روايات وقصص

ردّ الاعتبار ج1

رشدي طالع نص جسمه من الشباك المفتوح شبر، وصوت ضرب أداة التهديد كان بيرج العربية رج. الهجوم كان بيخبط في الصاج زي المطر، وصوت كوتشات العربيات وهي بتفرك في الإسفلت يرعب أي حد.

— ثبت العربية يا درش! رشدي طالع منه الصوت زي الرعد وهو بيضرب دفعة ورا بعضها.

فجأة، صوت فرقعة عالية قوي هزت الشارع، وعربية من العربيات اللي وارثانا اتلوت على جنبها ودبت في عمود نور على أول الكوبري، والشرار طار في الهواء زي الفوانيس.

رشدي نزل جوة العربية وشد الشباك، وجهه كان مطفح غضب وشغف في نفس الوقت، ونفسه طالع نازل. بصلي وأنا ملتفحة في أرضية العربية ومثبتة إيديا على رأسي:

— قومي يا فرح.. الشوط الأولاني خلص.

قعدت على الكنبة وأنا جسمي كله بيتكتك من الرعب، ودقات قلبي حاسة إنها مسموعة في العربية كلها.

— أنت بني آدم مش طبيعي! أنت كنت هتموتنا!

رشدي مسح أثر الجرح اللي على فكه بظهر إيده، وابتسم ابتسامة ناشفة:

— الخطر بيهاب اللي ما بيخافش منه يا بنت الحلال.

العربية هديت سرعتها ودخلت في شوارع ضيقة وضلمة، الحواري فيها دايرة على بعضها، لحد ما وقفت قدام بوابة حديد ضخمة لفيلا قديمة متدارية وسط جنينة مهجورة في أطراف الجيزة.

حمزة نزل بسرعة فتح البوابة، والعربية دخلت وقفت.

— أنزلي، رشدي قالها وهو بينزل وبيشد الجاكيت بتاعه.

— أنا مش نازلة في حتة! أنت تاخدني على دار المسنين عند أمي دلوقتي! صرخت فيه وأنا متمسكة بأكرة الباب.

رشدي لف ووقف عند الباب المفتوح، وبصلي بنظرة هادية بس مليانة قوة:

— أنا لو سبتك تروحي لأمك دلوقتي، هتوصليهم ليها قبل ما تحضنيها. الشارع بره مولع، وفيش حد هيسيبك في حالك بعد اللي حصل في المكان. أدخلي برجلك.. هنا أمان، وكلمة رشدي الجبالي سيف.

بلعت ريقي وبصيت للشارع الضلمة ورايا، وبعدين بصيتله. ما كانش قدامي غير إن أعوض ربنا وأدفع معاه الشوط ده.

دخلنا الفيلا، كانت واسعة ومهيبة بس فيها طابع قديم، والتحف متعلقة على الحيطان. رشدي قعد على كرسي جلد ضخم، وحمزة دخل صينية عليها أكل وشاي سخن.

— كلي يا فرح.. إنتي طالعة من شيفتين طحن، ولسه الحساب بيننا ما خلصش.

قعدت على طرف الكرسي اللي قدامه، الأكل كان ريحته تجنن ومعدتي الفاضية كانت بتوصع، بس كبريائي كان حايشني.

— أنا مش عاوزة أكل.. أنا عاوزة أفهم. أنت عارف اسمي، وعارف أمي، وعارف إني محتاجة فلوس.. كل ده ليه؟

رشدي حط كاس الشاي قدامه، ومال برجله لقدام، وبص في عيني مباشرة:

— من ست شهور، لما دخلتي المكان تشتغلي، أنا كنت قاعد في الترابيزة المتدارية فوق. شفتك وإنتي بترفضي تاخدي طلب كبير من زبون تقيل عشان كان ممدود إيده بقلة أدب.. وشفتك وإنتي بتشتغلي بدل زميلتك التعبانة عشان ما تتخصمش منها. في الشغلانة دي وفي منطقتنا، البنات اللي زيك بيتداسوا.. بس إنتي عندك عزة نفس تهد جبال.

سكت لحظة، ورجع كمل بصوت أعمق:

— أنا راجل ليا أعداء في كل شبر، وحوالي رجالة بياكلوا الشهد من خيري، بس مفيش حد فيهم أمنه على ضهري. لما حطيتي صباعك في صدري الليلة دي، ما شفتش في عينك خوف.. شفت واحدة مش بتبيع نفسها ولا بتهاب حد. وأنا محتاج حد زي ده جنبي.

— جنبك إيه؟! قلتها وأنا ببرق. أنا حكيمة وممرضة وبشتغل جرسونة عشان أكل عيشي! أنا مالي ومال أعدائك؟

رشدي ابتسم ابتسامة فيها دفا غريب أول مرة أشوفه:

— مش هتمسكي أداة ولا هتقفي في مواجهة يا فرح.. إنتي هتمسكي حسابتنا، وهتكوني عينيا في وسط الناس اللي ما بأمنش ليهم. وفي المقابل.. أمك هتنقل بكره الصبح لأكبر مستشفى في مصر، وأنا اللي هتكفل بكل جنيه لحد ما تخف، وإنتي هتاخدي حقك وزيادة من غير ما تمدي إيدك لزبون أو تتذلي لمدير.

قبل ما أرد أو أستوعب كلامه، صوت جرس البوابة بره ضرب ثلاث ضربات متقطعة.. حمزة دخل جري وشُه أصفر:

— يا معلم! المعلم عبد العظيم وناسُه بره.. وجايبين معاهم البوليس والنيابة وفاتحين محضر محاولة اعتداء!

وش حمزة لونه اتخطف وهو بيقول الجملة، وسكتة الموت نزلت على المكان تاني.

رشدي ما اتهزش من مكانه، أخد شفطة هادية من كاس الشاي، وحطه على الطاولة بالبطيء كأن محدش بره ولا فيه بوليس ولا نيابة. بص لحمزة وقال بنبرة أبرد من التلج:

— عبد العظيم كبر وخرف.. فاكر إن البوليس هيحميه مني، ولا فاكر إن المحاضر هي اللي بتمشي سوق بولاق؟

— بس يا معلم ده جايب معاهم وكيل نيابة والقوة كاملة، وبيقولوا إن الفيديوهات بتاعة المكان والشهود معاهم! حمزة كان بيتكلم ونفسه مقطوع.

رشدي قام وقف بمهابة، شد الفيست بتاعه، وعدل لياقة القميص. وبعدين لفلي وبص في عيني قوي:

— فرح.. الحسابات اللي قلتلك عليها هتبدأ من الخمس دقائق دول. إنتي هتفضلي قاعدة هنا، تاكلي لُقمتك وتشرَبي شايِك، وما تنطقيش بكلمة واحدة مهما سمعتي.. فاهمة؟

— أنت هتسلم نفسك؟ طلعت مني بالراحة وأنا خايفة من شكل اللي جاي.

رشدي ضحك ضحكة مكتومة، فيها ثقة ترعب:

— أسلم نفسي لمين؟ أنا رشدي الجبالي يا فرح.. أنا اللي بكتب المحاضر في المنطقة دي.. خشي يا بت جوة الأوضة دي واقفلي على نفسك.

دخلت الأوضة ووربت الباب شبر صغير أراقب منه. الباب الكبير اتفتح، ودخل المعلم عبد العظيم — راجل ستيني كرشه سابقه، ووشه مليان غل — وجنبه رئيس المباحث مع أربعة ضباط وعساكر.

— أهو يا باشا! عبد العظيم صرخ وهو بيشاور بإيده الترعش على رشدي. أهو المجرم اللي قلب المكان سويقة، واعتدى على رجالي قدام الناس كلها!

رئيس المباحث قرب خطوتين ورشدي واقف في نص الصالة، حاطط إيديه في جيبه وسبحته في إيده الثانية، وبيبتسم بروقان:

— منور يا باشا.. بس الظاهر المعلم عبد العظيم نسي ياخد دواه النهاردة وجايبك على ملا وشك على مفيش.

— مفيش إيه يا رشدي؟! رئيس المباحث قال بصوت حازم. المكان مقلوب، وفيه عربية محروقة على الكوبري، والشهود بيقولوا إنك شلت بنت من جوة وجريت بيها بعد ما رجالك فتحوا الاعتداء!

رشدي هز رأسه بأسف وشاور لحمزة:

— هات الفلاشة يا حمزة.

حمزة طلع فلاشة صغيرة وحطها في إيد رئيس المباحث. رشدي كمل بكل ثبات:

— تسجيلات الكاميرات الكاملة للمكان يا باشا.. التسجيلات اللي عبد العظيم نسي يمسحها وهو بيطلع رجاله المأجورين يعتدوا عليا. الرجل اللي دخل الفيست الرمادي وبدأ الاعتداء ده شغال عند عبد العظيم بقاله ثلاث سنين.. وأنا ما اعتديتش، أنا حريص على أرواح الناس، رجالي هربوني عشان كنت هروح فيها.

عبد العظيم وشه جاب ألوان وشفايفه بدأت اترعش:

— أنت كداب يا جبالي! البنت فين؟! البنت اللي أنت خطفتها من المكان عشان ما تشهدش عليك فين؟!

في اللحظة دي، رشدي بص ناحية الأوضة اللي أنا فيها، وقال بصوت عالي وواضح:

— اخرجي يا دكتورة فرح.. وريهم إنك ضيفة في بيت المعلم، مش مخطوفة ولا حاجة.

أنا أخذت نفس عميق، فتحت الباب وخرجت بثبات، ورصيت جسمي جنب رشدي وأنا باصة لرئيس المباحث مباشرة:

— أنا مش مخطوفة يا باشا.. المعلم رشدي أنقذ حياتي من الاعتداء اللي حصل في المكان.. وأنا مستعدة أروح النيابة فوراً وأشهد بكل كلمة شفتها بعيني.

عبد العظيم اتسمر مكانه، ورئيس المباحث بص لفرقة البوليس وقال بصرامة:

— هاتوا عبد العظيم واكتفوه.. وحصلوني على القسْم!

عبد العظيم بيتسحب للخارج وهو بيصرخ وبيهدد، والصالة فضيت تماماً.

رشدي لفلي، وبصلي بابتسامة نصر حقيقية، وطبطب على كتفي بالراحة:

— قلتلك.. اللي ما يخافش في أول مرة، هو الوحيد اللي ينفع تسند عليه.. مبروك يا فرح، أمك من بكره في أكبر مستشفى، وأنتي بقيتي دراع رشدي الجبالي اليمين.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى