منوعات

قلب سليم ج1 حكايات شروق خالد

حمزة كان مبصصلها ومتبت فيها كأنه بيمسك في قشاية.

“فحدد أنت بقا بنفسك… عايز تعمل إيه باللي فاضلك؟”

الهدوء نزل على الأوضة قطم النفس.

وفجأة… شفايفه بدأت تتهز.

فاطمة قربت ودنها.

وأنا كمان زقت وريلي على الشاشة وكأني هجري جواها.

ولأول مرة من يوم الحادثة… ابني نطق.

“يا بابا.”

كلمة واحدة.

يا دوب طالعة بالعافية كأنها همسة.

بس طحنت حاجة كانت مكسورة جوايا من زمان.

أنا كنت جايب فاطمة دي عشان فاكر إن ابني محتاج حارس ولا ممرضة تحميه.

وأنا قاعد قدام الشاشة دي، طهقت وفهمت…

حمزة مكنش محتاج حراسة تاني ولا حد يخاف عليه.

كان محتاج حد جاد وشجاع كفاية يفكره إنه لسه حي يرزق.

وفاطمة عملت في لحظة اللي كل فلوسي، ونفوذي، والدكاترة، والحراس ميعرفوش يعملوا قيراط منه…

رجعتلي ابني لحضني تاني.

#حكايات_شروق_خالدعدت ساعتين، وأنا لسه قاعد قدام الشاشة مش قادر أتحرك. الكلمة كانت لسه بتنر في ودني زاي الجرس: “يا بابا”.

مسحت وشي بإيدي اللي كانت بـترتعش، وقمت من على الكرسي. خطواتي كانت تقيلة كأني شايل جبل على كتفي. طلعت السلم خطوة خطوة، وكل ما أقرب من أوضة حمزة، قلبي كان بيخبط في قفصي الصدري زي المكبس.

وقفت قدام الباب المقفول. الباب اللي كنت بشوفه مجرد حاجز أمني، بقى بيني وبينه حيطة سد من الخوف والذنب.

فتحت الباب بالراحة.

الصوت كان هادي جوه. فاطمة كانت قاعدة على كرسي جنب السرير بتبص في كتاب، وحمزة كان ساند راسه على المخدرة وباصص للسقف، بس عينيه مكنتش مطفية زي كل يوم… كان فيها شرارة حياة قديمة كنت فاكر إنها اتدفنت تحت أنقاض العربية المصفحة.

أول ما الباب اتفتح، فاطمة رفعت عينها. مكنش في وشها أي توتر، ولا اندهاش. قفلت الكتاب بهدوء وقامت وقفت.

حمزة لف وشه ناحيتي.

اللحظة دي بالذات، طن فلوس ونفوذ الدنيا ميكفوش تمنها. بصيت في عين ابني، ولأول مرة من أربعتاشر شهر، ملمحتش الميت اللي كنت بشوفه كل يوم… شفت حمزة.

قربت منه بخطوات بطيئة، وركبت على الركبة قدام الكرسي بتاعه. إيدي المربوطة بالسلاح والنفوذ كانت بتتنفض وهي بتمسك إيده الصغيرة.

“حمزة…” صوتي طلع مكسور، خريان دموع.

حمزة بصلي، وشفايفه اتهزت تاني: “أنا… أنا مش زعلان منك يا بابا.”

الكلمة دي نزلت عليا زي قلم فوقني من كابوس. دموعي نزلت من غير ما أحس، وحضنته. حضنته بقوة بس بحرص، كأني خايف يتكسر. وهو، لأول مرة، حط إيديه الصغيرة حوالين رقبتي وشد عليا.

من ورا ضهر حمزة، رفعت عيني وبصيت لـ فاطمة.

كانت واقفة عند الباب، شيلت شنطتها الجلد الدايبة على كتفها، ولابسة البالطو الكحلي.

قلتلها بصوت خافت وأنا لسه ماسك في ابني: “أنتِ رايحة فين؟”

ردت بابتسامة خفيفة، أول مرة أشوفها على وشها: “شغلي هنا خلص يا سليم بيه. أنا جيت أفك الشفرة، مش عشان أقعد أطبطب.”

قمت وقفت، وبصيتلها بجدية: “طلبك إيه؟ عايزة كام؟ فلوس؟ بيت؟ أرض؟ قولي السعر اللي أنتِ عايزاه.”

فاطمة هزت راسها بنفي، وقالت وهي بتبص لحمزة: “أنا مش ببيع أمل بالفلوس. ابنيك كان محتاج أب يفهم إنه لسه عايش، مش حارس سجّان. أنت خلاص فهمت الدرس… الباقي عليك أنت.”

دورت ظهرها وكانت ماشية، بس حمزة نادى ببطء: “فاطمة…”

وقفت عند الباب ولفت بصتله.

“هتيجي بكرة؟”

فاطمة بصتلي، وبعدين بصت لحمزة، وقالت بالنبرة الهادية الناشفة بتاعتها: “الساعة تمانية الصبح هكون هنا… ولو أكلت طبق الفاكهة كله، يمكن أقولك قصة جديدة.”

مشيت وسابت الباب مفتوح.

لأول مرة من سنة وزيادة، القصر ده مكنش شبه السجن. ولأول مرة، حسيت إن الكاميرات اللي مالية البيت ملهاش أي لازمة… لأن الحاجة الوحيدة اللي كانت محتاجة تتصلح، اتصلحت جوه قلبي أنا وابني.

#حكايات_شروق_خالدعدى الليل عليا كأنه ألف سنة، بس المرة دي مكنش كابوس… كان زي واحد بيقوم من الغيبوبة.

سيبت أوضة حمزة بعد ما نام، ونزلت المَكتب. الكاميرات كانت لسه شغالة، الشاشات قدامي بتنور وتطفي، بس لأول مرة حسيت بقرف شديد منها. الشاشات دي اللي كنت فاكرها أماني، طلعت هي السجن اللي حبست نفسي وابني جواه. مسكت الماوس، وبإيد مابتترعش، طفيت كل الكاميرات اللي جوه البيت. سيبت بس اللي على السور بره… لأن العشم في الدنيا لسه ما جاش، بس خلاص، جوه بيتي محتاجين نتنفس.

تاني يوم الصبح، الساعة جابت تمانية إلا خمسة.

كنت قاعد في الصالة تحت، ماسك كوباية القهوة، وعيني على الباب الفولاذي بتاع الفيلا.

تمانية بالتمام والكمال، الباب التاتش اتفتح، ودخلت “فاطمة”.

نفس البالطو الكحلي القديم، نفس الجزمة الدايبة، ونفس الشنطة الجلد اللي على كتفها.

وقفت قدامي، وبصتلي بجمود: “صباح الخير يا سليم بيه.”

قمت وقفت، ونزلت كوباية القهوة: “صباح النور يا فاطمة… حمزة صاحي ومستنيكي فوق.”

هزت راسها ومشيت خطوتين ناحية السلم، وبعدين وقفت ولفتلي: “طفيت الكاميرات؟”

استغربت، بس قلتلها: “عرفتي إزاي؟”

ابتسمت نص ابتسامة وقالت: “نظرة عينيك مختلفة النهارده. اللي متراقب بيبقى خايف، واللي بيمارس المراقبة بيبقى متوتر… أنت النهارده شكلك أب عادي.”

قبل ما أرد، سمعنا صوت خبط منتظم جاي من الدور الثاني.

بصينا إحنا الاتنين فوق.

حمزة كان زاق الكرسي المتحرك بنفسه، وواقف عند أول السلم، ماسك عجلة الكرسي بإيديه الاتنين، ووشه عرقان من المجهود. دي كانت أول مرة من سنة وأربع شهور يحرك الكرسي بنفسه من غير ما يطلب من الشغالة تزقه!

“فاطمة!”… حمزة نادى بصوت عالي وصريح، صوت يرج البيت. “أنا أكلت التفاح والبرتقال كله! فين القصة؟”

فاطمة طلعت السلم خطوة خطوة من غير ما تستعجل، وقفت قدامه وقالتله بصوت ناشف بس فيه حنية متدارية: “شاطر… بس القصة مش ببلاش. عشان تسمعها، هتنزل معايا نفطر في الجاردن تحت، من غير ما حد يزق الكرسي بتاعك.”

حمزة بص للسلم الخشب الطويل، وبعدين بصلي، عينيه كان فيها خيفة بس كان فيها تحدي أكبر.

“أنا هعرف أنزل بالمبنى (الأسانسير) لوحدي!” قالها وهو بيزق العجل بقوة.

فاطمة لفت وبصتلي من فوق السلم وقالت: “يلا يا سليم بيه… الفطار عليك النهارده.”

مشيت وراهم للحديقة بره. الشمش كانت طالعة، والهوا كان نظيف. لأول مرة من يوم الحادثة، حسيت إن البيت ده مش مدافن… حسيت إن فيه حياة بتبدأ من جديد.

وفجأة، وأحنا قاعدين على الترابيزة بره، تليفوني رن.

بصيت في الشاشة… كان “حمدي”، رئيس طاقم الحراسة بتاعي.

مشيت بعيد خطوتين ورديت: “خير يا حمدي؟”

صوت حمدي جه واطي ومتوتر: “سليم بيه… الواد اللي كنا شاكين إنه ورا زرع القنبلة زمان؟ ظبطنا طرف خيط للشبكة بتاعته بره مصر… بس في حاجة غريبة يا بيه.”

قلبي اتنفض: “غريبة إزاي؟”

حمدي بلع ريقه وقال: “التقرير المالي بتاع التحويلات للشبكة دي… فيه اسم حد من جوه الفيلا عندك بيحولهم مبالغ شهرية من سنة!”

#حكايات_شروق_خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى