عام

الخادمة والكبير حكايات شروق خالد

وفجأة، وبسرعة خاطفة لم يستوعبها أحد، امتدت يد سلامة المغطاة بالأوشام وقبضت على رقبة توفيق بضغطة واحدة، ودفعه بقوة مرعبة ليرطم ظهره بالجدار الحجري للمطبخ.

ارتطم رأس توفيق بالجدار وصدرت منه أنين مكتوم، بينما كان رجلا الحراسة يقفان في مكانهما كالتمثالين، لا يجرؤ أحدهما على الحركة أو التدخل.

انحنى سلامة على أذن توفيق ودمدماً بنبرة تحبس الأنفاس: “أنا قلتلك قبل كده… البيوت لها حرمة، والشغالين هنا تحت حمايتي. لما تفتكر إنك كبرت وتقدر تفرض إيدك على واحدة ضعيفة، تبقى بتنسى نفسك…”

“يا… يا باشا…” حاول توفيق الخروج بالحروف وهو يختنق، وعيناه تجحظان من شدة الضغط.

التفت سلامة بعينيه الحادتين نحو الحارسين عند الباب، وقال بنبرة قاطعة لا تحتمل النقاش:

“خسّروا إيده اللي امتدت دي… وبعدين ارموه بره القصر، وماشوفش وشّه في البلد دي تاني.”

 

 

 

حكايات شروق خالد

 

 

اتسعَت عينا “توفيق” برعب شديد، وحاول يتكلم أو يستعطف “سلامة”، بس الحارسين مشيوا بخطوات سريعة وشدّوه من ذراعيه بقوة، وسحبوه لبرة المطبخ وهو بيحاول يقاوم وبيصرخ بصوت مكتوم. صوت خطواتهم البتعدت على السلم الخرساني كان معاه صوت قفل الباب الخارجي للبدروم، ورجع الهدوء القاتل يلف المكان من تاني.

فضل “سلامة” واقف في مكانه، يتنفس بهدوء منتظم، وعدّل أكمام قميصه الأسود ببرود تام كأن مفيش أي حاجة حصلت.

التفت ببطء لـ “أميرة”، اللي كانت واقفة مسنودة على حافة الحوض، ركبتها بتخبط في بعضها من هول المشهد والمنظر اللي شافته. كانت أول مرة تشوف الوش المرعب لـ “سلامة”، بس في نفس الوقت… كانت أول مرة تحس إن فيه حد جاب لها حقها وأخد لها تارها في ثواني.

قرب سلامة منها بخطوات هادية، ومسافة أمان بينه وبينها عشان ما يخوفهاش. طلع منديل قماش أبيض ونظيف من جيب بنطلونه، ومده ليها بيده.

“خدي… امسحي الدم ده،” قالها بنبرة صوت رجعت هادية ودافية، مختلفة تماماً عن الصوت اللي كان بيكلم بيه توفيق من شوية.

أخدت أميرة المنديل بإيد ترتعش، ومسحت شفتها بالراحة وهي باصة في الأرض، مش قادرة ترفع عينها في عينه: “أنا… أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه يا سلامة باشا… بس أنا خايفة.”

“خايفة من إيه؟” سألها وهو بيستند بظهره على الطاولة الرخامية وبيكتف إيديه.

“خايفة منه… توفيق مش يسكت، وممكن يرجع أو ينتقم مني…”

ابتسم سلامة ابتسامة خفيفة ومظلمة، فيها ثقة تخلي أي حد يطمن: “توفيق انتهى يا أميرة. من الليلة دي مش هيقدر يرفع عينه في الشارع، ولا يجرؤ يمر حتى من جمب أسوار القصر. اللي يتحدى سلامة… ما بيفضلش في البلد عشان ينتقم.”

سكت لثانية، وبعدين كمل كلامه وهو بيطالعها بنظرة حادة ومركزة: “من بكرة… مكانك مش هيكون هنا في البدروم والمطبخ.”

رفعت أميرة رأسها بذهول: “يعني إيه يا باشا؟ حضرتك بتمشيني؟”

“لأ…” هز رأسه بالنفي وهو بيشاور على السلم المؤدي للدور اللي فوق. “من بكرة هتمسكي إدارة القصر من جوة، وشغلك هيكون فوق معايا ومع أختي. المطبخ والبدروم دول ما تدخليش هنا تاني… والحماية اللي خدتيها الليلة دي، هيفضل ظلها عليكي طول ما أنتي في بيتي.”

فتح سلامة باب المطبخ، والتفت ليها قبل ما يطلع: “اطفي النور واطلعي ارتاحي في أوضتك فوق… وبكرة الصبح في كلام تاني عن مصاريف علاج والدتك، الديون دي كلها مقضية من بكرة.”

سابها وطلع على السلم بخطوات ثقيلة وهادية، وساب “أميرة” واقفة في نص المطبخ، بين بواقي الدموع اللي على وشها، وحس غريب بالأمان والذهول مكنتش متوقعة تحس بيه في أكتر ليلة مرعبة في حياتها.

(النهاية)

الخادمة والكبير

 

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى