«وفاهمة إن عيلتك كلها فيها أسرار.»
ثم رفعت السلسلة.
«وفاهمة إن الشخص اللي كان وراء اختفاء أبويا لسه عايش.»
ياسين سكت.
سلمى قالت:
«أنا مش هرجع.»
نادية مسكت إيد بنتها.
«أنا جاية معاكي.»
ياسين اعترض:
«لأ.»
نادية بصت له.
«أنا أكتر واحدة تعرف الشخص ده.»
ياسين سألها:
«إنتِ تعرفيه؟»
نادية هزت رأسها.
«أيوه.»
«مين؟»
نادية بصت في الأرض.
«أنا شفته ليلة اختفاء حسن.»
سلمى قربت منها.
«مين كان هناك؟»
نادية رفعت عينيها.
وقالت:
«مش راجل واحد.»
سكتت.
«كانوا اتنين.»
«واحد كان وراء اختفاء أبوكي…»
سكتت.
ثم قالت:
«والتاني كان واقف بيتفرج.»
سلمى همست:
«مين؟»
نادية قالت:
«محمود الجبالي.»
ياسين اتجمد.
«أبويا؟»
«أيوه.»
كريم قال:
«بس محمود قال إنه كان بيحاول يحمي حسن.»
نادية ردت:
«كان بيحاول.»
«بس اتأخر.»
ياسين قرب منها.
«إنتِ بتقولي إن أبويا كان موجود ليلة حسن؟»
«أيوه.»
«وشاف اللي حصل؟»
نادية دموعها نزلت.
«وشاف اللي كان وراءه.»
«مين؟»
نادية ما ردتش.
فجأة…
وصلتهم رسالة على موبايل سلمى.
فتحتها.
صورة قديمة.
الصورة كانت لثلاثة أشخاص واقفين قدام مخزن.
حسن.
محمود.
ورجل ثالث.
سلمى قربت الصورة من عينيها.
الرجل الثالث كان ظهره للكاميرا.
لكن في إيده…
خاتم النسر.
ياسين قال:
«كبّري الصورة.»
سلمى عملت كده.
وعند رقبة الرجل كانت فيه علامة صغيرة.
ندبة.
ياسين شهق.
«أنا أعرف العلامة دي.»
سلمى بصت له.
«مين؟»
ياسين ما ردش.
كريم قال:
«قول.»
ياسين رفع عينه ببطء.
«فؤاد السيوفي.»
سلمى اتصدمت.
«بس فؤاد كان شغال معاه!»
ياسين قال:
«مش معاه.»
وسكت.
«كان شريك محمود.»
في اللحظة دي…
صوت ضحكة طلع من آخر الممر.
الجميع لف.
وظهر رجل واقف في الظلام.
لابس بدلة غامقة.
وفي إيده شيء.
قال:
«أخيرًا فهمتوا.»
النور وقع على وشه.
كان فؤاد السيوفي.
لكن الغريب…
إنه كان مبتسم.
وقال:
«بس للأسف… فهمتوا متأخر.»
وتحرك ناحية سلمى.
«لأن الحقيقة الأخيرة… هتغيّر حياة واحد فيكم.»
ياسين اتحرك قدامها فورًا، رغم إن التعب لسه واضح عليه.
«جرب.»
فؤاد ضحك.
«إنت لسه فاكر نفسك تقدر تحميها؟»
«طول ما أنا واقف على رجلي… آه.»
سلمى مسكت ذراع ياسين.
«إنت…»
«متخافيش.»
فؤاد قال بسخرية:
«هو طول عمره بيقول الجملة دي.»
ياسين بص له.
«إنت كنت تعرف أبويا؟»
«أعرفه؟»
فؤاد ضحك.
«أنا كنت معاه يوم آخر مرة شوفته فيها.»
سلمى صرخت:
«إنت كنت السبب؟!»
فؤاد سكت.
وبعدين قال:
«لأ.»
سلمى اتفاجئت.
«أمال مين؟»
فؤاد بص لنادية.
«هي تعرف.»
كل العيون اتوجهت لنادية.
نادية كانت واقفة كأنها فقدت القدرة على الكلام.
سلمى قربت منها.
«قولي يا أمي.»
نادية هزت رأسها.
«مش هنا.»
فؤاد قال:
«لأ… هنا.»
ثم رفع هاتفه.
«لأن عندي التسجيل.»
ضغط زر.
وخرج صوت حسن من الهاتف:
«نادية، لو حصل لي حاجة، متقربيش من سلمى. خليها تكرهك لو لازم.»
سلمى شهقت.
«إيه ده؟»
الصوت كمل:
«أنا عارف إنك هتحاولي تحميها، بس وجودك جنبها هيعرّضها للخطر.»
ثم صوت نادية في التسجيل:
«طب أعمل إيه؟»
حسن رد:
«اختفي.»
التسجيل توقف.
سلمى بصت لأمها.
«عشان كده سيبتيني؟»
نادية انفجرت في البكاء.
«أنا ماسبتكيش يا بنتي.»
«أمال عملتي إيه؟»
«كنت بحميكي.»
«من مين؟»
نادية بصت لفؤاد.
«منهم كلهم.»
فؤاد ضحك.
«لسه بتكذبي.»
وفجأة…
كريم اندفع ناحية فؤاد.
حدثت فوضى في المكان، وفؤاد تراجع للخلف.
رجال الشرطة بدأوا يطلقوا أوامر:
«ارمي اللي في إيدك!»
فؤاد استخدم وسيلة دخان صغيرة، والممر كله اتملى بالدخان.
سلمى فقدت الرؤية.
«ياسين!»
«أنا هنا!»
مسك إيدها.
«ماتسيبنيش.»
«مش هسيبك.»
لكن صوت فؤاد جاء من وسط الدخان:
«سلمى!»
وقفت.
«لو عايزة تعرفي الحقيقة…»
صوته قرب.
«تعالي لوحدك.»
ياسين شدها.
«ماتروحيش.»
فؤاد قال:
«ولو ماجيتيش، أمك هتمشي معايا.»
سلمى اتجمدت.
«إيه؟»
صوت حركة حصل خلفها.
نادية اختفت.
«ماما؟!»
ياسين صرخ:
«سلمى، لأ!»
لكنها جريت.
خرجت من الممر ووقفت عند باب المخزن.
قدامها عربية سوداء.
وبابها الخلفي مفتوح.
نادية كانت جوا.
ورجل واقف بجانبها.
سلمى قربت.
«سيب أمي!»
فؤاد ظهر بجانب العربية.
«ارمي السلسلة.»
سلمى بصت للسلسلة في إيدها.
«دي؟»
«أيوه.»
«ليه؟»
«لأنها مش مجرد سلسلة.»
سلمى سكتت.
فؤاد قال:
«جواها مفتاح.»
ياسين ظهر من خلفها وهو بيجري بصعوبة.
«سلمى، متديهالوش.»
فؤاد وجه نظره ناحية نادية.
«آخر فرصة.»
سلمى بصت لأمها.
نادية صرخت:
«ماتديهالوش!»
سلمى بدأت تبكي.
«خدها.»
نزعت السلسلة من رقبتها.
لكن قبل ما تمد إيدها…
سمعت صوت ياسين:
«سلمى، استني!»
فؤاد التفت له.
وفي اللحظة دي…
كريم ظهر من خلف العربية.
كان متعب، لكنه واقف.
ومسك فؤاد من ذراعه.
الشيء اللي في إيده وقع.
ياسين اندفع عليه.
والاتنين وقعوا على الأرض.
سلمى جريت على أمها.
«ماما!»
نادية خرجت من العربية وهي بتبكي.
لكن فجأة…
صوت ضربة قوية.
فؤاد كان دفع ياسين بقوة.
ياسين وقع.
سلمى صرخت:
«ياسين!»
فؤاد مسك السلسلة من الأرض وجري.
كريم حاول يلحقه.
لكن فؤاد ركب العربية وانطلق بسرعة.
كريم وقف مكانه.
«هرب!»
سلمى جريت ناحية ياسين.
«ياسين!»
فتح عينه بالعافية.
«السلسلة…»
«خدها.»
«لا…»
حاول يقوم.
«خليها معاك.»
«ليه؟»
«لأن لو فؤاد فتحها…»
سكت.
سلمى قالت:
«إيه اللي هيحصل؟»
ياسين بص لنادية.
نادية قالت:
«هيعرف مكان أبوكي.»
سلمى اتجمدت.
«أبويا؟»
نادية هزت رأسها.
«حسن مش موجود في المكان اللي إحنا فاكرينه.»
سلمى حسّت قلبها وقف.
«إيه؟»
نادية قالت:
«الشخص اللي دفناه من ست سنين…»
سكتت.
«ماكانش حسن.»
سلمى بصت لها بصدمة.
«يعني أبويا عايش؟»
نادية ما ردتش.
وفي نفس اللحظة، موبايل سلمى رن.
رقم مجهول.
ردت وهي بتترعش.
«ألو؟»
صوت رجل عجوز جاء من الطرف الآخر:
«سلمى؟»
«مين؟»
«أنا أبوكي.»
سلمى وقعت الموبايل من إيدها.
وياسين بص لها.
«مين كان بيتكلم؟»
سلمى ماقدرتش تنطق.
رفعت الموبايل ببطء.
والصوت رجع مرة تانية:
«لو عايزة تشوفيني…»
سكت.
«تعالي لوحدك على محطة مصر.»
ثم قال:
«ومتثقيش في أي حد معاكي.»
المكالمة انتهت.
سلمى بصت لياسين.
ثم لأمها.
ثم لكريم.
وكان السؤال الوحيد اللي بيدور في دماغها:
لو أبوها عايش فعلًا…
مين الشخص اللي مات واتدفن مكانه من ست سنين؟
وقبل ما حد يرد…
وصلت رسالة جديدة على موبايلها.
صورة لرجل واقف على رصيف محطة مصر.
وشه كان بعيد.
لكن سلمى عرفت القميص.
عرفت الساعة.
وعرفت الوقفة.
كانت نفس الحاجات اللي أبوها كان بيلبسها يوم اختفائه.
وتحت الصورة جملة واحدة:
«أنا مستنيكي يا بنتي.»
سلمى رفعت عينيها.
وقالت بصوت مرتجف:
«أنا رايحة.»
ياسين وقف رغم تعبه.
«وأنا جاي معاكي.»
سلمى هزت رأسها.
«لأ.»
«ليه؟»
«عشان الرسالة قالت لوحدي.»
ياسين قرب منها.
«وأنا مش هسمحلك تروحي لوحدك.»
سلمى بصت في عينه.
«يمكن الرسالة دي هي اللي هتكشف الحقيقة.»
ثم همست:
«ويمكن أبويا فعلًا مستنيني.»
وفي اللحظة دي…
من بعيد، صوت قطار بدأ يتحرك.
وسلمى ماكنتش تعرف إن الشخص اللي مستنيها في محطة مصر…
مش حسن عبد الرحيم وحده.
كان معاه سر أخطر من كل الأسرار اللي اكتشفتها.
سر متعلق بياسين نفسه.
#حكايات_شروق_خالد
وصلت سلمى محطة مصر وهي حاسة إن قلبها هيخرج من صدرها.
المكان كان زحمة جدًا.
ناس داخلة وناس خارجة، أصوات القطارات، نداءات المحطات، عربيات الشاي، ووشوش كتير ماشية قدامها…
لكن عينيها كانت بتدور على شخص واحد.
أبوها.
ياسين كان وراها بمسافة، لابس جاكيت أسود، وإيده ضاغطة على مكان تعبه.
سلمى بصت وراها.
«قولتلك ماتجيش.»
ياسين رد بهدوء:
«وأنا قولتلك مش هسيبك.»
«إنت تعبان.»
«وأنتِ داخلة على مقابلة مع شخص مجهول بيقول إنه أبوكي.»
سكت لحظة.
«يعني لو في خطر، أفضل موجود.»
سلمى ما ردتش.
وفجأة…
سمعت صوت من وراها.
«سلمى.»
جسمها كله اتجمد.
الصوت…
كان نفس الصوت اللي سمعته في التليفون.
لفت ببطء.
راجل كبير واقف على بعد كام متر.
لابس جلابية بسيطة، وجاكيت قديم.
وشه عليه علامات السنين.
لكن عينيه…
كانت عيون أبوها.
::




