
جوزي ضربني بالقلم قدام ييجي ميتين واحد عشان واحدة تانية اتهمتني إني أهنتها، ووقف يحميها ودمي سال في بؤي. بس عمر لم يكن عنده أي فكرة إن شنطتي فيها دليل يهدم الشركة والإمبراطورية اللي فارقة معاه أكتر من جوازنا.
إضاءة النجف زغللت في عيني وأنا يبص عليه.
عمر، جوزي بقاله خمس سنين، كانت إيده لسه محطوطة على كتف ميادة بيحميها.
قاللي ببرود: «نورا، أنتِ كسفتيها قدام الناس كلها».
دُقت طعم الدم وكدت أضحك.
إيدي كانت بدأت تزرقّ من المكان اللي ميادة مسكتني منه قبلها بلحظات. كانت زنقتني جنب ترابيزة العصير، ومالت عليا لحد ما شميت ريحة برفيومها، وهمستلي: «كان الأوفرلك تقعدي في بيتك».
ولما جيت ألف وأمشي، راحت ماسكة إيدي بجامد.
وبعدين دلقت شربات أحمر بكل تمثيل على قميصها الأبيض الحرير.
وصوّتت وهي بتتسحب لورا: «يا لهوي!»، في نفس اللحظة اللي عمر لَف فيها ناحيتنا.
هو شاف ثلاث ثواني بس.
ثلاث ثواني كانوا كفاية أوي بالنسبة له إنه يعدي القاعة كلها ويديني بالقلم قبل ما يسأل حتى إيه اللي حصل.
سألته بالراحة: «انت فاكر النهاردة كام؟».
وشه اتغير تماماً.
والسكوت ده كان فيه كل الرد.
عيد جوازنا الخامس.
من خمس سنين، عمر وعدني إني هكون بني أدمة الوحيدة اللي مش هيحتاج يمثل قدامها. والنهاردة، قاعة أفراح كاملة في القاهرة شافته وهو بيختار واحدة تانية عليا.
شلت الحلق الألماظ اللي القلم طيره وجرح ودني، وحطيت الفص الملطخ بالدم في إيده.
همستله: «انت اخترت ردك.. عيش بيه بقى».
«نورا، استني عندك».
مشيت وسيبته.
ناس كتير كانت رفعت موبايلاتها بتصور، والضيوف بقوا يهربوا بعيونهم مني، بينما ميادة ورايا عمالة تعيط بتوقيت مظبوط بالظبط وطالعة في دور الضحية الغلبانة.
بس ميادة مكنتش خايفة مني عشان شوية العصير اللي اتدلقوا.
هي كانت خايفة من فستان الفرح المعروض تحت الإضاءة وراها.
فستان فرحي أنا.
من أربع سنين، أنا اللي رسمت الظهر الضيق ده، والكتف الملفوف، والتفصيلة العاجي دي وأنا بحلم أرجع لشغلي في تصميم الأزياء. شخص واحد بس هو اللي شاف الرسمة دي.
عمر.
ساعتها قاللي وهو بيبوس دماغي: «ده تحفة يا نورا».
ودلوقتي التصميم بتاعي بقى ملك لـ “مجموعة الشركات” واسم حد تاني مكتوب تحته.
وفجأة، كل الحجج والأعطال اللي عمر كان بيبقاهالي بقى ليها معنى:
«مالك محتاج استقرار».
«يمكن السنة الجاية».
«قريب يا نورا».
وكلمة “قريب” دي مكنتش جاية أبداً.
عند باب القاعة، وقفت.
عمر كان مبصلي بذهول. وميادة ماسكة في دراعه، بس الضحكة الشامتة اللي على وشها اختفت أول ما شافت إيدي بتتمد جوة شنطتي.
أصابعي مسكت الفلاشة.
أربع سنين تصاميم أصلية.
ملفات بالتاريخ والوقت.
إيميلات.
ودليل واحد عمر ميعرفش إني شيلته معايا.
إثبات يوديهم في داهية.
وش ميادة جاب ألوان واصفرّ.
عشان هي، بطريقة ما، كانت عارفة كويس أوي إيه اللي في إيدي ده.
ولسه عمر بيبدأ يمتد خطواته ناحيتي، كنت أنا سحبت الفلاشة من الشنطة.
#حكايات_شروق_خالدسحبت الفلاشة من الشنطة ورفعتها لفوق وسط القاعة، وأنا باصة في عين عمر بثبات عمري ما حسيته قبل كده.
عمر وقف مكانه، خطوته اتمططت في الهوا وكأنه اتسمر. ميادة صوابعها اتقفلت أكتر على دراعه، وشها بقى شاحب وزي الليمونة المعتصرة، ومبقاش فاضل من تمثيلية الضحية والرقة غير عينين مفزوعة باصة على الحتة الفضة الصغيرة اللي في إيدي.
«نورا.. أنتِ بتعملي إيه؟» عمر قالها بصوت واطي، بس حشرجة الخوف كانت باينة في كل حرف.
ربعت إيدي، وبصوت هادي وصل للناس اللي كانت واقفة تتفرج ومجهزة الموبايلات: «الناس اللي هنا جاية تحضر معرض “كاروسو” السنوي وتتفرج على أحدث صيحات الموضة.. بس محدش قالكم إن الفستان المعروض هناك ده، والفستان اللي بعده، وكل الكولكشن اللي باسم “ميادة” النهاردة، سرقة؟»
همهمة واطية جرت في القاعة زي النار في القش. المصورين بدأوا يلفوا الكاميرات ناحيتي.
ميادة صرخت بانهيار مصنوع: «أنتِ اتجننتي؟! عمر، خليها تسكت! دي غرانة مني عشان الفستان اتدلق عليه الشربات!»
عمر حاول يتقدم خطوة ناحيتي، وعينه رايحة جاية بين الفلاشة وبين الناس: «نورا، تعالى نتكلم برة.. بلاش فضايح قدام الصحافة والعملاء، الموضة مش كده!»
ابتسمت ابتسامة مكسورة وفيها وجع السنين: «فضايح؟ أنت لسه شايف إن الفضايح هي الفلاشة؟ الفضيحة الحقيقية هي كفك اللي علم على وشي قدام الميتين واحد دول عشان ترضي واحدة سرقت مجهودي وأنت بايعني عشانها.»
مسكت الفلاشة وركبتها في أداة توصيل سريعة، ومشيت خطوات ثابتة ناحية شاشة العرض الكبيرة اللي كانت بتعرض شريط دعاية للشركة ووراها صور الفستان. اللاب توب الرئيسي بتاع التحكم كان محطوط على ترابيزة مهندس الصوت قبال الباب.
مهندس الصوت جه يقفل الشاشة، بس أنا بصيتله بصه خلت إيده تتجمد على الكيبورد.
«لو قربت هحملك مسؤولية التستر على التزوير» قلتهاله بهدوء قاتل.
حطيت الفلاشة في جهاز العرض.
في ثواني، الشاشة الكبيرة اللي طولها أربعة متر اتغيرت. الصور الوردي بتاعة ميادة اختفت، وظهرت مكانها الرسمة الأصلية لـ “فستان الزفاف” اللي وراهم.. الاسكتش الأساسي بخط إيدي، مكتوب عليه التاريخ والوقت من أربع سنين، ومرفق معاه إيميل مبعوت من إيميلي الشخصي لإيميل عمر بطلب تسجيل براءة الاختراع والتصميم باسمي.
وبعدها بضغط واحدة، اتعرضت بقية الملفات:
تصاميم 12 فستان هما أصل المعرض النهاردة.
تسجيلات صوتية لميادة وهي بتطلب من حد في الشركة ياخد الملفات من كبيوتر عمر الخاص.
وإيميل من ميادة لشركة منافسة بتعرض عليهم التصاميم قبل المعرض بسنتين!
القاعة اتكهربت. المصورين بقوا يضربوا فلاشات ورا بعضها، والصحفيين طلعوا النوتات والموبايلات وبدأوا يسجلوا لايف.
«إيه ده؟! دي تصاميم نورا!» صوت واحدة من سيدات المجتمع الرائدات في الموضة طلع عالي في القاعة.
عمر بَص للشاشة ووشه جاب ألوان، أخيرًا فهم الحقيقة اللي كان أعمى عنها، أو اللي اختار يتغاضى عنها عشان خايف من ميادة أو مجرور ورا كلامها المعسول. بَص لميادة بذهول ورعب: «أنتِ.. أنتِ عملتي كده؟ التصاميم دي بتاعة نورا؟»
ميادة كانت بترجع لورا، عينيها بتدور على أي مخرج من القاعة: «عمر.. استنى بس.. هي ملعوبة.. هي مبرمجة الحاجات دي!»
«مبرمجة إيه؟! ده تاريخ السيرفر بتاع الشركة!» عمر صرخ فيها، ووشه بقى أحمر من الغضب والندم.
لفت وجيت أمشي، فعمر ساب ميادة وجري ورايا، مسك طرف جاكتي: «نورا.. أرجوكي.. استني.. أنا مكنتش اعرف.. أنا اتعميت.. أرجوكي حلي الموضوع ده بينا، الشركة هتفلس، البورصة بكره هتدمرنا!»
بصيت لإيده اللي مسكاني، وبصيت في عينه.
«أنت مش بس ضيعت الشركة يا عمر.. أنت ضيعت بني أدمة كانت مستعدة تفديك بروحها. القلم اللي ضربتهولي النهاردة كان أخر خط بيني وبينك.. الحساب بيننا من بكره مش هيكون في الصالونات، هيكون في النيابة وفي المحاكم.. قضية طلاق للضرر، وقضية سرقة ملكية فكرية هتقفل شركتك بالضبة والمفتاح.»
نفضت إيده من عليا بقوة، ومشيت في الممر اللي الناس توسعتلي فيه باحترام وصدمة.
وأنا بفتح باب القاعة الكبيرة وبخرج للهوا الساقع بتاع الشارع، سمعت صوت سقوط زجاج برج الكؤوس وهو بيتكسر ورايا، وصوت عمر وهو بيزعق لميادة، بس مفيش أي حاجة من دي كانت تهمني خلاص.
دقت طعم الدم في بؤي تاني، بس المرة دي.. كان معاه طعم الحرية.
#حكايات_شروق_خالدوقفت على رصيف الشارع والهوا الساقع يلطم وشي، أخيرًا عرفت أتنفس.
ورايا كانت القاعة مقلوبة؛ صوت زعيق عمر واصل للشارع وهو بيصرخ في ميادة، وصوت فلاشات الكاميرات اللي نازلة تصوير فيهم وهما بيحاولوا يهربوا من الصحفيين. ميادة اللي كانت عاملة فيها قطة مغمضة وشايفة نفسها، بقت بتجري وتغطي وشها بشنطتها والناس بتبص عليها بقرف.
ركبت عربيتي، حطيت إيدي على الطارة، وإيدي كانت بتترعش.. مش من الخوف، من كتر كمية الكبت والظلم اللي كان مكتوم جوايا سنين وانفجر في لحظة.
مسحت الدم اللي كان على شفتي، وبصيت لنفسي في المراية.. الوش اللي طالع منه دم ده هو نفس الوش اللي هيرجع يوقف تاني ويتحدى الكل.
تاني يوم الصبح، مصر كلها كانت بتتكلم عن “فضايح معرض كاروسو”.
المواقع والإعلام والميديا كاتبين بالبونت العريض: “مصممة خفية تفضح زوجها وصديقته بتهمة سرقة ملكية فكرية في قلب أكبر معرض أزياء في القاهرة”.
أسهم الشركة نزلت الأرض في البورصة في نفس اليوم. العملاء الكبار اللي كانوا مجهزين عقود بمليارات فسخوها فجأة، وأي مصمم احترام نفسه اعتذر عن التعامل مع “كاروسو”.
كنت قاعدة في مكتب المحامي بتاعي، أستاذ فاروق، راجل كبير وشاطر في قضايا الملكية الفكرية والأحوال الشخصية.
حطيت قدامه الملفات والفلاشة كاملة، وقاللي بابتسامة ثقة: «يا مدام نورا، القضية دي مش بس مضمونة.. دي كفيلة تقفل الشركة دي وتلبسهم قضايا تعويض وسرقة ملكية فكرية، غير قضية الطلاق للضرر ومحضر الضرب اللي هنعمله في القسم بالشهود وصور الموبايلات.»
وأنا قاعدة، تليفوني مكنش بيبطل رن.
عمر اتصل ييجي خمسين مرة، وبعت رسائل تجنن:
«نورا يرد عليا أرجوكي.. أنا غلطان.. أنا اتخدعت.. ميادة لعبت بيا وكانت بتمثل عليا.. أرجوكي ارجعي نتفاهم، الشركة بتضيع ويايا!»
رديت عليه بمسج واحدة بس:
«الشركة راحت من اللحظة اللي رفعت فيها إيدك عليا.. استنى إعلان المحكمة.»
وبعد أسبوعين بس من القضايا والتحقيقات، النيابة استدعت ميادة بتهمة التزوير وسرقة مستندات شركة وتصاميم مسجلة، وعمر بقى مطالب بتعويض الملايين لشركات التسويق اللي اتنصب عليها بالتصاميم دي.
في نفس الوقت، جالي اتصال من واحد من أكبر بيوت الأزياء في الشرق الأوسط.
كانوا حاضرين العرض، وشافوا ستايل التصاميم الأصلية اللي نزلت على الشاشة.
«مدام نورا، إحنا محتاجين لمستك وإبداعك معنا، وعايزين نبدأ معاكي خط أزياء كامل باسمك أنتِ.. “نورا”.»
في يوم جلسة الطلاق، عمر كان قاعد في الممر برة القاعة، شكله انكسر والهم راكبه، كبر عشر سنين في أسبوعين. أول ما شافني، قام وشرّد عينه فيا وقال بصوت مكسور: «نورا.. بجد ملهاش رجعة؟ هتهدي اللي بنيناه؟»
بصيتله بثبات وقلتله بالراحة: «أنا مهدتش حاجة يا عمر.. أنت اللي بنيت إمبراطوريتك على سرقتي والافتراء عليا، وكان لازم ييجي اليوم اللي السقف يقع فيه على دماغكم أنت وهي.»
القاضي حكم بالطلاق للضرر، وأخدت كل حقوقي ورجعت تصاميمي وبراءة اختراعي كلها باسمي بالقانون.
بعد سنة واحدة بس..
كنت واقفة في نفس القاعة اللي انضربت فيها بالقلم، بس المرة دي المعرض كان باسمي أنا، والأضواء كلها متسلطة عليا، مش كزوجة خفية مختفية ورا نجاح جوزها، لكن كـ “نورا”.. أكبر مصممة أزياء في المنطقة.
والقلم اللي فاكرين إنه كسرني.. كان هو نقطة البداية اللي فاقتني ورجعتلي حقي.
#حكايات_شروق_خالد
كتمان خلف أضواء العرض
حكايات شروق خالد




