
“عُمري ما حبيتِك”، قالها وهو مش حاسس—ولما طلع الصبح كانت اختفت، وندم بعد ما الفأس وقعت في الرأس
حكايات شروق خالد
حمزة الهواري كان هو الذراع اليمين والكبير في أكبر شبكة تجارة سلاح وسيارات في الصعيد والقاهرة، راجل إيده والدم، وكان فاكر إن البنت اللي جنبه دي مضمونة وموجودة في حياته للأبد زي حيطان بيته.
كان فاكر إن فلوسه ونفوذه مخلينه فوق القانون وفوق البشر.
حد ما جه يوم أسود ومطرة نازلة زي السيل في شوارع التجمع، نطق بـ 5 كلمات مش بس كسروا قلب شروق، دول هدّوا السقف فوق دماغه ودمروا كل اللي بناه.
حكايات شروق خالد
القصر الكبير بتاع عيلة الهواري في التجمع كان معمول عشان يبقا قلعة مقفولة. بالنسبة لحمزة، كان فعلاً كده: أبواب حديد، حراسة ملغمة، ورجالة بسلاح صاحيين 24 ساعة عشان يحموا كبير العيلة.
أما بالنسبة لشروق، فكان مجرد مقبرة متزوقة ومقفولة عليها.
الساعة كانت 2 بعد نص الليل والمطرة بتاكل الأسفلت بره.
ساعة الحيط القديمة في الصالة كانت بتكتك بصوت بيكسّر السكوت، دقات بطيئة وتزهّق، ماشية مع دقات قلب شروق المكسور.
كانت قاعدة على حرف الكنبة الجلد، لافة روب حرير حوالين جسمها النحيف اللي بيترعش.
كوباية الشاي بالمرمية اللي في إيدها كانت بردت من أكتر من ساعة.
ولما الباب الأركت التقيل اتفتح أخيراً، ريحة المطرة دخلت الأول.
وبعدها ريحة سجاير كليوباترا محروقة وخمرة رخيصة.
وبعدين ريحة زفرة… ريحة دم.
دخل حمزة.
راجل يرهب، وشوشته حادة وتعبانة من السهر، عينيه أسود من الليل، وبدلته السودة الغالية متغرقة دم ملزق على ناحية صدره الشمال.
ماكانش باين عليه خالص إنه زوج راجع لبيته ولمراته.
كان شبه ذئب طالع بالعافية من خناقة مطاوي ورصاص في الملاحة.
شروق وقفت في ساعتها.
خوفها عليه وشغفها إنها تطمنه غلبوا كل التعب اللي في جسمها.
“حمزة!”
قربت منه بسرعة ومدت إيدها ناحية الياقة اللي مليانة دم.
“انت متصوب؟! استنى أكلم الدكتور إبراهيم يجيب شنطته ويجي فوراً!”
“إيدك عني!”
الصوت طلع منه زي ضربة الخرطوش في الصالة.
شروق اتخضت ورجعت ورا خطوة ورجلها خبطت في الترابيزة.
إيدها نزلت جنبها وهي مش مصدقة.
بقالها 3 سنين عايشة معاها وبتمثل الدور المطلوب منها بالظبط.
مرت كبير هوارة المطيعة.
اللي مابتسألش جوزها غبت فين ولا جيت منين لما يختفي بالأيام.
اللي بتغسل الدم من أياقة قمصانه وهي ساكتة.
اللي بتضحك وتجامل في العزومات والمناسبات وهي قاعدة وسط رجالة بيبصوا لبعض وبيخلصوا تار بكلمة وهم بياكلوا الفتة.
كانت مستحملة القرف ده كله عشان كانت فاكرة إن تحت القسوة والوش الميت بتاع حمزة ده، فيه حتة حنية صغيرة أوي ملكها هي بس.
حكايات شروق خالد
قالت بصوت واطي ومكسور: “أنا كنت هموت من القلق…”
صوتها كان بالعافية مسموع من صوت الرعد بره.
“ما اتصلتش ليه؟ ومحمود دراعك اليمين تليفونه مقفول! قلت أكيد القعدة مع عرب المطاعنة قفلت بدم!”
حمزة مشي ناحية البار المترس، وسكب كاس وسكِي وتقيل، وبلعه بكرعة واحدة.
الشراب ماعملش أي حاجة ولا هدى النار اللي جواه.
الزنق عليه كان جاب آخره.
حكومة المباحث الضباط نازلين تفتيش في المعارض والشركات الصورية بتاعته.
والرجالة الكبار بتوعه بدأوا يقلبوا وشهم ويتكلموا من ورا ظهره.
وعيلة الحصايرة كانت طالبة بدم ولادها.
حمزة بص لشروق.
غلبانة أوي.
طيبة أوي.
وماشية وراه وهي مغمضة.
في اللحظة دي، هو ماشافش فيها السكن ولا الأمان.
شافها حمل تقيل… عبء ورجوع لورا.
ضعف.
“أنا مش مستني منك تقلقي يا شروق! أنا عايزك تحطي لسانك جوة بقك وتبعدي عن وشي!”
حط الكاس على الترابيزة بصوت رزعة علّت في المكان.
“أنا طالع ميتيني وبحارب عشان المصلحة وعشان رقبتي، وأرجع البيت ألاقيكي واقفة لي هنا!”
شاور عليها بقرف.
“قاعدة زي العفريتة تزنّي وتعيطي عشان ما اتصلتش!”
“أنا مراتك!”
صوتها اترعش في الأول، بس جمّعت نفسها وقالتها.
“يعني من حقي أقلق! من حقي أحبك وأخاف عليك!”
حمزة لف لها بكامل جسمه.
العينين اللي بيكلمها بيها دي هي نفس العينين اللي بيبص بيها للحيط وهو بيدي أمر بتصفية واحد.
الدم والغل والخوف والشك اللي شربهم طول الليل في الشارع دخلوا معاه من باب الشقة.
كان عايز يطفش شروق… كان عايز يبعدها.
كان عايز يبقى لوحده.
عايز يقطع الخيط الوحيد اللي فاضل بيفكره إنه بني آدم.
عشان في كَرَر حمزة وشغله، اللي يحس أو يحن… يموت.
حكايات شروق خالد
قرب منها لحد ما بقى طوله وعرضه مغطيين عليها ورامي ضله فوقيها.
“حب؟”
ضحك ضحكة ميتة فيها تريقة.
“انتي فاكرة نفسك في تمثيلية ولا فيلم يا شروق؟”
فضلت تبص له ودموعها محبوسة.
“فاكرة الخاتم الدهب اللي في صباعك ده ليه قيمة؟ ده مجرد سبوبة وتخليص حق بين أباكي اللي كان هيقفل دكانه وبين شغلي وإمبراطوريتي!”
قلب شروق حس بيه بيتقطع حتت جوة صدرها.
“حمزة… بلاش الكلام ده، ما تقولش كده…”
“دي الحقيقة اللي خايفة تسمعيها!”
قرب من أذنها وبس بصوت واطي وزي السم:
“أنا اتجوزتك عشان النفوذ والأرض في الصعيد. وصابر عليكِ قدام الناس عشان المنظر والوجاهة مش أكتر.”
صوته بقى أبرد من التلج.
“إنما حب؟”
وش شروق بقى أبيض زي الملاية، الدم هرب منه.
“انتي خايبة وغبية لو افتكرتي في يوم إن واحد زيي ممكن يحب واحدة زيك.”
بص في عينها المليانة دموع وماترمشش.
“أنا عُمري ما حبيتِك يا شروق.”
وقبل ما تفوق من الصدمة، كمل وهو بيبص لها بقرف:
“ودلوقتي بالذات… أنا مش طايق حتى أشوف وشك قدامي.”….
حكايات شروق خالد
سابت الكلمات تقع على قلبها زي دبش بيكسر كل حاجة حلوة جواه.
شروق ما نطقتش كلمة واحدة بعد كلمته الأخيرة.
الدموع اللي كانت محبوسة في عينها جفت، والوجع اللي كان مهزوم جوة روحها تحول لسكون مرعوب.
بصت له نظرة أخيرة… نظرة حد بيودع ميت، وهزت رأسها ببطء شديد، ورجعت خطوتين لورا وهي ساحبة نفسها من قدامه في هدوء قاتل.
حمزة سابها ومشيت.
دخل مكتبه، رزّع الباب وراه بكل قوته، ودبّ أيده على المكتب الرخام وهو بينهج من الغل والتعب.
كب كاس تاني وبلعه، وهو بيحاول يقنع نفسه إنه صح.
“كده أسناد لي ولها… الحريم في شغلنا ملهاش لازمة، العاطفة بتموت.”
قعد على كرسيه الجلد الكبير، ودماغ تحسب ضربات الشغل، وتفتيش المباحث، وعيلة الحصايرة اللي متربصة له في كل ناصية.




