روايات وقصص

رد الجميل ج2 .حكايات شروق خالد

رجعت أنا وستّي نعيمة البيت بعد الحفلة بالليل. كانت الشوارع فاضية وساكتة، وبلاط حارتنا القيمة منور بنور كشافات الشارع. طوال الطريق كانت ماسكة في دراعي حيلها، بس المرة دي مش خايفة ولا بترتعش.. كانت ماسكة فيا كأنها بتتسند على جبل.

أول ما فتحنا باب شقتنا الصغيرة ودخلنا، قعدت على الكنبة القديمة اللي في الصالة، وفضلت بصالي وساكتة فترة.
“ليه عملت كده يا بني؟” قيلت وهي بتمسح ب طرف طرحتها عينها. “ليه فضحت نفسك وقدمت حكايتنا قدام الناس كلها؟”
قعدت تحت رجليها مسكت إيديها الاثنين، الإيدين الخشنين اللي شقيوا وتعبوا طوال ستين سنة.
“يا ستّي، أنا ما فضحتش نفسي.. أنا ردّيت لك جزء صغير أوي من حقك. الست اللي شالتني وأنا حتة لحمة حمرا ومسحت بلاط المدارس عشان ترفع رأسي، مفيش قوة في الدنيا تخليها تتكسف ولا توطي رأسها.”
ستّي نعيمة حضنتني أوي، وفضلت تدعي لي بالستر والتوفيق، ودعواتها دي هي السر الحقيقي اللي خلاني أكمل.
تمر السنين.. وربنا كرمنا، تخرجت من كلية الهندسة بتقدير امتياز. أول مرتب قبضته من شغلانتي الجديدة، أخدتها من إيدها ورحنا محل هدوم كبير، وجبت لها أحلى فستان شيك يلِيق بملكة.
في يوم تخرجي من الكلية، قعدتها في أول صف قدام المنصة.. والمرة دي، لما نادوا على اسمي، طلعت الاستيج وأنا لابس الروب، وجريت عليها نزلت سلمت الشهادة في إيدها ونزلت بست إيدها ورجلها قدام كل الدكاترة والطلبة.
اللي اتعلمته من ستّي نعيمة، إن القيمة مش في الفلوس ولا في الهدوم الغالية ولا في المنصب.. القيمة الحقيقية في الأصل، وفي الناس اللي بيوقفوا جنبك لما تكون مفيش حيلتك أي حاجة، وما يسبوكش أبداً.
#حكايات_شروق_خالد

عدت الأيام والسنين، وربنا فتحها عليا من وسع. أنشأت شركتي الخاصة في الهندسة والمقاولات، وبقت من أكبر الشركات. وفي كل فرع جديد نفتحه، أو مشروع كبير نخلصه، كان فيه قرار واحد ثابت ما بغيروش: أي عامل نظافة أو بوفيه بيشتغل معانا، ليه مرتب محترم، وتأمين صحي كامل، ومعاملة فيها كل احترام وتقدير.. لأن كل واحد فيهم بالنسبة لي هو “ستّي نعيمة” ثانية بتشقى عشان تربي عيالها بالحلال.
وفي يوم افتتاح المقر الرئيسي الجديد للشركة، جمعت كل المهندسين والعمال والموظفين. وقفت على المنصة، وبصيت لستّي اللي كانت قاعدة في صدارة القاعة على كرسي متحرك بعد ما الكبر أخد من صحتها، بس عينيها كانت لسه بتلمع بنفس الفخر والجمال.
مسكت المايك وقلت قدام الكل:
“الشركة دي والمبنى ده وكل النجاح اللي أنتم شايفينه، ما بدأش في مكاتب ولا جامعات.. ده بدأ من خمسة وعشرين سنة، من الشارع، ومن مسحة بلاط بدموع وإيدين خشنة من أحن وأرجل ست في الدنيا.”
ستّي نعيمة اتوفت بعد الافتتاح بدهور بسيطة، راحت لربنا وهي مرتاحة وراضية، ورايبة راسها للسماء.
دفنتها بأيدي، ولحد النهاردة، كل جمعة بروح أزورها، وبقرأ لها الفاتحة، وبحس ببركة دعواتها لسه محوطاني في كل خطوة بخطيها.
اللي خرجت بيه من الدنيا دي كلها، إن الشرف مش بالمنصب ولا بالعز.. الشرف الحقيقي هو إنك تصون اللي صانك، وما تتكسفش أبداً من الأيد اللي شقت وتعبت عشان تبنيك وتعمل منك بني آدم.

رد الجميل

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى