روايات وقصص

12 طبيباً لم ينقذوا المعلم ج1 حكايات شروق خالد

١٢ طبيب من أكبر دكاترة مصر ما قدروا يلحقوا المعلم المحتضر—لحد ما الشغالة الغلبانة لقطت اللي التايهة منهم.

١٢ أستاذ طب ودكتور من أكبر استشاريين القصر العيني ومستشفيات النزهة كانوا واقفين حوالين أكتر راجل بيتهاب في القاهرة كلها، بيهزوا رؤوسهم بقلة حيلة. أجهزة طبية بالملايين بتزمر ع الفاضي وهو بيموت ويتصفى قداهم بسبب قاتل مستخفي. الدكاترة سموا الحالة: «فشل حاد متقدم في أجهزة الجسم بدون سبب معلوم».

البنت الصغيرة اللي كانت بتغير ملايات السرير ما كانش معاها حتى شهادة ثانوية. كان كل اللي حيلتها حاجة ماسة لمرتبها اللي بيسترها، وجدة زمان في الصعيد كانت بتزرع في أرضها نفس السم اللي بيدوب أحشاء الراجل من جوة.

صوت صفير أجهزة المتابعة كان شغال بإيقاع بطيء يقطع القلب، وهو اللي فاany جو الكآبة والتوتر على الفيللا كلها في التجمع الخامس. المعلم «ممدوح الجمال» كان بيموت.

الراجل اللي مالوش كبير في عالم السوق، اللي نجا قبل كده من تفجير عربيته، وقضايا كسب غير مشروع، و٣ محاولات اغتيال صريحة من حيتان المنافسين، كان بيتهزم دلوقتي من جوة جسمه. كان مرمي في نص سرير زان متفصل مخصوص، طالع شبه العيل الصغير وسط المرتبة الكبيرة وخرطوم الجلوكوز والمحاليل اللي داخلة في دراعاته.

«نعمة» كانت مثبتة عينها في الأرض ومش رافعة حواجبها حتى. كانت بتجر حتة القماشة المبلولة على الوزرة الخشب بتنظف أرضية الأوضة الماستر. ركبها كانت بتتخلع من الوجع. والجلابية الكستور الرمادي التقيلة اللي لبساها ريحتها كلها كلور ونشا، وكانت بتاكل في رقبتها.

عندها ٢٤ سنة، جثتها مهدودة من التعب، ومالهاش أي حس ولا أثر في المكان. وسط أوضة مليانة رجال بأسلحة ودكاترة بألقاب علمية تقيلة، كانت الشغالة بالنسبة لهم زيها زي حتة الكرسي. وده بالظبط كان سر بقائها على قيد الحياة.

الدكتور رقم ١٢ كان اسمه «دكتور عبد العزيز»، كشفه لوحده كان يدفعلها إيجار شقتها سنة قدام. كان بيملا شنطته الجلد وإيديه بترتعش، وعرقه نازل على وشّه زي المية. قال وهو بيبص لـ «سيد»: «أنا عملت تحاليل السموم ٣ مرات يا سيد بيه. معادن ثقيلة، مادة الريسين، الزرنيخ، الثاليوم، وعملنا مسح للطفيلية الناقلة. جبنا فريق أمراض معدية من أكبر المستشفيات ومافيش أي مؤشر ظاهر! إنزيمات الكبد ناطحة في السحاب، وضربات القلب نازلة لـ ٣٥، والكلى مش قادرة تطلع أي حاجة من اللي مسببة التهاب الجسم ده كله. بس ده مش التهاب بكتيري، ولا هو أي سم من السموم المعروفة!»

«سيد» كان واقف جنب الشباك، قافل ضوء الشمس بضهر عريض. كان دراع المعلم ممدوح اليمين، راجل عبارة عن زوايا حادة وشر مستطير مستني شرارة. بدلته الكحلي المترزية عند أكبر خياط كانت طالعة عليه زي الدرع.

