
نزلت نعمة السلم الرخام، بس المرة دي خطواتها كانت تقيلة ومختلفة. ما كانش ثقل التعب ولا الوجع اللي في ركبها، كان ثقل الذهول.. الحلم اللي تحقق في ثانية وقلب حياتها رأساً على عقب.
أول ما وصلت أوضتها الصغيرة في سكن الخدم، قعدت على طرف السرير الضيق وبصت للشيك اللي في إيدها. الرقم كان فيه أصفار كتير، أصفار كفيلة تمحي كل أيام الفقر والذل، وتدفع ديون المستشفى اللي كانت طاردة نومها كل ليلة، وتخليها تبص لبكرة من غير خوف.
مسحت دموعها وقامت خلعت الجلابية الكستور الرمادي اللي ريحتها كلور، ولبست هدومها العادية.
فوق في الدور الثالث، كانت الفيللا بتتنفض. سيد كان شغال زي الخلية، أقال نص أطقم الحراسة، وغير طقم المطبخ بالكامل، وجاب شركة أمن جديدة تسلمت المداخل والمخارج. الخيانة اللي جت من أقرب الناس للمعلم خليتهم كلهم على أعصابهم، وبقت كل كلمة تطلع من نعمة كأنها أمر مباشر.
بعد ساعتين، سيد نزل بنفسه لحد أوضتها، خبط على الباب بهدوء، ولأول مرة يكلمها بنبرة فيها احترام صريح: «نعمة.. المعلم صاحبك.»
طلعت معاه للصالون الكبير في الدور الأرضي. المعلم ممدوح كان قاعد على الكنبة الجلد، لابس عباية بلدي كحلي، وشه رجع له دمه ورجع له كبرياءه القديم.
أول ما شافها دخلت، شاور لها تقعد على الكرسي اللي قباله. «نعمة..» المعلم بدأ الكلام بصوت جاد ورخيم، «اللي عملتيه ما يعملوش أعتى راجل في السوق. أنتِ مش بس أنقذتي حياتي، أنتِ كشفتي لي غدر كان هيضيع العيلة والسوق كله في داهية.»
نعمة هزت راسها بتواضع: «الحمد لله يا معلم.. ربنا جعلني سبب، والبركة في اللي علمتهولي جدتي الله يرحمها.»
المعلم ممدوح مال بجسمه لقدام وقال بصرامة: «جدتك الله يرحمها ربت ست بـ ألف راجل. الشيك والورق اللي خذتيهم دول حقك وواجب عليا، بس أنا عاوز منك طلب تاني.. طلب شغل.»
نعمة بصت له باهتمام: «أؤمرني يا معلم.»
«أنا أعدائي كتير، ومن النهاردة مش هأمن لقمة ولا شربة مية تدخل جوفي، إلا لما تعدي عليكِ الأول. أنتِ هتبقي المسؤولة عن جناحي الخاص وعن أكلي وشربي، وكلمتك هتبقى فوق الكل هنا.. ومقابل ده، ليكي مرتب شهري يخليكِ تعيشي أنتِ وعيلتك في أعلى مستوى.»
نعمة سكتت لحظة، فكرت في كل اللي عدى عليها، في الأيام اللي كانت بتنام فيها من غير عشا، وفي الأيام اللي كانت بتتهان فيها عشان القرش. بصت للمعلم وقالت بثبات: «أنا موافقة يا معلم.. بس بشرط واحد.»
سيد بصلها بدهشة، والمعلم رفع حواجبه وابتسم: «شرط؟ قولي يا نعمة.»
«الشغل يبقى بأصوله.. محدش من رجالتك يتدخل في شغلي، والكلمة اللي أقولها في المطبخ أو الأكل تتنفذ فوراً من غير مناقشة، عشان أقدر أحميك صح.»
المعلم ممدوح ضرب كف على كف وضحك بصوت طالع من قلبه، ضحكة هزت الصالون لأول مرة من أشهر: «اتفقنا يا نعمة! من النهاردة، أنتِ كلمة السر في بيت الجمال.»
مرت الأيام، وتحولت نعمة من مجرد شغالة مخفية بين الحيطان، لـ اليد الأمينة والحرص الداخلي لمعلم التجمع الخامس. بقت تدير المطبخ والمشروبات بدقة متناهية، بتفحص كل حاجة تدخل الفيللا بعين خبيرة ووعي علمي بلدي أعمق من دكاترة كتير.
واللي كان يمر من جنب الفيللا، كان بيشوف نعمة وهي داخلة وخارجة بعربيتها الجديدة، مرفوعة الراس، بس لسه المحافظة على أصلها ودينها، عارفة إن الجدعنة والوفاء هم اللي وصلوها للمكانة دي.. وإن ذكاء البنت الغلبانة هزم مكر حيتان السوق.
مرت الأيام والأسابيع، وتحولت الفيللا لمملكة صغيرة كل تفصيلة فيها بتمر على إيد نعمة. سيد كان بيمر كل يوم الصبح، يرفع لها خطة حراسة المطبخ وتوريدات الخضار والفاكهة، وما يخرجش أوردر أكل أو شرب للمعلم ممدوح إلا بعد ما نعمة تعديه بنفسها، تشم، وتتأكد، وتدي الإشارة.
في يوم من أيام الشتا التقيلة، كانت النوة ضربت القاهرة والمطر نازل يغرق شوارع التجمع. كان المعلم ممدوح قاعد في المكتب الخاص بالدور الأرضي، بيخلص أوراق صفقة مقاولات كبيرة مع حيتان من السوق. فجأة، دخل عليه سيد وهو ماسك تليفونه وإيديه بترتعش من العصبية.
«المعلم ممدوح.. فيه مصيبة في الميناء.»




