روايات وقصص

أربعة من #حكايات_شروق_خالد

وأربع عيال عندهم ست سنين بشكلي وملامحي، طالعين يجروا عليها ويندهوا: “يا ماما!”
حكايات شروق خالد
خرجت من الحمام وأنا حاسس إن رجليا مش شايلاني، كأني ماشي في حلم أو كابوس مش قادر أفوق منه.
أول ما طلعت من الباب، شفتها.
كانت واقفة مدية ضهرها للممر، موطية بتظبط الجاكيت لواحد من العيال، والشال الأبيض الملفوف على رأسها كان نازل على كتفها بنفس البساطة اللي كنت بعشقها زمان.
“يا حبايبي براحة، بلاش جري في المكان عشان الناس…”
صوتها رن في ودني، ونفس النبرة الهادية الدافية اللي حرمت نفسي منها من ست سنين ضربت في قلبي زي الخنجر.
حكايات شروق خالد
العيال اتلموا حواليها وكل واحد بيحكي لها حاجة في نفس الوقت، الأربعة بنسخ وشي، بنفس شقاوة وتكشيرة حمزة الهواري لما كان عيل.
أنا وقفت على بعد خطوتين، إيدي جوة جيبي ضاغطة على علبة الخاتم الألماظ لحد ما إيدي وجعتني.
فريدة، العيلة، الشغل، الميعاد اللي فاضل عليه نص ساعة… كل ده اتمسح من دماغي في ثانية.
شروق وقفت، ولفت وشها عشان تاخد العيال وتمشي… وفي اللحظة دي، عينها جات في عيني.
الزمان وقف.
حكايات شروق خالد
الضحكة اللي كانت على وشها اختفت في ثانية، والألوان هربت من وشها وبقت بيضا زي الملاية.
صينية المايه اللي كانت في إيد الجرسون جنبنا كادت تقع من الخضة والتوتر اللي اتخلق في المكان.
شروق بصت لي بنظرة مشحونة بكل حاجة… بوجع، بخوف، بصدمة، وبعتاب هزني من جوه.
مسكت إيدين العيال برعشة وضمتهم ليها أكتر، كأنها خايفة أسرقهم أو أخدهم منها.
أنا قربت خطوة، وصوتي طلع مبشوح ومكسور: “شروق…”
حكايات شروق خالد
شروق اتراجعت خطوة لورا، وعينيها المليانة دموع حبستهم بالعافية، وقالت بصوت واطي ومزلزل:
“بلاش يا حمزة… بلاش تقرب، ولا تنطق اسمي.”
واحد من العيال بص لي ببراءة، ومسك في ديول فستانها وقال: “ماما… مين عمو ده؟ وليه بيبص لنا كده؟”
الجملة دي قطعت قلبي حتت. “مين عمو ده؟!”… أربع عيال من صلبي، شايلين ملامحي ودمي، مش عارفين أنا مين!
حمزة الهواري اللي هز البلد ورجالتها، واقف قدام مراته وأولاده ومش قادر ينطق كلمة واحدة.
حكايات شروق خالد
شروق بصت لي بعينين ثابتة بس مليانة كسرة، وقالت بلهجة مفيهاش أي مجال للنقاش:
“أستأذنك يا حمزة بيه… سيبنا نمشي في حالنا. انت عندك حياتك وعيلتك وشغلك، إحنا مالناش مكان في دنياك.”
لفت وشها وشَدت العيال في إيدها ومشيت باتجاه باب الخروج بسرعة.
أنا فضلت واقف مكان في نص المطعم، بمتفرج عليهم وهم يبعدوا، وحاسس إن روحي بتتسحب مني خطوة بخطوة.
طلعت علبة الخاتم الألماظ من جيبي، وبصيت لها بقرف… ورميتها في أقرب باسكت زبالة جنب الباب.
حكايات شروق خالد
موبايلي رن في جيبي، كان اسم فريدة بينور على الشاشة.
كنسلت عليها، وطلعت ألمح شروق والعيال وهم بيركبوا تاكسي على أول الشارع.
ندهت بصوت زي الرعد على السواق بتاعي اللي كان لسة واصل:
“اتحرك يا محمود!! امشي ورا التاكسي ده خطوة بخطوة… وإياك تضيّعهم من عينك!”
ركبت العربية وأنا بحلف بأغلظ الأيمان إن المرة دي مش هسيبها تضيع، وإن لو كان الثمن إني أهد إمبراطوريتي وأقف قدام الدنيا كلها عشان أرجع شروق وأولادي… هعملها ومش هيهمني حد.
حكايات شروق خالد
العربية الجيب كانت ماشية ورا التاكسي زي الخيال، ومحمود السواق عينه على الشارع مش بيفرّط في صانتي واحد.
أنا كنت قاعد في الكرسي اللي ورا، دماغي بتغلي وناري مش راضية تهدي.
ببص في المراية ألاقي وشم القديم ووش حمزة الهواري اللي كل الناس بتخاف منه… بس المرة دي، الوش ده كان مرعوب، مرعوب إن التاكسي ده يختفي وسط الزحمة ورجلي ما تطولش أثرهم تاني.
التاكسي دخل في حواري المطرية القديمة، الشوارع الضيقة اللي السيارات بالعافية بتعدي منها، لحد ما وقف قدام بيت قديم ثلاث دور بنيّة ومكسرة.
حكايات شروق خالد
شفت شروق بتنزل، ماسكة إيدين العيال الأربعة، بتهديهم وبتفتح الباب الخشب التقيل وتدخلهم جوة.
أول ما الباب اتفلق، نزلت من العربية زي المجنون، مش شايف قدامي.
محمود جري ورايا: “يا باشا استهدى بالله، بلاش دخول كده الناس تتلم!”
زقيت محمود بعيد عني وطلعت السلم خطوتين في الثابتة.
وصلت الدور الثاني، وقفت قدام الباب الخشب الشبه متهالك.
سمعت صوت العيال جوة بيلعبوا وصوت شروق وهي بتقولهم: “يلا عشان نغير ونغسل إيدينا ونأكل.”
حكايات شروق خالد
دبيت بيدي على الباب… خبطات قوية هزت الحيطة.
السكوت حل جوة فجأة.
سمعت خطوات شروق وهي بتقرب ببطء، صلت ورا الباب وقالت بصوت بيترعش: “مين؟”
“افتحي يا شروق… افتحي قبل ما أهد الباب ده على اللي فيه!”
الباب اتفتح بشويش، وشروق كانت واقفة وراه، حاطة إيدها على قلبها، وعيونها كانت مليانة غضب ووجع.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى