منوعات

حكايات شروق خالد

رجعت البيت وأنا مهدودة من الشغل. كنت قاضية يوم طويل في مكتبة مدرسة ابتدائي، من النوع اللي بتفضلي واقفة طول اليوم، تردي على أسئلة العيال، ترتبي الكتب، وتسمعي شكاوى المدرسين، وفي آخر اليوم تحسي إن ضهرك اتكسر.

رميت شنطتي على الكرسي، وخلعت الجزمة بالعافية.

كان نفسي أقعد خمس دقايق بس من غير ما حد يطلب مني حاجة.

لكن أول ما دخلت المطبخ، لقيت ابني واقف قدام التلاجة.

ما قالش:
“حمد لله على السلامة يا أمي.”

ما سألنيش:
“يومك كان عامل إيه؟”

لف ناحيتي وقال بكل برود:

“محتاج تلاتميت جنيه.”

بصيت له كام ثانية.

كان عنده تلاتة وعشرين سنة، طويل وعريض، واقف قدامي كأنه صاحب البيت مش ابني.

قلت بهدوء:

“هتعمل بيهم إيه؟”

رفع كتفه.

“مش مهم.”

“لا، مهم.”

اتنهد بضيق.

“يا أمي، متصدعيش دماغي. هاتي الفلوس وخلاص.”

بصيت في عينيه.

“لأ.”

الكلمة خرجت مني بسيطة.

لكن تأثيرها عليه كان زي عود كبريت وقع في بنزين.

اتجمد مكانه.

“إيه؟”

“قلت لأ.”

ضحك ضحكة قصيرة، بس مفيهاش أي فرحة.

“إنتِ بتقوليلي لأ؟”

“أيوه يا كريم.”

“أنا ابنك.”

“وعشان أنت ابني، أنا مش هديك فلوس كل ما تطلبها من غير ما أعرف بتروح فين.”

قرب مني.

“أنا مش بطلب منك كتير.”

بصيت له باستغراب.

“مش كتير؟ ده الأسبوع اللي فات أخدت ألف جنيه.”

“صرفتها.”

“في إيه؟”

سكت.

وبعدين قال:

“إنتِ مالك؟”

حسيت بحاجة بتضغط على صدري.

الجملة دي سمعتها منه كتير.

كل ما أسأله عن فلوس.

كل ما أسأله عن شغل.

كل ما أعرف إنه رجع الفجر.

كل ما ألاقي حاجة ناقصة من البيت.

“أنا أمك.”

رد بسرعة:

“وأنا مش طفل.”

“عشان كده المفروض تتحمل مسؤولية نفسك.”

اتغير وشه.

“يعني مش هتديلي؟”

“لأ.”

في اللحظة دي، حسيت إني قدام شخص غريب.

مش ابني اللي كنت بشيله وهو صغير.

مش الولد اللي كان يجري عليا لما يرجع من المدرسة.

مش كريم اللي كان ينام وهو ماسك صباعي.

ده كان شاب غضبان، عينه مليانة تحدي، وكأنه مستني مني أتراجع.

لكني المرة دي ما تراجعتش.

قال بصوت أوطى:

“خلي بالك من كلامك.”

“أنا مش خايفة منك.”

كنت كدابة.

كنت خايفة.

بس لأول مرة، خوفي ما خلانيش أتنازل.

مد إيده ناحية الرخامة، وخبط الكوباية جامد لدرجة إنها وقعت واتكسرت.

اتنفضت.

قرب أكتر.

“آخر مرة تقوليلي لأ.”

قلت:

“كريم…”

رفع إيده.

ولثانية واحدة، الدنيا كلها وقفت.

ما لحقتش أتحرك.

نزلت إيده على وشي.

مش بقوة خلتني أقع.

لكن كانت كفاية.

كفاية عشان أفهم إن ابني عدى الخط اللي عمري ما تخيلت إنه هيعديه.

فضلت واقفة مكاني.

إيدي على خدي.

هو نفسه اتجمد.

يمكن كان مستني إني أصرخ.

يمكن كان مستني أعيط.

يمكن كان مستني أشتمه أو أضربه.

لكن أنا ما عملتش أي حاجة.

بصيت له بس.

طولت في النظر لحد ما عينه هربت من عيني.

قال:

“أنا… ما كنتش أقصد.”

صوتي كان هادي بشكل غريب.

“بس إنت عملتها.”

“كنت متعصب.”

“بس إنت عملتها.”

“يا أمي…”

“اطلع أوضتك.”

بصلي باستغراب.

“إيه؟”

“اطلع أوضتك.”

ضحك باستهزاء.

“إنتِ فاكرة نفسك بتأمري مين؟”

قلت:

“مش بأمرك. بطلب منك تبعد عني.”

فضل واقف ثواني.

وبعدين لف وطلع السلم.

سمعت باب أوضته بيتقفل.

فضلت في المطبخ لوحدي.

بصيت للكوباية المكسورة على الأرض.

وبعدين بصيت لإيدي.

الغريب إني ما عيطتش.

ولا حتى دمعة واحدة.

مش عشان الضربة ما وجعتنيش.

وجعتني.

بس الوجع الحقيقي كان في مكان تاني.

جوا قلبي.

لأني فهمت أخيرًا إن كل السنين اللي فاتت ما كانتش بتساعد ابني.

أنا كنت بعلمه إن كل ما يصرخ، أخضع.

كل ما يهدد، أتنازل.

كل ما يكسر، أدفع.

كل ما يغلط، ألاقي له عذر.

كنت فاكرة إني بحميه.

لكن الحقيقة إني كنت بحميه من نتيجة أفعاله.

وأنا اللي كنت بدفع الثمن.

قعدت على الكرسي.

فتحت درج المطبخ.

لقيت الفواتير متكومة فوق بعض.

الكهربا.

المياه.

القسط.

مصاريف المدرسة اللي كنت بدفعها من مرتبي.

وبينهم ورقة صغيرة كنت كاتبة عليها مصاريف كريم للشهر.

بنزين.

أكل.

فلوس.

مصاريف موبايل.

حاجات كتير.

حاجات أنا اللي بدفعها.

غمضت عيني.

وفجأة افتكرت كريم وهو عنده سبع سنين.

كان واقف قدامي في جنينة البيت، ماسك شوية ورد صغير مكسور من الجنب.

قال لي وقتها:

“دي ليكي يا ماما.”

ضحكت وضمته.

“إيه ده؟”

قال بكل فخر:

“أحلى ورد في الدنيا.”

ساعتها وعدت نفسي إني هعمل أي حاجة عشان الولد ده يفضل مبسوط.

ما كنتش أعرف إن في يوم من الأيام، نفس الولد ده هيقف قدامي ويرفع إيده عليا.

فضلت قاعدة لحد بعد نص الليل.

ولأول مرة ما طلعتش أعتذر له.

ما دخلتش أوضته.

ما سألتوش محتاج حاجة.

ما حطتش له أكل.

ما حاولتش أصالحه.

طلعت أوضتي.

قفلت الباب.

ونمت.

أو على الأقل حاولت أنام.

قبل الفجر بشوية، صحيت.

وقعدت على طرف السرير.

ما كانش عندي خطة للانتقام.

ولا كنت عايزة أذيه.

كنت عايزة حاجة واحدة بس.

أوقف اللي بيحصل.

نهائي.

قمت وغسلت وشي.

وبدل ما أبدأ يومي كالعادة، فتحت الدولاب.

طلعت مفرش السفرة الأبيض اللي كنت محتفظة بيه للمناسبات.

نفضته.

وفرشته.

طلعت أطباقي القديمة.

الكوبايات اللي ما بستخدمهاش غير في العيد.

دخلت المطبخ.

عملت بيض.

جبنة.

عيش.

بطاطس.

حطيت إبريق شاي.

وعملت قهوة.

وبعدين طلعت الموبايل.

اتصلت بأول شخص.

“ألو؟”

جالي صوت راجل كبير.

“أيوه يا هدى.”

قلت:

“عمو جابر، أنا محتاجة منك خدمة.”

سكت شوية.

“خير؟”

“عايزاك تيجي عندي الصبح.”

“في حاجة حصلت؟”

بصيت ناحية باب المطبخ.

وقلت:

“أيوه.”

“حاضر.”

قفلت.

واتصلت بشخص تاني.

وبعدين تالت.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى