
أنا كنت قاعدة جنبه، ضاغطة على إيدي بأقصى قوة والتليفون في إيدي التانية بيعرض خريطة فرع البنك القديم في منطقة بورتوفيق.. الفرع المجهور اللي اتعمل منه التحويل.
“سليم..” صوتي طلع واطي ومتردد، “لو طلع أبويا عايش فعلاً.. بجد؟ ليه سابني كل السنين دي أعاني وأشتغل خدامة؟ ليه سابني أفتكر إنه مات؟”
سليم بصلي بنظرة فيها كمية حنية ووجع مش طبيعية، وقال بصوت هادي: “أبوكي لو عايش يا ندى، يبقى كان بيحميكي بنفس الطريقة اللي أنا حميتك بيها.. بالغياب. فيه ناس لما بتقرب من حد بتحرقه، وأبوكي كان عارف إن الشحنة والملفات كفيلة تمحي عيلة كاملة من الوجود.”
وصلنا بورتوفيق الساعة 3 الفجر. الشوارع كانت فاضية كأنها مدينة أشباح، وصوت هواء البحر بيصفر بين العماير القديمة.
العربية وقفت على بعد شارع من مبنى البنك القديم.. مبنى مهجور من أيام القناة، الشترات الصاج بتاعته مصدية ومقفولة بسلاسل تقيلة.
سليم نزل ونزلني وراه، سحبني من إيدي ومشينا في ضل العماير لغاية ما وصلنا للباب الخلفي للمبنى.
المفاجأة إن السلسلة الضخمة اللي على الباب الخلفي كانت مقطوعة حديثاً.. وآثار العافية باينة عليها، والباب المصفح كان مفتوح وروب صغير!
سليم سحب مسدسه، وزق الباب برجله بالراحة وهو بيهمسلي: “ورايا بالظبط.. وما تطلعيش صوت.”
دخلنا جوه الضلمة. المكان كان غرقان في تراب السنين ورائحة الرطوبة والورق المعفن. مشينا في الممر لغاية ما وصلنا للصالة الرئيسية للبنك.
في نص الصالة.. كان فيه كشاف شحن كبير محطوط على الترابيزة، ومنور شاشة لابتوب حديثة جداً مفتوحة ومحطوطة جنب خزنة حديدية مكسورة!
سليم قرب بالراحة ومسدسه متوجه ناحية الشاشة.
على الشاشة كانت عملية التحويل الـ 50 مليون دولار لسه مكتملة من دقائق معدودة.. وتحت اسم “أحمد العاصي”، كان فيه خانة الرسالة المتروكة للمستلم.
قربت بخطوات بتترعش وبصيت على الشاشة..
الرسالة المكتوبة كان نصها:
(سليم الهواري.. القهوة السادة بتتقدم باردة، والبنت مش ملكك.. الملفات اللي معاك ناقصة الورقة رقم 7).
دمي اتجمد في عروقي!
قبل ما نلحق نفهم حاجة، صوت ضحكة واطية وجافة طلعت من الضلمة ورا العواميد الخرسانية للبنك!
صوت خطوة جزمة تقيلة بتدب على البلاط..
سليم لف بسرعة وتوجّه بمسدسه ناحية الصوت وصرخ: “اطلع بـ إيدك فوق! المكان محاصر!”
من بين الضل، خرج شخص طول بعرض، لابس معطف أسود طويل، ماسك في إيده مسدس بسائل كاتم صوت.. ولما إضاءة الكشاف جابته على وشه..
الراجل شال الكاب الأسود من على رأسه.
الوش كان مليان ندوب، والعين الشمال مطفية تماماً.. بس الملامح.. النظرة.. رسمة الدقن..
“أ.. أبويا؟” الكلمة طلعت من زوري بالعافية ودموعي انفجرت في ثانية.
أبويا بصلي بنظرة خالية من أي مشاعر حنية.. نظرة سردة، باردة، غريبة تماماً عن الراجل الطيب اللي كان بياخدني في حضنه وأنا صغيرة!
“ندى..” قالها بصوت صلب وجاف زي الصخر، “كبرتي.. وطلعتي شبه أمك
الله يرحمها.”
سليم ما نزلش مسدسه، بالعكس، شد الأمان وصوته بقى يرعب: “أحمد العاصي.. أنت لعبت بالكل، صح؟ عملت ميت من خمس سنين، وضحيتي ببنتك، وسبت فاطمة وسعاد يفتكروا إنهم هما اللي مسيطرين.. عشان توصل للحظة دي؟”
أبويا ضحك ضحكة شريرة خلّت شعر جسمي يقف:
“أنا ما ضحيتش بحد يا ابن الهواري.. أنا استنيت الوقت المناسب. 50 مليون دولار دول حقي في الشحنة اللي أبوك سرقها مني زمان! وفاطمة وسعاد كانوا مجرد بيادق في الرقعة.. استخدمتهم عشان أخلص من أبوك وأخلص منك!”
بصيت له ودموعي نازلة كأنها شلال، صرخت بصوت مكسور: “أنت مين؟ أنت مش أبويا! أبويا كان راجل شريف ومات غلبان!”
أبويا بصلي ببرود مرعب وقال: “أبوكي الشريف ده كان غبي يا ندى.. الفقر بياكل الجدعان. والنهاردة.. أنا واخد الـ 50 مليون، وواخد الورقة رقم 7 اللي في جيب سليم.. ومش هسمح لحد يوقفني.”
وفجأة.. أبويا رفع المسدس وضغط على الزناد ناحية سليم!
بم!
سليم اتفادى الرصاصة بلمحة عين ورمى نفسه على الأرض وهو بيضرب نار في نفس اللحظة!
الرصاص كان بيفترك المكان والزجاج القديم بيتدشمل فوق رؤوسنا. سليم زقني ورا العمود الخرساني وصرخ: “استخبي يا ندى!”
أبويا كان بيتحرك بشراسة وسرعة غير طبيعية بالنسبة لسنّه، كأنه شيطان طالع من المقابر!
ضرب رصاصة جازت جنب كتف سليم المضروب قديم، وسليم اتأوه وسقط على ركبته والمسدس طار من إيده على بعد خطوات!
أبويا قرب منه بابتسامة نصر، ورفع كاتم الصوت على دماغ سليم وهو راكع: “نهاية عيلة الهواري هتكون على إيدي يا ابن الباشا..”
في اللحظة دي.. ما فكرتش في أي حاجة.
مسكت حجر خرساني ثقيل جداً من الدبش المكسور جنب العمود، وخرجت من الضلمة بكل الغل والوجع والصدمة اللي في الدنيا..
صرخت بأعلى صوت عندي: “لاااااااااا!”
وهبدت الحجر بأقصى قوة على إيد أبويا اللي ماسكة المسدس!
المسدس طار، وأبويا صرخ من الوجع ولف وشه ليا وهو مصدوم..
سليم استغل اللحظة، وفي أقل من ثانية، زحف على الأرض، جاب مسدسه، وقام وقف ووجه المسدس مباشرة على صدر أبويا!
المكان رجع ساكن تماماً.. غير صوت نفسنا العالي.
أبويا واقف، إيده مكسورة بتنزل دم، وعينيه مثبتة على سليم وعلى مسدسه.
سليم بص لأبويا، وبعدين بصلي.. وسألني بصوت جهوري وهادي:
“الأمر ليكي يا ندى.. أخلص عليه ولا أسيبه للعدالة؟”
أبويا بصلي بعينه المطفية.. ولأول مرة أشوف في عينه شرارة خوف.
وقفت في النص بين الراجل اللي ادعّى إنه أبويا ودمر حياتي، وبين الراجل اللي حماني بدمه وعرض حياته للموت عشاني..
سحبت نفس طويل، مسحت دموعي بإيدي، وقربت من سليم..
حطيت إيدي على إيد سليم اللي ماسكة المسدس، وبصيت لأبويا في عينه وقلت:
“أبويا الحقيقي مات من خمس سنين يا سليم.. اللي واقف قدامنا ده مجرد مجرم. نزل المسدس.. الشرطة وزارة الداخلية على وشك تتقتحم المكان، البلاغ وصلهم من 10 دقائق.”
في نفس اللحظة، أضواء سيارات الشرطة ضربت من الباب الخلفي للبنك،
وصوت السوا sirens دَوّى في بورتوفيق كلها!
القوات اقتحمت المكان، وأبويا اترما على الأرض واتكلبش وهو بيبصلي بنظرة كره وندم، وجروه بره المبنى مع تحفظ النيابة العامة على الـ 50 مليون دولار والملفات بالكامل.
بعد شهرين..
الشمس كانت طالعة دافية على جنينة قصر الهواري.
أنا واقفة قدام الترابيزة في الصالون الكبير، وحاطة الفنجانين القهوة.. الفنجانين المرة دي مظبوطين بـ وش وسكر خفيف.
سليم دخل، لابس قميصه الأبيض، وشه رجعت له الصحة والابتسامة الهادية.
قرب مني، مسك إيدي وبص في عيني بجمال نقي:
“خلاص يا مدام ندى.. الكابوس انتهى بجد، وكل حاجة رجعت لمكانها الصح.”
ابتسمت وحطيت رأسي على صدره وسمعت دقات قلبه الهادية: “أنا بقيت حاسة بأمان لأول مرة في حياتي يا سليم.”
سليم رفع وشتي بأطراف أصابعه، وطلع من جيبه العلبة القطيفة الحمراء.. فتحها وظهر خاتم الألماس اللي كان شايله ليا.
“دلوقتي.. القصر ده بقى بيتك الحقيقي، ومش كـ شغالة.. كـ ملكة على القصر وعلى قلبي.”
ابتسمت والدموع في عيني بس المرة دي دموع فرحة، وسليم لبسني الخاتم وأخد شفطة من قهوته وقال بضحكته المعتادة:
“وعلى فكرة.. القهوة بسكر خفيف طلعت أحلى بكتير من السادة.”
(النهاية




