روايات وقصص

في قفص الهواري حكايات شروق خالد

ما صرختش، وما اتخضتش، ولا حتى قام من مكانها.
بصت له بنظرة فاضية تماماً… نظرة أصعب مية مرة من الكره أو الغضب.
حمزة قرب منها خطوة، صوته كان مخنوق، وعينيه اللي ما بكيتش من صغره كانت مليانة دموع:
“شروق… تعالي معايا يا شروق. البيت فاضي من غيرك… أنا اتعميت، أنا كنت حمار ومفتري… ارجعي معايا وأنا أحط جزمك فوق راسي.”
شروق بصت له ببطء، وقامت وقفت قصاده.
قالت بصوت واطي بس ثابت زي الجبل:
“البيت ده كان فاضي وأنا جواها يا حمزة… انت ما عميتش، انت قلت الحقيقة اللي كانت جوه قلبك. القصر بتاعك كان سجن، والفلوس اللي عندك ما اشترتش لي أمان.”
“أنا اتغيرت يا شروق! أقسم بالله اتغيرت! الشارع والشغل والفلوس ما يسووش جزمة في رجلك… ارجعي وما لكيش دعوة بحاجة!”
ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت:
“اللي بيتكسر في القلب ما بيتصلحش بكلمتين يا ولد الهواري… انت قلت لي بنفسك: ‘عُمري ما حبيتِك ومش طايق أشوف وشك’… وأنا نفذت لك طلبك.”
حكايات شروق خالد
حمزة وقع على ركبه قدامها في نص المحل الصغير، ودموعه نزلت على إيده:
“سامحيني… سامحيني وحياة أغلى حاجة عندك…”
شروق اتراجعت خطوة ورا، وبصت له من فوق لتحت وقالت بثبات:
“مسامحاك يا حمزة… بس المسامحة حاجة، والرجوع حاجة تانية خالص. روح كمل إمبراطوريتك وسيبني أعيش في حالي… أنا هنا بني آدمة، وعندك كنت مجرد خيال مآتة.”
لفت وشها ورجعت تقعد على المكنة وكأن محدش واقف.
حمزة قعد يبص لها وهو حاسس إن السقف انهد على دماغه بجد المره دي.
عرف إن القوة والنفوذ والسلاح يخلوا الكل يخاف منك… بس عمرهم ما يخلوا حد يحبك، وإن الجرح لما ييجي من أقرب الناس، بيبقى مالوش دواء ولا علاج.
خرج من المحل يجر خيبته وندمه، وهو عارف إن شروق ضاعت منه للند.
حكايات شروق خالد
خرج حمزة من الحارة يجر رجليه زي الميت، كل خطوة كانت أتقل من جبل.
ركب عربيته وسبد رأسه على الدركسيون، وحس لأول مرة في حياته إنه اتعرى من كل قوته. الفلوس والنفوذ والحراسة اللي بره الحارة ما عملولوش أي قيمة قدام الرفض الثابت اللي شاف في عينين شروق.
عدت الأيام، وحمزة ما قدرش يرجع القاهرة ولا يبعد عن المطرية.
كان بيركن عربيته في أول الشارع كل يوم بالليل، يراقب المحل الصغير من بعيد.
يشوفها وهي طالعة آخر النهار ماشية مع الست الكبيرة، بسيطة وشايلة شيلتها، بس ماشية مرفوعة الرأس.
حكايات شروق خالد
وفي ليلة من الليالي، والحارة فاضية والمطر نازل خفيف، شاف راجلين غراب واقفين على أول الشارع، بيتكلموا بصوت واطي وعينيهم على البيت اللي ساكنة فيه شروق.
حمزة عينيه حمرت، وعرف في ثانية إن دول رجالة تبع عيلة الحصايرة، جايين يصفوا حساب القديم ويكسروا نفوذه في أكتر حاجة ممكن توجعه.
حمزة ما فكرش ولا ثانية.
نزل من العربية كأنه أسد جريح، وطلع يجري نحوهم قبل ما يدخلوا المدق.
“رايحين فين يا ولد الكلب انت وهو؟!”
الرجالة اتخضوا ورفعوا مطاوي وسلاح، وبدأت خناقة موت في ضلمة الحارة.
حكايات شروق خالد
حمزة ضرب وطحن وعافر بكل الغل والوجع اللي جوة قلبه، ضربوه بسكينة في جنبه والدم ساح منه على الأسفلت، بس ما استسلمش لحد ما طفشهم ووقعهم في الأرض.
صوت الجري والدوشة صحى الشارع، وشروق فتحت شباكها وبصت تحت… اتصدمت لما شافت حمزة واقع على الأرض والدم مغرقه.
نزلت تجري في السرعة على السلم، وجيران الحارة اتجمعوا.
شروق قربت منه وهي بتترعش، رفعت رأسه على ركبتها وقالت بصوت ملهوف:
“حمزة! انت ايه اللي جابك هنا؟! عملت في روحك كده ليه?!”
حكايات شروق خالد
حمزة فتح عينيه بالعافية، ابتسم ابتسامة مكسورة والدم نازل من طرف بقه، وقال بصوت حشرجة:
“كنت جاي أحرسك يا شروق… حتى لو من بعيد… مش هسمح لحد يمس شعرة منك طول ما فيا نفس…”
شروق دموعها نزلت غصب عنها، ومسكت إيده الملطخة بالدم:
“يا مجنون… ليه بتعمل كده بعد كل اللي قلته؟”
حكايات شروق خالد
ضغط على إيدها بضعف وقال:
“علشان طلعت أعمى يا شروق… والنهارده بس عرفت إن العيشة من غيرك مش عيشة… أنا مش عايز إمبراطورية ولا أرض… أنا عايز أتنفس بس… وسامحيني.”
حمزة غمض عينيه وفقد الوعي بين إيديها، وشروق بتصرخ في الناس يطلبوا الإسعاف.
في الليلة دي، بين الحياة والموت، حمزة دفع تمن قسوته من دمه، وشروق عرفت إن الوجع قد ما كان كبير… إلا إن الندم حفر مجراه في قلب حمزة للأبد.
حكايات شروق خالد
صوت سرينة الإسعاف كان بيشق سكون الليل في شوارع المطرية، والأنوار الحمرا بتضرب في حيطان الحارة المكسرة.
شروق كانت قاعدة جنبه في عربية الإسعاف، ماسكة إيده اللي بدأت تبرد، والمسعف بيحاول يوقف الدم اللي نازل من جنبه ومغرق هدومه.
دموعها كانت نازلة بسكوت، مش عارفة تزعل منه ولا تخاف عليه.
شافت في عينيه وهو بيقع على الأرض نظرة واحد بيشتري رضاها بروحه، نظرة حمزة الهواري اللي عمره ما توطى رأسه لحد، لكنه اتوطى وخضع للحب بعد ما فوات الأوان.
حكايات شروق خالد
وصلوا مستشفى القصر العيني، والأطباء جيروا بيه على أوضة العمليات فوراً.
شروق فضلت واقفة بره في الممر الطويل، هدمها مليانة بقع دم، ورجليها مش شايلينها.
ساعة ورا ساعة بتعدي زي السكين، لحد ما الباب اتفتح وخرج الدكتور وهو بيمسح عرقه:
“الحمد لله، ضربة السكينة كانت قريبة من الشريان، بس قدرنا نوقف النزيف ونخيط الجرح. هو محتاج راحة تامة، والظابط بره مستني ياخد أقواله.”
شروق اتنفست الصعداء، وقالت بقلب مكسور: “ينفع أدخل أشوفه؟”
حكايات شروق خالد
دخلت الأوضة بشويش.
حمزة كان نايم على السرير، وشه أبيض زي القطن، والأجهزة متوصلة بجسمه.
أول ما سمع صوت خطواتها، فتح عينيه بالعافية. بص لها بنظرة انكسار ورجاء، وصوته طلع مبشوح:
“شروق… انتي لسة هنا؟ ما مشيتيش؟”
شروق قربت وقعدت على الكرسي اللي جنب السرير، وبصت له بهدوء وقالت:
“ما قدرتش أمشي وأسيبك بين الحياة والموت يا حمزة… أنا مش قاسية زيك.”
حكايات شروق خالد
حمزة حرك إيده ببطء ومسك أطراف صوابعها:
“أنا عارف إني ما أستاهلش… وعارف إن السكينة دي نقطة في بحر الوجع اللي سببتهولك… بس والله يا شروق، أنا ما عرفت يعني ايه حب ولا أمان إلا لما ضعتي مني.”
شروق نزلت رأسها للأرض وقالت بصوت مجروح:
“الحب مش كلام بيتقال وقت العوزة يا حمزة… الحب كان المفروض يكون احترام وأمان وأنا معاك في قصرك، مش لما أهرب وأتبهدل في الشوارع عشان أشتري كرامتي.”
حمزة دموعه نزلت على خده، وقال بحشرجة:
“أنا هسيب كل حاجة… هبيع المعارض والقصر والأرض، وهبعد عن السلاح والعيلات… هاجي أعيش معاكي في أي حارة، أشتغل أي حاجة بكرامتي، بس تديني فرصة واحدة أصلح بيها اللي انكسر.”
حكايات شروق خالد
بصت في عينيه المليانة دموع وندم حقيقي، وعرفت إن حمزة بتاع زمان مات في ليلة المطرية، وإن اللي قدامها راجل تاني خالص بيستجدى العفو.
سكتت لحظة طويلة، كأنها بتحسب عمرها اللي فات واللي جاي، وبعدين رفعت رأسها وقالت:
“الفرصة مش بالسهولة دي يا ولد الهواري… الطريق طويل عشان أصدقك تاني، وعشان أرجع آمن لك على نفسي.”
حمزة ابتسم ابتسامة خفيفة وسط وجعه، وال أمل رد فيه روح جديدة:
“أنا مستعد أمشي الطريق ده لآخر عمري… المهم إنك مش هتمشي وتسبيني تاني.”
شروق هزت رأسها بالرفض الخفيف بس بحنية:
“مش همشي دلوقتي… هفضل جنبك لحد ما تقوم على حيلك وتخف… وبعدها، الأيام هي اللي هتحكم إذا كان حمزة الهواري اتغير بجد، ولا الندم كان مجرد لحظة ضعف.”
وقفلت الورقة الأخيرة في قصتهم عند نقطة جديدة… بداية طريق صعب، بس مليان أمل إن القلوب المكسورة ممكن تتلمم تاني لو كان الندم صادق.
في قفص الهواري
حكايات شروق خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى