المعارض، السلاح، عيلة الهواري، وفريدة والجوازة المصلحة… رميت الخاتم في الزبالة وجيت لك. أنا مش عايش من غيركم، ويا نعيش سوا بكرامتنا وأحميكم بدمي، يا تقتليني بنفسك دلوقتي وتريحيني.”
شروق بصت في عيني وشفات إن حمزة الهواري بتاع زمان اتكسر ومات بجد، وإن الراجل اللي واضع ركبته قدامها قدام ولاده هو حمزة جديد بيشتري رضاها بكل ما يملك.
العيال قربوا مني بشويش، وواحد فيهم مد إيده الصغنونة ومسح الدمعة من على خدي…
وفي اللحظة دي، عرفت إن اللعبة انتهت، وإن الإمبراطورية الحقيقية لحمزة الهواري هي الأربع عيال والست اللي واقفة تحرسهم بقلبها.
حكايات شروق خالد
الولد الصغير لما مسح الدمعة من على خدي، حسيت كأن الروح ردت فيا من جديد.
إيدي كانت بترعش وأنا بمدها وبشد الأربعة لصدني، دفنت وشي في وسطهم وأنا بحضنهم بكل قوتي، أربع حتت من قلبي كانوا ضايعين مني وأنا عايش في الغفلة.
شروق كانت واقفة تبص علينا، دموعها نازلة بسكوت، والوجع اللي في قلبها بيتحارب مع الحنين اللي عمره ما مات.
قمت وقفت، وبصيت في عينها بثبات وقربت منها خطوة:
“أنا عارف إن الحساب تقيل يا شروق… وعارف إن ست سنين حرمان وتعب ورباية أربع عيال في الغربة مش كلمة هتتمسح في يوم وليلة… بس أقسم بالله العلي العظيم، من النهاردا مالكيش لوم ولا شيل.”
حكايات شروق خالد
شروق رفعت رأسها وقالت بصلابة:
“أنا مش خايفة من الشيل يا حمزة… أنا ربيتهم بعرقي وكرامتي وما احتجتش لحد، أنا خايفة من دنيتك… خايفة من الرجالة والسلاح والأعداء اللي حواليك، خايفة العيال دول يدفعوا تمن شغل الهوارية.”
حمزة مسك إيدها الاثنين وضغط عليهم بكل حنية:
“دنيتي القديمة انتهت من الدقيقة اللي شفتهم فيها في الحمام… المعارض والأرض هيتكتب نصها باسمك وباسم العيال، والشغل الزفر أنا قفلته ولغيت جوازة فريدة ورميت كل حاجة ورا ضهري… أنا مش راجع القصر غير وأنتوا معايا، وعلى سنة الله ورسوله ومن غير ما حد يكسر لك كلمة.”
حكايات شروق خالد
أحد العيال مسك في إيد حمزة وقال ببراءة:
“يعني أنت بابا بجد؟ ومش هتمشي تاني؟”
حمزة نزل على ركبته تاني وباس رأس الولد ورأس إخواته واحد واحد:
“أنا بابا يا روح بابا… وعمري ما هسيبكم ولا أبعد عنكم لحظة واحدة تاني طول ما فيا نفس.”
شروق اتنفس بوهدية طويلة، كأن جبل زاح عن صدرها، وابتسمت ابتسامة خفيفة وسط دموعها… ابتسامة ردت الروح لحمزة الهواري وعرف إن الشمس أخيرًا طلعت على حياته بعد ست سنين ضلمة.
أربعة من صلبي
حكايات شروق خالد


