
الوقت عدى زي السلاح البطيء.
الساعة جابت 5 الصبح.
صوت المطرة بره بدأ يهدى، والنور الفجر بدأ يشق الضلمة خفيف من بين الستائر.
حمزة حس بغشاوة على عينه، الوجع في صدره مكان الخبطة بدأ يشد، والشراب المضروب مع المجهود هدو حيله.
قام بالعافية، يجر رجليه، وقال في باله يدخل الأوضة يغير هدومه الزفرة دي ويطلب منها تعمل له قهوة.
فتح باب الأوضة.
كانت الضلمة والهدوء هما اللي مستنيينه.
السرير متوضب، الملاية مفرودة ومافيهاش كسرة واحدة.
مافيش حد.
حمزة اتضايق وشتم تحت ضرسه: “راحت فين دي كمان؟”
دخل الحمام… فاضي.
مشي ناحية الدولاب يفتح قميص نضيف، وهناك واقف قلبه لحظة.
حكايات شروق خالد
نص الدولاب الخاص بكسوتها كان فاضي تماماً.
الشنطة الكبيرة اللي كانت حاطاها فوق الدولاب مش موجودة.
فساتينها، جزمها، حاجتها البسيطة اللي جابتها معاها من بيت أبوها يوم ما دخلت القصر… اختفت.
وعلى التسريحة… في النص بالظبط…
كان محطوط خاتم الجواز الدهب اللي عممره ما فارق صباعها.
وجنبه المفاتيح بتاعة الخزنة والبيت، وكارت الفيزا اللي كان مديهولها وعمره ما اتصرف منه جنيه واحد.
ومع معاهم ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيدها الثابت:
“سلمتك للدنيا يا حمزة… طالما مش طايق تشوف وشي، أوعدك مش هتشوفه تاني طول ما فيا نفس.”
حمزة مسك الورقة وإيده بدأت ترعش لأول مرة في حياته.
طلع يجري في الصالة زي المجنون، ينده بصوت شق السكوت:
“شروق! شروق!”
مافيش رد غير صدى صوته.
حكايات شروق خالد
جري على الباب البراني، فتح الأبواب الحديد ونزل للسور.
الحراس كانوا واقفين بره بيتنفضوا من البرد.
حمزة مسك واحد من رقبة قميصه وصرخ في وشه:
“الهانم خرجت إمتى؟! حد شافها؟!”
الحارس اترعب من منظر الدم اللي على صدر حمزة ومن هيئته المجنونة:
“يا باشا… خرجت من حوالي ساعة زمن… كانت شايلة شنطة صغيرة في إيدها، وقلت لها أطلب لكِ السواق يا هانم، قالت لي لا، أنا هركب من على الطريق… وافتكرنا حضرتك عارف ومأذن لها!”
“يا أولاد الـ…!”
حمزة زقه بكل قوته وقع على الأرض، وجري على العربية الجيب بتعته، دور الموتور وطلع بيها بأقصى سرعة وهو بيمسح الشوارع بعينيه.
حكايات شروق خالد
المطرة كانت بلت الأسفلت وعملت برك ماية، والشارع فاضي زي المدافن.
يلف في شوارع التجمع، يروح المحطة، يسأل في مواقف الميكروباصات، يطلب نمرة أبوها على التليفون وهو إيده بترعش…
أبوها رد بصوت نايم: “خير يا حمزة يا بني؟ في حاجة في وش الفجر كده؟”
عرف إنها ما راحتش هناك.
سكت وقال له: “مافيش يا عمي… كنت بطمن عليك، معلش صحيتك.”
وقفل السكة.
الدم جمد في عروقه.
لأول مرة من سنين طويلة، يحس حمزة الهواري بالخوف الحقيقي.
مش الخوف من رصاصة، ولا من المباحث، ولا من حبل المشنقة…
الخوف من الضلمة والفضى اللي سابته شروق وراها.
قعد في العربية على جنب الطريق، وسند رأسه على الدركسيون، وصوت كسر قلبه ليها وهو بيقولها: “عُمري ما حبيتِك”… كان بيرن في ودنه زي السوط اللي بيلسع في جلده.
عرف ساعتها بس… إن الإمبراطورية والفولس والرجالة والسلاح… كل ده ما يسواش بصلة من غير الوش اللي كان بيستناه عند الباب.
عرف إنه ندم… بس بعد ما الفأس وقعت في الرأس، والشمس طلعت على بلد شروق مش فيها.
حكايات شروق خالد
عدت شهور على الليلة دي… شهور كأنها سنين.
القصر اللي كان فاكره حمزة قلعة، بقى زي الغبرة والمقبرة. الفلوس كترت، والمباحث تبعد وتيجي، وعيلة الحصايرة انكسرت شوكتهم ورجعوا ورا… كل حاجة كان بيموت نفسه عشانها تمت وحصلت.
بس حمزة كان بيتخنق كل يوم أكتر من اللي قبله.
ما بقاش يطيق يدخل البيت. الشاي اللي كان بيشربه من إيدها، الضحكة الواطية اللي كانت بتهدي ناره، والوش الصافي اللي كان بيستقبله مهما كان راجع من قرف… كل ده اختفى.
حكايات شروق خالد
رجالة حمزة كانوا مقلوبين في كل شبر في مصر.
الصعيد، بحري، القاهرة، الأرياف… ما سابش نجع ولا كفر إلا ودور فيه.
كان يصحى من النوم فجأة على صوت خياله وهو بيهمس: “شروق!”… ويتلفت حواليه يلقى الأوضة فاضية والسكوت بياكل في جدرانها.
لحد ما جه يوم، ودخل عليه محمود دراعه اليمين، ووشه متجهم ومتردد.
“لقيتها يا باشا…”
حمزة اتنطر من على كرسيه زي المجنون، مسك محمود من زوره:
“فين؟! اتكلم!! شروق فين؟!”
“في حارة صغيرة في المطرية يا باشا… قاعدة مع ست كبيرة بتساعدها، وشغالة في مشغل خياطة صغير… عايشة بالقرشين اللي بتطلعهم من دراعها، ومحدش يعرف هي مين ولا بنت مين.”
حكايات شروق خالد
حمزة ما استناش لحظة.
دك العربية الجيب وجري بيها زي الصقر اللي نازل على فريسته.
وصل الحارة في المطرية، حارة ضيقة ومكسرة، البيوت فيها قريبة من بعضها والشمس بالعافية بتدخلها.
وقف العربية بعيد، ونزل يجر رجليه والقلب اللي كان فاكره من حديد كان بيلف وبيدق بفرقعة في صدره.
وقف قصاد باب المحل الصغير.
ومن ورا الإزجاج المكسور… شافها.
كانت قاعدة قدام مكنة الخياطة، لافة شال بسيط على راسها، وشها خس وظهر عليه التعب، بس كان فيه هدوء وراحة عمره ما شافها في عينيها وهي قاعدة معاه في القصر.
فتَح الباب، وصوت الجرس الصغير رن.
شروق رفعت عينها… ولما شافته، إيدها وقفت على المكنة.
حكايات شروق خالد




