منوعات

في ظِلّ الغُول ج3 حكايات شروق خالد

مريم بلعت ريقها بالعافية وهي حاسة قلبها بتسمع في ودنها. كلام حمزة، ونظرة عينيه الداافية، وإيده اللي ماسكة إيدها بدفء حنين، كل ده كان بيهز كل دروع الخوف والحرص اللي عاشت بتبنيها طول عمرها.

سحبت إيدها بالراحة وهربت بوشها بعيد عنه وهي بتحاول تجمع شتات نفسها وترجع لجمودها المحاسبي:

— «أنا.. أنا مش محتاجة حماية من حد يا أستاذ حمزة. أنا طول عمري شايلة نفسي وبحمي نفسي بنفسي. أنا كل اللي يهمني إن أخلص الشغل ده، وأثبت براءة أبويا وبراءتي، وأرد لك الدين عشان أرجع لحياتي الطبيعية وشقتي.»

حمزة ابتسم ابتسامة واطية خالص، ابتسامة واثقة هادية، وحط إيده جوة جيب بنطلونه ورجع لورا خطوة، بس عينيه التلجية مسبتهاش لحظة:

— «حياتك الشقة الهادية والشيتات اللي مستخبية وراها؟» هز راسه بنفي وقرب من ترابيزة المكتب، وشال ملف أسود تاني ورماه قدامها: «الحياة دي انتهت من اللحظة اللي رجالتي دخلوا فيها شركة الفاروق يا مريم. إنتي دلوقتي في عالم تاني خالص.. عالم مفيش فيه خطوة واحدة ملهاش حساب.»

مريم قربت من المكتب بفضول وفتحت الملف الجديد. عينها وسعت لما لقيت كشوفات بأرقام مهولة، وحسابات معقدة لشركات استيراد وتصدير وموانئ، متداخلة بطريقة جهنمية محتاجة عبقرية عشان تتحل وتتفك شفرتها.

— «دي.. دي حسابات الموانئ والمجموعات البحرية بتاعتك؟» سألته وهي بتفر الأوراق بذهول.

— «دي الحسابات الحقيقية لشبكة العطار كلها،» رد حمزة بنبرة حاسمة ورزينة: «اللي هنا ده مش مجرد أرقام، ده مصير عيلة كاملة وشغل سنين. فيه ثغرة صغيرة وتسريب فلوس شغال من ٦ شهور، وأنا شاكك في ناس قريبة مني أوي.. وأنتي الوحيدة اللي أضمن إنها مالهاش مصلحة مع حد، والوحيدة اللي عينها كشاف للأرقام الشمال.»

مريم رفعت عينها العسلي وبصت له بذهول: «أنت بتثق فيا أنا؟ وحدة لسه جايبها من الشارع إمبارح وتحت تهديد السلاح؟»

حمزة قرب منها تاني، وطى رأسه لحد ما بقى قصاد وشها تماماً، ونبرة صوته نزلت لهوّة دافية ورخيمة خلت جسمها يقشعر:

— «أنا ما أثقتش في مخلوق قد ما وثقت في عينيكي يا مريم من أول ليلة شفتك فيها.. إنتي البنت الوحيدة اللي مرفعتش عينها بصفاقة، والوحيدة اللي كان عندها شرف يخليها ترفض تبصم على كدبة حتى لو هتتدبس في قضية.. إنتي مش مجرد محاسبة، إنتي الأمان اللي مكنتش أظن إنه موجود في عالمي ده.»

مريم حسّت بركبتها بتسيب تحتها، والخدود المحمرة خانتها تاني. مسكت الملف بين إيديها جامد وضغطت عليه كأنه طوق نجاة:

— «أنا.. أنا هبدأ شغل فوراً. بس عايزة لاب توب متوصل بشبكة معزولة، ومكان هادي أركز فيه.»

— «كل اللي هتحتاجيه هتلاقيه جاهز في المكتب الجواني،» قال حمزة وهو بيشاور على باب خشب أرو ضخم في آخر الصالة: «ودادة فاطمة هتبقي معاكي، وأي حاجة تطلبيها هي مجاب. وأنا طالع دلوقتي ورايا اجتماع في الميناء.. هرجع على بالليل، مش عايزك تخرجي برة القصر يا مريم، الحراسة برة مش عشان تحبسك، الحراسة عشان تمنع أي كلب من رجالة جمال أو غيره إنه يفكر مجرد تفكير يمس منك شعرة.»

مشى حمزة ناحية الباب الخارجي، وفي لحظة قبل ما يخرج، وقف ولف ضهره وبص لها:

— «صحيح.. الفستان الأسود ده أكل منك حتة. بلاش ترجعي للهودي الرجالي ده تاني.. الذوق ده يليق ببنت العطار.»

سابها وخرج بخطوات هادية ورزينة، والباب اتأفل وراه.

مريم فضلت واقفة مكانها، حاطة إيدها على قلبها اللي كان بيدق بطريقة غير طبيعية، ودمعة دافية نزلت من عينها.. بس المرادي مكنتش دمعة خوف أو قهر، كانت دمعة حيرة أمام غول المافيا اللي بيعاملها زي أميرة، وحسسها لأول مرة في حياتها إن حجمها وجمالها وشخصيتها حاجة تتحب وتتحمي، مش حاجة تستخبى جوة قماش واسع.

#حكايات_شروق_خالدمريم أخدت نفس عميق وجمعت شتات نفسها، ومشيت بخطوات هادية ناحية المكتب الجواني. أول ما فتحت الباب، لقيت مكتب فخم جداً، عليه لاب توب أحدث موديل متوصل بشاشتين كبار، وشيتات الحسابات كلها مترتبة ومتقسمة بالمسطرة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى