منوعات

عاشق في محراب ج1 حكايات شروق خالد

“أنا عايزة أفهم إنت عايز مني إيه؟” سألته وأنا بحاول أجمع شجاعتي.

قفل الملف بالراحة، ولفت وشّه لي.. وعينيه السودة كانت دافية بشكل يخوف: “عايز حمايتك.. من الناس اللي أدياهم أطول مني، واللعبة اللي إنتي دخلتيها من غير ما تعرفي من يوم ما وقفتي قدامي في المطر.”

#حكايات_شروق_خالدالدم اتجمد في عروقي أول ما قال الكلمة دي.

“لعبة؟ لعبة إيه؟ أنا مجرد واحدة شغالاني في مطعم وبحاول ألم قرشين عشان أعيش أنا وأختي! إنت بتدخلني في إيه بالضبط؟”

مراد بص لي بثبات ومال بجسمه شوية ناحيتي، صوته نزل لدرجة الهمس بس كان أتقل من الجبال: “الشركات اللي بحاربها يا مريم مش بتضرب بالرصاص في الشارع.. دول بيسحبوا الشرايط القديمة، بيفتشوا في العيون اللي بحبها، وفي الأماكن اللي بفتكرها دافية. ومن يوم ما عينيا جت عليكي في المطرة، وناس كتير قوي بقى لها عين في الشارع اللي إنتي ساكنة فيه.”

حطيت إيدي على وشي وأنا حاسة إن الدنيا بتدور بيا. “يعني أنا حياتي بقت في خطر.. بسببك؟ بسبب الورد اللي كنت بتبعته؟”

“بسببي.. آه،” اعترف بجرأة صدمتني، مفيش أي كذب في عينيه، “عشان كده مش هسيبك دقيقة واحدة برة عيني. الشقة اللي رايحينها في جاردن سيتي حراستها مشددة ٢٤ ساعة. أختك هند بكرة الصبح بدري هتوصل هناك، وورق نقلها لجامعة خاصة محترمة شغال من الصبح.”

بصيت له بذهول: “إنت لحقت تعرف أختي كمان؟! إنت اتجننت يا مراد؟ إنت فاكر الفلوس والنفوذ يدوك الحق تتحكم في حياة الناس كده؟”

ابتسم ابتسامة مكسورة، فيها كمية وجع ما لقتش لها تفسير: “الفلوس والنفوذ هما الحرم الوحيد اللي هيحميكي مني ومن غيري. لو كنت أقدر أرجع الزمن وتفضل عيني بعيدة عنك كنت عملت كده.. بس خلاص يا مريم، اسمك اتكتب جنب اسم مراد الراوي، والست اللي اسمها بيتكتب جنب اسمي، يا إما بتعيش ملكة.. يا إما ما بتعيش خالص.”

العربية وقفت قدام عمارة ضخمة بتطل على النيل مباشرة، أضواء الزمالك وجاردن سيتي منورة على المية، والهدوء في المكان كان يخوف.

السواق فتح الباب، ومراد نزل ونزل ورايا. مشي معايا لحد الأسانسير الأنتيك، ولما وصلنا الدور السابع، فتح باب شقة واسعة، أثاثها فخم ومهيب، وريحة الياسمين البلدي مالية المكان كله.. نفس الورد اللي كان بيجيلي المطبخ.

“دي شقتك،” قالها وهو واقف عند العتبة ومارضيش يدخل جوة، “أنا ساكن في الدور اللي فوقيكي. مفيش مخلوق يقدر يدخل هنا من غير إذنك، ولا حتى أنا.”

طلّع جهاز صغير شبه التليفون وحطه على الترابيزة جنب الباب: “ده فيه زرار واحد.. لو حسيتي بأي حاجة غريبة، تدوسي عليه. وفي ظرف خمس ثواني هكون واقف قدامك.”

بصيت للشقة الفاضية الواسعة، ورجعت بصيت له وهو واقف في الضلمة عند الباب. كان باين عليه إنه بجد مرعوب عليا.. حماية بأسلوب متملك وجنون بس صادق.

“ولحد إمتى هفضل محبوسة هنا؟” سألته وأنا ساندة على الباب.

قرب خطوة واحدة، وحط إيده على حرف الباب الخشب، وعينيه جت في عينيا مباشرة: “لحد ما أنهي الحرب دي يا مريم.. أو لحد ما تطلبي مني أمشي، وساعتها هسيبك.. بس هفصل روحي عن جسمي وأنا ماشي.”

صوته وهو بيبص في عيني بالصدق ده خلاني أقف مش عارفة أرد. الراجل اللي بيهز بلد كاملة بكلمة منه، واقف قدامي بيتكلم كأنه بيترجاني أستحمله، كأنه خايف من رفشة رمش مني أكتر ما خايف من كل أعدائه.

سكت ثواني، وبعدين هزيت رأسي بقلة حيلة.

سحب إيده بالراحة من على الباب، وبص لي بابتسامة خفيفة شبه مختفية، وقالي: “تصبحي على خير يا مريم. عشاكي جوة، ورتاحي.. بكرة هيبقى يوم طويل.”

قفل الباب بالراحة، وسمعت خطواته وهي بتبعد وتطلع على السلم للدور اللي فوقي.

أول ما الباب اتقفل، حسيت رجلي مش شيلاني. تسحبت لحد الكنبة الكبيرة اللي بصة على النيل وشباك الشقة الضخم. الشقة كانت عبارة عن تحفة فنية، تحس إن كل حتة فيها معمول حسابها بالمليم، دفا ورقي مكنتش أحلم أشوفهم غير في التلفزيون.

على الترابيزة كانت فيه صينية عليها أكل دافي، وتحتها ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيد منتظم ورزين:

“أختك هند وصلت شقتها الجديدة في المعادي بحراسة، وهي نايمة دلوقتي وسعيدة جداً. ما تقلقيش عليها.. ارتاحي.”

دمعة نزلت من عيني من غير ما أحس. الخوف كان بياكلني، بس في نفس الوقت.. شعور إن في حد شايل همي للدرجة دي، حاسس بيا وبتفاصيلي وبتفاصيل العيلة اللي ماليش غيرها، كان شعور غريب عليا تماماً.

نمت على الكنبة وأنا لافة نفسي بالبطانية المفرودة، وصوت النيل برة يهدي الأعصاب.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط خفيف خالص على الباب.

قمت بفزع، ومسكت الجهاز الصغير اللي سابهولي مراد على الترابيزة، وقربت من الباب بصوت مرعوب: “مين؟”

جالي صوت ست هادي ولطيف من برة: “صباح الخير يا آنسة مريم.. أنا أمينة، الأستاذ مراد باعتني عشان أساعدك وأجيبلك هدومك وأي حاجة تحتاجيها.”

فتحت الباب بالراحة، لقيت ست في الخمسينات من عمرها، وشها بشوش ولابسة زاي راقي ومحترم، ومسكاها شنط كتير جداً ماركات شهيرة.

دخلت ابتسمت وقالت لي: “الباشا قالي إنك مش بتحبي الزيطة، فجبتلك هدمتين بسيطة على ذوقي للبيت والخروج، والأستاذ مراد مستني حضرتك في البلكونة اللي فوق على الفطار.. لو تحبي تطلعي له.”

غيرت هدومي بسرعة وأنا دماغي بياكلها التفكير.. هل هفضل مستسلمة للوضع ده؟ لازم أطلع وأحط نقط على الحروف معاه.

طلعت الدور الثامن، الباب كان مفتوح. مشيت في الطابق اللي فوق لحد ما وصلت لبلكونة واسعة جداً بتطل على القاهرة كلها.

مراد كان قاعد على ترابيزة فطار، جرايد جنبه، قميص أبيض مشمر أكمامه، وفنجان قهوة بيطلع بخار. أول ما شافني طالعة، قام وقف فوراً.

“صباح الخير يا مريم.. نمتي كويس؟”

قربت منه بثبات وأنا حاطة إيدي في جيبي: “مراد.. أنا مش جاية أفطر. أنا جاية أقولك إن اللعبة دي لازم تخلص. أنا مش هعيش في قفص دهب، ولا هسيبك تتحكم في خطوتي الجاية.”

مراد بص لي بهدوء، وحط فنجان القهوة على الترابيزة، وقال بصوت وثيق: “ومين قال إنك في قفص؟ الشارع مفتوح قدامك يا مريم.. تحبي تنزلي دلوقتي؟ العربية تحت بسواقها، تروحوا أي حتة يعجبك.”

“وبالحراسة اللي ورايا؟”

“بالحراسة اللي هتحميكي.. لحد ما أقطع الإيد اللي بتحاول تطولك.”

خطى خطوة ناحيتي، وعينيه بقت في عينيا مباشرة: “اليوم اللي هتحسي فيه إنك مسجونة معايا.. قوليلي امشي، وهسيبك. بس طول ما خطرك موجود، أنا ضلك. والنهاردة بالليل.. فيه حفلة شغل مهمة جداً في فندق في جاردن سيتي.. وأنا عايزك تيجي معايا.”

بصيت له بذهول: “أجي معاك بصفتي إيه؟”

ابتسم ابتسامة حادة وقاطعة: “بصفتك الست الوحيدة اللي مراد الراوي اختارها تقف جنبه قدام مصر كلها.”

#حكايات_شروق_خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى