
سيف فهم أخيرًا. جابر كان بيحاول يزرع الشك بينهم، ويخليهم يفتكروا إن فيه شخص تاني وراء كل اللي حصل. لكن الحقيقة كانت أبسط وأقسى. هو اللي بدأ كل حاجة. هو اللي سرق. هو اللي ولّع المخزن. هو اللي أخفى أم سيف. وهو اللي عاش خمسة وعشرين سنة بيطارد أي شخص ممكن يكشفه.
سيف أخرج التسجيلات والأوراق اللي جمعوها، وسلمهم للشرطة والنيابة. المرة دي ما كانش جابر عنده فرصة يهرب. الأدلة كانت كتيرة؛ صور، تحويلات مالية، تسجيلات، وشهادة أم سيف، وشهادة عزيزة، والأهم اعترافات جابر القديمة اللي سجلها بنفسه وهو بيحاول يهددهم.
بعد أيام قليلة، اتقبض عليه، واتفتحت القضية من جديد. واكتشفت النيابة إن جابر كان وراه شبكة كبيرة من الفساد والاختلاس، وإن الحريق القديم ما كانش حادث زي ما اتسجل زمان.
عزيزة دخلت المستشفى فترة للعلاج، ورنا فضلت جنبها. وفي يوم، رنا سألتها:
— ليه خبيتي عني الحقيقة كل السنين دي؟
عزيزة دموعها نزلت:
— كنت خايفة أخسرك.
رنا حضنتها:
— إنتي يمكن مش أمي… بس إنتي اللي ربيتيني.
عزيزة ابتسمت وسط دموعها:
— وأمك عمرها ما نسيتك.
رنا بصت ناحية أمها. كانت قاعدة جنب الشباك، بتبص للنيل. لأول مرة من خمسة وعشرين سنة، كانت أمها جنبها. وسيف كمان رجع يعيش مع أمه. الرجل اللي كان طول عمره شايل غضب كبير جواه، بدأ يتغير بهدوء. قفل كل الأعمال المشبوهة اللي ورثها عن رجال كانوا شغالين مع جابر، وخلّى شركة الدمنهوري للنقل والتجارة تشتغل بشكل قانوني بالكامل.
أما رنا، فما قبلتش إنه يصرف عليها أو يعاملها كأنها محتاجة شفقة. قالت له في أول يوم عرض عليها شغل في الشركة:
— أنا مش عايزة شغل عشان إنت حاسس بالذنب.
سيف رد:
— وأنا مش بعرضه عليكي عشان رجلك.
— أمال ليه؟
— عشان شفتك بتتعامل مع أصعب ليلة في حياتك من غير ما تستني حد ينقذك.
رنا ابتسمت:
— يعني هشتغل بجد؟
— وهحاسبك لو قصرتي.
ضحكت لأول مرة من غير خوف. ومرت الشهور. رنا بدأت تشتغل في إدارة الحسابات، وأثبتت إنها شاطرة، ذكية، وبتعرف تتعامل مع الناس. وسيف، اللي كان معروف إنه ما بيثقش في حد بسهولة، بقى أكتر شخص بيثق فيها.
وفي مساء هادي، كانوا قاعدين على ضفاف النيل. رنا بصت للمياه وقالت:
— فاكر أول مرة اتقابلنا؟
سيف ابتسم:
— فاكر.
— كنت فاكرة إنك مجرد راجل غريب قاعد جنب كرسي فاضي.
— وأنا كنت فاكر إنك مجرد واحدة بتحاول تلاقي مكان تقعد فيه.
رنا ضحكت:
— وطلعنا إحنا الاتنين غلط.
سيف بص لها:
— أيوه.
سكت لحظة، وبعدين قال:
— تعرفي أكتر حاجة غريبة في اللي حصل؟
— إيه؟
— إنك دخلتي المطعم عشان تستخبي من ليلة وحشة.
— أيوه.
— وأنا عرضت عليكي بيتنا عشان تحتمي من المطر.
رنا ابتسمت:
— وبعدين؟
سيف قال:
— وبعدين إنتي رجعتيلي أمي.
رنا بصت له:
— وإنت رجعتلي أمي.
سيف قرب منها، لكنه وقف قبل ما يلمس إيدها. رنا هي اللي مدت إيدها ومسكته وقالت:
— المرة دي مش محتاجة تسألني إذا كنت موافقة.
ابتسم:
— متأكدة؟
— متأكدة.
بصوا للنيل في صمت. نفس النهر اللي كان شاهد على أسرار عيلتين، وشاهد على حريق قديم، وشاهد على خمسة وعشرين سنة من الخوف والهروب. لكن المرة دي…ما كانش فيه هروب. رنا أخيرًا لقت أمها، وسيف أخيرًا عرف إن أمه ما سبتهوش بإرادتها. وعزيزة خرجت من سنين الخوف وهي مطمنة إن البنت اللي وعدت تحميها بقت أقوى من أي شخص حاول يكسرها.
أما جابر، فبقى مجرد اسم في ملف قضية قديمة. والكرسي الفاضي اللي بدأت منه الحكاية…ما بقاش كرسي فاضي. بقى المكان اللي جمع اتنين غرباء، وكل واحد فيهم كان فاكر إنه داخل يهرب من حياته…فلقوا نفسهم بيبدأوا حياة جديدة.
وفي آخر الليل، رنا بصت لسيف وقالت:
— على فكرة…
— إيه؟
— لو كنت رفضت تخليني أقعد على الكرسي الليلة دي، كان زمان كل ده ما حصلش.
سيف ابتسم وقال:
— عشان كده من يومها وأنا عرفت إن فيه كراسي فاضية… بتستنى أصحابها.
وضحت رنا وهي بتبص للنيل. ولأول مرة من سنين…ما كانش عندها أي مكان لازم تهرب منه. كان عندها بيت.. وأم.. وعيلة.. ورجل اختار يحترمها قبل ما يحبها. وكان ده، بالنسبة لها، أكبر انتصار ممكن.
تمت.
سألت عن كرسي فاضي
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