سيد قال بنبرة واطية بس يرعب بلد: «يعني أفهم من كلامك.. إن ١٢ أستاذ من أكبر دكاترة مصر ومش عارفين المعلم ممدوح بيفقد ٥ كيلو كل أسبوع وبيجيب عصارة معدته كل يوم الصبح ليه؟»

دكتور عبد العزيز بلع ريقه بصعوبة: «أنا بقولك إحنا بنعالج الأعراض، لكن السبب نفسه مستخفي عن أحدث الأجهزة. نقدر نخليه على الغسيل الكلوي، ونحاول نظبط نبض القلب بالأتروبين.. بس أجهزة جسمه بتقفل جهاز ورا الثاني. فشل عضوي عام غير معروف السبب.»

المعلم ممدوح اتأوه بصوت مكتوم وطالع بالعافية من شفايفه المتشققة. بص ناحية سيد. حتى وهو مهدود كده، والهالات السودة حافرة تحت عينيه وعضم وشه بارز هيخرم جلده الأصفر، المعلم ممدوح كان ليه هيبة تخوف. ما كانش مجرد كبير.. ده كان كاسر مجنح محبوس في قفص من جسمه اللي بيموت.

«سيد..» ممدوح اتكلم بصوت مزحرج. «سيب الدكتور في حاله.. طالما مش عارف، يبقى خلاص.»

«ده حمار يا معلم! كلهم بهائم وعاملينلي فيها دكاترة!»

«حد وصلك يا معلم.. أكيد علام وبتاع السبتية هم اللي حطولك حاجة.»

ممدوح غمض عينيه وتمتم: «عقولهم أصغر من إنهم يوصلوا لسم ما يكشفوش التحليل الحديث.. مشيه يا سيد، حاسبه ومبشوفش وشه هنا تاني.»

الدكتور عبد العزيز ما صدق، قفل شنطته في ثواني، وخد خطوتين لورا وهو بيهز راسه، وخرج تجري من الأبواب الأرو التقيلة بين اتنين حراس واقفين زي الالمند.

نعمة عصرت القماشة في الباستيلا البلاستيك اللي جنبها. المية بالصابون كانت معكرة. اتنقلت للجزء اللي بعده في الحيطة، وهي موطية راسها وعقلها شغال زي الماكينة.

هم جابوها للأوضة دي من أسبوع بس، وقت ما كشوا باقي شغالات الفيللا وما سابوش حد يطلع الدور الثالث بسبب الخوف والشكوك. سيد كان عاوز أقل عدد ممكن. ونعمة كانت هادية، مالهاش في الشقاوة ولا القضايا، والأهم إن مالهاش ظهر ولا عيلة في القاهرة يتحركوا بيهم ضده. كانت بالنسبة لهم صفحة بيضا.

من طرف عينها، شافت المعلم ممدوح بيضغط على أرنبة مناخيره وبيتأوه من الضوء الخافت اللي داخل من طرف الستارة.

«كل حاجة صفرا..» ممدوح تمتم وهو ضاغط بكفوفه على عينيه. «اقفل الزفت ده يا سيد.. الضوء ده هيفرتك دماغي.»

«الستائر مقفولة يا معلم.. الأوضة كحل!»

ممدوح اتأوه: «يبقى طفي اللمبات دي! طالع منها هالات.. هالات صفرا ومخضرة تعل القلب.. دي جايبالي صداع نصفي هيفرتك دماغي.»

نعمة إيدها وقفت. المسحة وقفت في إيدها فوق الوزرة. هالات صفرا؟ عضت شفتها من جوة.

في آخر ٣ أيام، سمعت المعلم ممدوح بيكرر الكلمة دي كذا مرة. كان بيشتكي من النور، وبيشتكي إن شاشة التلفزيون شكلها مصفَر. الدكاترة قالوا ده من الكبد عشان وظايفه باظت والصفرا عالية وبتأثر على عينيه. بس الصفرا بتخلي بياض العين هو اللي أصفر! ما بتخليش البني آدم يشوف «هالات صفرا وخضرا» حوالين اللمبات!

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى