
بس أنا عارف الابتسامة دي كويس.
دي الابتسامة اللي بتعملها لما تكون موجوعة أوي ومش عايزه تقلقني عليها.
قربت مني ووشوشتني:
“حبيبي.. شكلها مش حلو، إيه رأيك أروح أنا وأنت تفضل هنا تفرح مع أصحابك؟”
هنا وبس.. خلاص.
أنا استحملت أربع سنين تريقة وضحك عليا أنا.
وطنشت كل كلمة هابلة اتقالت في أسياب المدرسة.
بس مش هقف أتفرج وأسكت على الست اللي ضحت بعمرها كله عشاني وهي حاسة بالكسف والإهانة عشان جاية بفستان غلبان مش قادرة حتى تجيب غيره.
بست ستّي على خدها.
“استنيني هنا ثانية.”
ومشيت في وسط الصالة.
راجل على طاولت الـ DJ على طول.
“ممكن المايك بعد أذنك؟”
بص لي وهو مستغرب:
“عايزه ليه؟”
بصيت ورايا لستّي نعيمة.
كان فيه شوية عيال لسه ببيضحكوا ويتغامزوا.
“عايزه ثلاثين ثانية بس.”
اداني المايك.
مديت إيدي على الأجهزة بتاعته..
وفصلت المزيكا خالص.
الصالة كلها هديت وفجأة سكتت.
مئات الوشوش اتلفتت لي وبصوا عليّ.
وستّي نعيمة واقفة في نص الصالة عينيها بترف ومش فاهمة فيه إيه.
رفعت المايك عند بؤي.
وبصيت في عيون العيال اللي بقالهم أربع سنين بيضحكوا على الست اللي ربتني.
“فيه حاجة لازم كلكم تعرفوها عن عاملة النظافة اللي شايفينها مضحكة أوي دي..”
لو عايز باقي القصة، قول “تم” أو “كمل” وسيب الباقي عليا!
“شفتوا الست اللي واقفة هناك دي؟ الست دي شالتني وأنا لسه حتة لحمة حمرا، بعد ما أمي ماتت وأنا بتولد، وأبويا سابني ومشي. كانت كبرت في السن، ومفيش حيل، بس ربنا يعلم طفحت الدم إزاي وعملت إيه عشان كيس اللبن اللي كنت بشربه.
الست دي اشتغلت هنا عاملة نظافة.. تمسح وبتمسح بلاط المدرسة عشان تضمن إني ألبس جزمة نظيفة وأنا داخل المدرسة، وعشان تقدر تجيب لي الكتب والأكشاك اللي بذاكر فيها. الست دي هي السبب الوحيد إن أنا واقف قدامكم النهاردة وبستلم شهادتي، وهي أرجل وأحسن من أي حد في القاعة دي كلها!
أنا مش جاي الحفلة عشان أتباهى بفستان ولا عربية.. أنا جاي وأنا مرفوع الرأس عشان معايا ملكة، هي اللي صنعتني.”
أول ما خلصت كلامي، الصالة كلها بقت زي المقابر، مفيش صوت طالع ولا نفس.
بصيت لستّي نعيمة، لقيت الدموع نازلة على خدها زي المطر، بس المرة دي ما كانتش كسوفة ولا خايفة.. كانت رافعة رأسها وبتبص لي بابتسامة عمري ما هنساه طول حياتي.
وفجأة.. المدرس اللي واقف جنب الباب بدأ يسقف. وبعدها المدير، وفي ثواني الصالة كلها انفجرت تسقيف وصريخ! حتى العيال اللي كانوا بيتريقوا من شوية، لقيتهم بيبصوا للأرض ومكسوفين من نفسهم، وبعضهم جه لحد عندي ومسك إيدي واعتذر لي ولستّي.
نزلت من المسرح، ورحت لستّي نعيمة، مسحت دموعها، ومديت إيدي تاني:
“تسمحي لي بقى بالرقصة دي يا أحلى ملكة؟”
ضحكت وهي بتعيط وحضنتني، ورقصنا وسط كل الناس اللي فضلت تسقف لنا طول الليل. في الليلة دي، كل الناس عرفت إن الفقر مش عيب، والعيب بجد إنك تتكسف من الأيد اللي تعبت وشقيت عشان تخليك بني آدم.
#حكايات_شروق_خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



