عام

​سر في الدور الثامن ج3 .#حكايات_شروق_خالد

رجعت ضهرها لورا واستندت على الكرسي، وبصتلي بنفس الابتسامة اللي بتشيل التوتر كله:

“طيب طالما القاعدة اتغيرت يا محمد.. تقدر تقولي من بكرة هنبدأ إزاي في قسم التحليلات الجديد؟

بابا قرر يسلمك قيادة القطاع المالي كله في التوسع الجديد للشركة.”

ابتسمت وأنا بهز رأسي:

“بشرط واحد يا مريم.. الشغل هيتسلم بالورق والقلم، ومن غير ما أي حد يقدر يمسك علينا غلطة واحدة تاني.. والملفات المعقدة تفضل بيننا إحنا الاثنين بس.”

ضحكت بصوت هادي وقالت:

“موافقة جداً..

وأهو بالمرة أتعلم منك الهدوء والبرود اللي بيجنن أي حد يدخل معاك في تحدي.”

عدت الليلة في القهوة مش زي كل جمعة؛ المرة دي مكنتش قاعد لوحدي ببص في قعر الفنجان وأستنى الوقت يعدي عشان أرجع لروتين معزول.

مريم كانت قاعدة قصادي، بتتكلم بتلقائية وضحكتها بتسحب كل غموض وصعوبة من السنين اللي فاتت.

الشخص اللي قضى 10 سنين بيحارب عشان يمنع أي حد يقرب منه، اكتشف في الآخر إن حماية حياته مكنتش في العزلة..

لكن كانت في إنه يلقى الشخص الصح اللي يقف معاه وقت الأزمة ويستاهل إنه يفتح له بابه.

بعد مرور ستة أشهر…

كان الدور التامن في شركة “المنصور” بيشهد حركة غير معتادة، بس من نوع مختلف تماماً.

مكتب إدارة القطاع المالي الجديد كان شغال زي الساعة السويسرية، والأرقام اللي كانت زمان مصدر قلق ومشكلات مالية، بقت دلوقتي أرقام أرباح واستثمارات شفافة وناجحة.

في يوم، وأنا قاعد براجع تقرير الميزانية للربع السنوي الأخير، خبط الباب ودخل عبد الحميد المنصور بنفسه.

ما دخلش بالصرامة المعتادة ولا بالنظرة الحادة اللي كانت بترعب الموظفين؛ دخل وهو بيبتسم ابتسامة صافية، ومسك في إيده ملف جلد أسود فخم، وحطه على مكتبي.

“صباح الخير يا محمد.”

وقفت احتراماً:

“صباح النور يا عبد الحميد بيه.. اتفضل.”

قعد على الكرسي وبصلي بتقدير كبير:

“التقرير النهائي للقطاع المالي وصلني الصبح..

المبيعات زادت 40%، وجميع الالتزامات المالية القديمة اتسوت بالكامل من غير أي ثغرة واحدة قانونية.. أنت عملت إنجاز كبير في ست شهور يا ابني.”

“ده بفضل توجيهاتك يا فندم، ومساعدة مريم والفريق كله،” رديت بثبات هادي.

عبد الحميد بيه ابتسم وهز رأسه:

“مريم اتغيرت كتير من ساعة ما بدأت تشتغل معاك..

بقت أقوى، وأكثر ثقة في نفسها، وأنا كأب مرتاح ومطمن عليها وعلى الشركة وهي جنبك.”

سكت لحظة، وبعدين كمل ونبرته بقت دافية وعائلية أكتر:

“عشان كده، أنا مش جاي بصفتي رئيس مجلس الإدارة النهاردة.. أنا جاي بصفتي والد مريم.

عزومة العشا العائلي يوم الجمعة الجاية عندي في البيت مش مجرد عزومة شغل.. هستناك يا محمد، عشان فيه موضوع مهم محتاجين نتكلم فيه يخص المستقبل.”

فهمت المضمون من غير ما يتكلم أكتر.. بصيت له بابتسامة الامتنان اللي طالعة من القلب، وقلت:

“يشرفني جداً يا فندم، وهكون موجود في الميعاد بالظبط.”

مساء الجمعة…

وصلت في الميعاد تماماً. البيت كان هادي ودافي، ومريم كانت مستنياني على الباب بابتسامة مشرقة وفستان بسيط بينسجم مع هدوء الليلة.

القعدة ماكانتش عن الأرقام، ولا عن الصفقات، ولا عن أزمات الماضي. كانت عن المستقبل، وعن الراجل اللي عاش سنين يقنع نفسه إن الوحدة هي الأمان، لحد ما اكتشف إن الأمان الحقيقي هو إنك تلاقي السند اللي يفهمك ويعوضك عن كل سنة عشتها لوحدك.

بعد العشا، خرجنا أنا ومريم ووقفنا في التراس المطل على النيل والجو الشتوي الهادي.

“لسه بتبص للناس وتفكر إنهم ممكن يكسروك يا محمد؟” مريم سألتني وهي بتبصلي بابتسامة دافية.

بصيت للنيل، وبعدين لفيت وشي لها وقلت بثقة وأنا بمسك إيدها:

“لا يا مريم.. العالم ممكن يتعب الراجل لما يكون واقف لوحده، لكن لما تلاقي اللي يكملك، البدايات الصعبة بتبقى مجرد حكاية بنحكيها ونضحك عليها.”

#حكايات_شروق_خالد

بعد مرور سنة كاملة…

كانت أضواء القاعة الكبيرة في أحد فنادق القاهرة تلمع، والموسيقى الهادية تملأ المكان.

عبد الحميد المنصور كان واقف وسط كبار رجال الأعمال والضيوف، وابتسامة الفخر مش مفارقة وشه وهو بيستقبل التبريكات، بعد ما تم الإعلان رسمياً عن توسع الشركة وتصدرها قائمة أفضل المؤسسات المالية في الشرق الأوسط.

في نص القاعة، كنت واقف ببدلتي الرسمية السوداء، ماسك إيد مريم اللي كانت طالعة بشكل أنيق بفستانها الأبيض البسيط.

قرب عبد الحميد بيه مننا، حط إيده على كتفي وإيده التانية على كتاف مريم، وقال بنبرة دافية ومؤثرة قدام الكل:

“من سنة واحدة بس، كنت فاكر إن الأزمة ممكن تهد كل حاجة بنيتها في حياتي… لكن ربنا بعتلي محمد، مش بس عشان يساعد في إنقاذ الشغل والشركة، لكن عشان يثبتلي إن الراجل اللي يستاهل بنتي ويحافظ عليها موجود.”

مريم بصتلي بعيون تلمع بالدموع والابتسامة على وشها، وضغطت على إيدي بقوة.

سحبتها ببطء برة دوشة القاعة وطلعنا وقفنا في التراس المفتوح المطل على النيل، تحت السماء الصافية والنسيم الهادي.

“فاكر أول يوم شفتني فيه يا محمد؟” سألتني مريم وهي بتبتسم بخجل وافتكار للماضي.

ابتسمت وأنا ببص للنيل وقلت:

“فاكر كويس أوي… كنت فاكر إن الليلة دي هتكون أكبر مشكلة دخلت حياتي، ودلوقتي بقيت متأكد إنها كانت أحسن حاجة حصلتلي في عمري كله.”

مسكت إيديها الاثنين وبصيت في عينيها بثبات:

“كنت فاكر إن الشطارة في إنك تعيش لوحدك وما تعتمدش على حد عشان محدش يكسرك..

بس معاكي عرفت إن القوة الحقيقية هي إنك تلاقي اللي يقف جنبك ويخليك أقوى قدام الدنيا كلها.”

مريم ابتسمت بحب وقالت:

“ودلوقتي يا محمد… إيه القاعدة الجديدة؟”

لفيت دراعي حوالين كتافها وقلت بصوت هادي وواثق:

“القاعدة الجديدة… إن الحكاية لسه بتبدأ، طول ما إحنا مع بعض.”

تمت.

سر في الدور الثامن

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى