
بعدين قام وقف. وصوته فضل هادي ولطيف:”أنت مش واخد الكلام بجد، صح؟”عين عمر جائت في عينه.”أنا مقلتش إنني واخد ولا مش واخد.””أنت وقفت اجتماع بنص مليار جنيه عشان عيلة صغيرة شاورت عليا!””أنا وقفته لأن أمها جابها رعب مش طبيعي لما البنت عملت كده.”
حاجة خفيفة أوي تحركت ورا ملامح حسين. وبعدين اختفت تماماً.”أنت شكل إرهاق العمل أثر عليك بس.”#حكايات_شروق_خالدعمر قام من على الكرسي وراح ناحية الشباك الكبير الممتد من الأرض للسقف، وبص على شوارع القاهرة والزحمة المبلولة بالنيون تحت المطر.
حسين مشي كام خطوة وراه، ووقف على مسافة قريبة، بصوت واطي ومفهوم: “عمر، أنا معاك من يوم ما كنت بتيجي المكتب مع أبوك الله يرحمه وأنت لسه بتلبس بنطلون قصير. الشغل دا أنا بنيته معاك طوبة طوبة.
أنت متخيل إن واحدة شغالّة وبنتها هيخلوا شكك يروح في الراجل اللي حماك وحمى أرضك وشركتك سنة 2011 وسنة 2013 لما البلد كانت بتغلي؟”عمر التفت له ببطء، ونظراته كانت باردة زي التلج. “مريم شغالّة في شركتي بقالها ثلاث سنين يا حسين.
ست بحالها، ملهاش في ألاعيب البيزنس ولا في الصفقات ولا في الملايين. وجوزها اتوفى من ست شهور في حادثة عربية غامضة على طريق السخنة… افتكرت الحادثة دي دلوقتي ليه؟”وش حسين اتغير، تحسه اتقرص. “حادثة قضاء وقدر يا عمر!
إيه العلاقة بين حادثة سواقة على طريق سريع وبين صفقة بنعملها في القطامية؟”عمر قرب منه وقال بصوت واطي أوي: “العلاقة إن جوزها كان شغال سواق نقل ثقيل في شركة المصانع اللي إحنا بنشتريها دي بالغبط… وقبل ما يموت بأسابيع، مريم قالت للدمنهوري مدير الأمن إن جوزها خايف ورجع البيت مرعوب وبيقول إن فيه ناس كبار بيطلبوا منه ينقل بضاعة غير أوراق الشركة، وإن فيه حد من القاهرة جاله مخصوص وهدده بنفسه لو اتكلم.”حسين بلع ريقه بصعوبة، وخاتمه اللميع عاكس نور الصالة.
“أنت… أنت بتتهمني أنا؟””أنا ماببتهمش حد يا حسين،” عمر قالها وهو بيسحب تليفونه من جيبه، “أنا بس بربط الأحداث. البنت الصغيرة قالت: ‘دا الراجل اللي خوف بابا’. والراجل الوحيد في شركتي اللي كان بيدير ملف الاستحواذ دا بنفسه وبينزل يزور موقع المصانع بنفسه من غير حراسة… هو أنت.”
في اللحظة دي، الباب اتفتح بالراحة ومريم كانت واقفة بره ومعاها الدمنهوري، مدير أمن البرج. عمر بص للدمنهوري وقال: “فرّغ كاميرات المراقبة بتاعة المقر الإداري لمصانع السخنة من أربع شهور… وشوفلي حسين بيه كان هناك يوم 14 فبراير الساعة كام، ومين السواق اللي كان واقف معاه عند البوابة الخلفية.”
حسين أيده اترعشت، وابتسامته الرزينة اللي كانت حمايته لأكثر من عشرين سنة طارت تماماً. اتكلم بصوت فيه تهتُّج: “عمر… أبوك الله يرحمه أوصاك عليا…”عمر قطعه بكلمة واحدة وهادية: “أبويا الله يرحمه علمني إن كلمة الشرف والمصافحة أهم من العقود…
وعلمني كمان إن اللي يخون الأمانة ويخوف الغلبان عشان يداري على سرقته، ملوش مكان وسط الرجالة.”عمر بص لمريم ورقية اللي كانت حاضنة دبدوبها ومستخبية في أمها، وابتسم للبنت ابتسامة دافية وقال: “المشروع مقفول، والتحقيق يبدأ دلوقتي يا دمنهوري… وشكراً يا رقية، كشفتي اللي أجدع شنب في الشركة معرفش يكشفه.”
#حكايات_شروق_خالدحسين وقف مكانه مذهول، وشه اتقلب أصفر وزي ما يكون الدم هرب من عروقه مرة واحدة. حاول يظبط لياقة قميصه بأيد ترتعش وقال بصوت مهزوز: “عمر… أنت بتضيع تاريخ كامل! بتصدق كلام عيلة صغيرة وواحدة شغالّة وبتنسى ٢١ سنة وقوف في ضهرك وضهر أبوك؟”
عمر مبصلوش، بل أشار بصباعه للدمنهوري. الدمنهوري قرب خطوتين ووقف بين حسين وبين الباب، وجنبه اتنين من رجال الأمن بتوع البرج. عمر قال بنبرة قاطعة: “حسين بيه ينزل مع المكاتب القانونية وأمن الشركة، وتتحفظ على كل الأوراق والتليفونات واللابتوب بتاعه فوراً. ومحدش يخرج من المبنى دا لحد ما النيابة توصل.”
حسين بص لحوليه، شاف حلم حياته والصفقة اللي كان هيطلع منها بمليارات وعمولات تهريب عملاقة بتضيع في ثواني. اتغيرت نبرة صوته من التوسل للغل والقسوة، وبص لعمر بحدة وقال: “فاكر نفسك هتعرف تدير الامبراطورية دي لوحدك؟
أنت ولا حاجة من غيري! أبوك مات وسابلك اسم، وأنا اللي عملت الاسم دا دهب! جوز مريم دا كان مجرد سواق غبي، دخل مناخيره في حاجة أكبر منه بكثير… وكان لازم يتسكت!”أول ما الكلمة طلعت من بوق حسين، القاعة كلها سكتت سكتة مرعبة.
اعترف صريح بنفسه وهو مش حاسس من كثر الغيظ والانهيار!مريم حطت إيدها على بوقها وشاهقة بالدموع، ورقية صرخت واستخبت كلياً في حضن أمها. عمر بص لحسين بصه كلها قرف وازدرار، وقال ببرود: “شكراً على الاعتراف المباشر دا.. قدام أمن الشركة وكاميرات الصالة الصوتية.”
الدمنهوري أخد حسين من دراعه وكتّفه بالراحة، وحسين عمال يصرخ ويتكلم بكلام مش مفهوم وهو بيتسحب بره القاعة، والمديرين والتنفيذيين كلهم وافقين على الجانبين مصدومين ومتسمرين في أماكنهم. أول ما الباب المقفول اتدب وراهم، القاعة رجعت هادية تماماً. عمر مشي ببطء ناحية مريم ورقية.
نزل على ركبته قدام البنت الصغيرة، ونحّى الشِعر من على وشها بابتسامة حنونة.”يا رقية…” عمر قالها بوصت دافي جداً، “أبوكي كان راجل جدع وشريف، وماخافش من حد. والحق اللي كان ضايع، أنتي اللي رجعتيه النهاردة.”بص لمريم وقال: “من النهاردة يا مريم، أنتي ورقية في حمايتي وحماية العيلة.
الشقة اللي أنتم قاعدين فيها ملككم رسمياً، ومعاش جوزك الله يرحمه ينزل كامل ومضاعف، ومصاريف تعليم رقية لحد ما تتخرج من الجامعة على حسابي الشخصي.”مريم كانت بتعيط ومش قادرة تتكلم، هزت رأسها بالرفض والخجل: “كتير أوي يا عمر بيه… والله أنا مكنتش أطمع في حاجة، أنا بس…”
عمر وقف وطبطب على كتفها: “دا مش فضل مني، دا حق الراجل الشريف اللي مات عشان رفض يخون. والدنيا دي لسه فيها حق وعدل.”عمر التفت للتنفيذيين اللي واقفين ورا الطاولة، وبص لهم بثقة وثبات ما شافوهوش فيه قبل كده، وقال بصوت هز الأوضة:”الاجتماع اتلغى، وصفقة المصانع اتلغت.
يالا كل واحد على شغله… عندنا شركة بننضفها من أول وجديد!”#حكايات_شروق_خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



