منوعات

فريدة حكايات شروق خالد

كانت بتاكل ببطء وهي سامعة الكلام والشوشرة اللي ديرة حواليها.

الناس بتتأقلم وتتصرف بطريقة مختلفة تماماً حولين حد شايفينه مالوش قيمة ولا لازمة.

بيبطلوا يحاسبوا على كلامهم أو يداروا ملامح وشهم.

بيهمسوا بالأسرار.

وبيرتكبوا أخطاء.

فريدة شافت فاروق، واحد من أقدم رجالة سيف، بيبدل ظرف مقفول مع راجل من عيلة تانية منافسة عند باب الجاردن.

وراقبت طارق، المستشار المالي لباسم، وهو بيكذب لما راجل تاني سأله عن شحنة اتأخرت.

ولاحظت حاجة أغرب.

كل ما سيف كان يدخل القاعة، كان مستشاره الأقرب، أشرف، يبتسم له بدفء وترحاب.

وكل ما سيف يدي ضهره، أشرف يبطل ابتسام.

على الساعة حداشر ونصف بالليل، سيف قرب أخيراً من عروسته.

“العربية جاهزة.”

فريدة حطت كاس العصير.

“لينا إحنا الاثنين؟”

“ليكي أنتِ.”

الموضوع ما فاجأهاش.

سيف بص ناحية القاعة المليانة بالناس.

“أنتِ هتقعدي هنا في الفيلا. الجناح الغربي. وهيكون عندك كل حاجة تحتاجيها.”

“ما عدا جوز.”

عينيه رجعت لعينها تاني.

“الاتفاق ده موجود بسبب دين أباكي.”

“أنا عارفة أنا هنا ليه.”

“كويس.”

وطى صوته: “أنا مش هتدخل في حياتك.. لو أنتِ ما اتدخلتيش في حياتي.”

فريدة درسته بعينيها للحظة.

وراه، كان أشرف بيضحك على حاجة قالها فاروق.

سيف ما لاحظش ده.

بس فريدة لاحظت.

قالت: “أنا أصلاً بفضل الهدوء.”

سيف هز رأسه مرة واحدة.

“يبقى هنتفق.”

مشى وسابها.

فريدة فضلت تبص عليه وهو بيبعد.

وفكرت في سرها: لا.. مش هنتفق.

مش دلوقتي.

أول شهرين من جوازهم كانوا زي ما كل الناس اتوقعت بالظبط.

على الأقل من برة.

سيف كان نادراً ما ببيجي البيت.

والخدامين في الفيلا كانوا بيتعاملوا مع فريدة كأنها حتة كرسي زيادة أو قطعة أثاث مش مرغوب فيها.

ورئيسة الشغالات، هدى، كانت قاسية ورخمة بشكل خاص.

هدى كانت شغالانة عند عيلة الباسل بقالها اتنين وعشرين سنة، ويبدو إنها قررت إن القعدة دي بتديها سلطة ملكية.

في صباح يوم، فريدة دخلت أوضة الفطار ولقت فطير مشلتت، وسجق، وعسل، وطبق ضخم فيه كيكات ومخبوزات مستنيينها بس.

بصت لهدى وقالت: “أنا طلبت زبادي وفاكهة.”

ابتسمت هدى بقلة أدب…

#حكايات_شروق_خالدهدى ابتسمت بقلة أدب وقالت وهي بتبص لفريدة من فوق لتحت بنظرة تقليل: “والله يا هانم دي الأوامر.. إحنا بنعمل الأكل اللي يليق بصفة وطبيعة كل حد في الفيلا، وحضرتك باين عليكِ بتحبي الحاجات الدسمة دي.”

فريدة ما اتعصبش، وما رفعتش صوتها. هدوءها المرعب هو اللي خلى ابتسامة هدى تتجمد تدريجياً.

قربت فريدة من هدى بخطوات بطيئة، وبصت في عينيها مباشرة وقالت بصوت هادي كأنه همس: “هدى.. أنتِ شغالانة هنا بقالك اتنين وعشرين سنة، وعارفة كل صغيرة وكبيرة في الفيلا. بس للأسف، ما تعرفيش إن ابنك الشغال في جمرك بورسعيد عليه قضية تهريب وراء ظهر سيف الباسل، والأوراق اللي توديه في داهية تحت إيدي أنا من أسبوع.”

وش هدى اصفر، والدم اتجمد في عروقها، وقالت بصوت بيترعش: “أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟”

فريدة ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: “بقول إن طبق الزبادي والفاكهة ينزل هنا في ظرف دقيقتين.. ومن بكرة، معاملتك معايا ومكانتي قدام الشغالين كلهم تتغير ١٨٠ درجة. فاهمة؟”

هدى هزت رأسها وهي مرعوبة وجريت على المطبخ تنفذ الطلب.

بعد أسبوعين، سيف الباسل رجع الفيلا متأخر بالليل، وشكله كان مجهد للآخر. كانت فيه مشاكل كبيرة في شغله، وخسائر في شحنات بورسعيد، وشكوك في إن فيه خاين جوة الدائرة المقربة منه.

وهو طالع على السلم، لمح نور خفيف طالع من المكتب الرئيسي بتاعه.

مسك مسدسه بالراحة وقرب من الباب، ولما فتحه، اتصدم.

فريدة كانت قاعدانة على كرسيه الفخم، لابس روب بسيط، وفاتحة الملفات المالية بتاعة الشركة والدفاتر القديمة، وحواليها أوراق مكتوبة بخط إيدها المنتظم.

سيف نزل المسدس وبص لها بذهول وحادة: “أنتِ بتعملي إيه هنا يا فريدة؟ ومين سمح لك تدخلي مكتبي وتلمسي أوراقي؟”

فريدة ما اتخضتش. رفعت رأسها وقالت ببرود: “كنت مستنياك.. عشان أقولك إنك عمى، وإن رجالتك بيغفلوك وأنت ماشي وراهم زي الأعمى.”

سيف اتنرفز وقرب منها: “احترمي نفسك يا فريدة! أنتِ فاكرة عشان سكت لك بقالك شهرين يبقى من حقك تتكلمي في شغلي؟”

فريدة وقفت بثبات، وأخدت ورقة من وسط الملفات وحطتها قدامه على الترابيزة: “أشرف.. مستشارك اللي بتثق فيه وبيضحك في وشك، هو اللي بيسرب المواعيد لعيلة الشامي. وطارق المحاسب بيلعب في دفاتر الجمرك لحسابه الشخصي. وفاروق بيقبض من المنافسين عشان الشحنة تتقبض في بورسعيد.”

سيف حدق في الورقة، وبعدين بص لفريدة بصدمة: “أنتِ عرفتي الكلام ده منين؟”

فريدة ابتسمت ابتسامة ذكية وحادة: “أنا بنت فتحي كالاهان يا سيف.. بابا الله يرحمه ما كانش مديون ليك بفلوس بس، كان بيمسك دفاتر الحسابات وأسرار السوق كله. والناس في الفرح وفي الفيلا هنا كانوا فاكريني مجرد عروسة مليانة وعادية وما بفهمش حاجة، فكانوا بيتكلموا ويخططوا قدامي بكل أريحية.”

سيف بلع ريقه وهو بيقرأ التفاصيل والدلائل الدقيقة المكتوبة في الورقة.. كلام ما يعلموش غير واحد جوة اللعبة بجد.

بص لها بنظرة جديدة تماماً.. النظرة اللي فيها احترام وخوف وإعجاب مكتوم: “أنتِ مش مجرد تسديد دين يا فريدة..”

فريدة قربت منه وبصت في عينيه الرمادي وقالت: “أنا السلاح اللي هيحميك يا سيف.. لو عرفت تستخدمني صح. والناس اللي ضحكت عليا يوم الفرح، هيجوا يعتذروا تحت رجلي قريب جداً.”

سيف ابتسم ابتسامة شرسة لأول مرة، ومسك إيدها بقوة وقال: “يبقى من الليلة دي.. اللعب بقي على مكشوف، وأنتِ معايا في ظهر الساحة.”

تمت.

 

انتقام فريدة

 

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى