روايات وقصص

طفلة الخادمة ج1 حكايات شروق خالد

اقترب من المصعد.

“الدور التالت.”

ضغط الزر.

كانت لوسي تضع رأسها على كتفه.

سألها:

“الشقة دي فيها مامتك؟”

قالت:

“أيوه.”

“وفي حد تاني؟”

صمتت.

“لوسي؟”

رفعت رأسها.

ثم همست:

“الراجل اللي بيخوف ماما.”

توقف المصعد.

فتح الباب.

خرج ياسين ببطء.

وصل إلى باب الشقة 3C.

أخرج المفتاح الذي وجدته لوسي.

وأدخله في القفل.

لكن الباب لم يكن مقفولًا.

كان مفتوحًا قليلًا.

نظر ياسين إلى رجاله.

رفع يده.

تقدم أحدهم.

فتح الباب ببطء.

دخل.

ثم توقف.

“يا باشا…”

دخل ياسين.

كانت الشقة شبه فارغة.

لا أثاث.

لا ملابس.

لا صور.

لا أي شيء.

لكن في منتصف الصالة كانت هناك مرتبة صغيرة على الأرض.

وبجانبها طبق طعام لم يُلمس.

اقترب ياسين.

وعلى الحائط أمامه…

كانت هناك صورة.

صورة لمريم.

وبجانبها لوسي.

لكن الشيء الذي جعل الدم يتجمد في عروق ياسين لم يكن الصورة.

بل الكتابة الموجودة أسفلها.

المرحلة الأخيرة بدأت.

رفع ياسين عينيه.

ثم سمع صوتًا خافتًا يأتي من داخل إحدى الغرف.

صوت امرأة.

“لوسي…”

اتسعت عينا الطفلة.

“ماما!”

حاولت النزول من ذراعي ياسين.

لكنه أمسك بها.

“استني.”

رفع ياسين سلاحه.

وتقدم ناحية الصوت.

فتح باب الغرفة.

وكانت مريم هناك.

مقيدة على كرسي.

وجهها شاحب.

وعيناها مغمضتان.

لكنها كانت حية.

فتح ياسين القيود بسرعة.

وفور أن استعادت حريتها، سقطت مريم على الأرض.

جرت لوسي نحوها.

“ماما!”

احتضنتها مريم وهي تبكي.

“لوسي… إنتي كويسة؟”

هزت الطفلة رأسها.

ثم نظرت مريم إلى ياسين.

وفي اللحظة التي رأته فيها…

تغير وجهها بالكامل.

قالت بصوت مرتجف:

“إنت…”

اقترب ياسين.

“إنتي تعرفيني؟”

هزت مريم رأسها.

“لا…”

لكن عينيها قالتا شيئًا آخر.

لاحظ ياسين ذلك.

“إنتي بتكدبي.”

ارتجفت مريم.

ثم قالت:

“أنا آسفة.”

“على إيه؟”

نظرت إلى لوسي.

ثم إلى ياسين.

وقالت الجملة التي جعلت كل شيء يتغير:

“بنتي مش السبب إنك دخلت في الموضوع ده…”

توقفت لحظة.

ثم همست:

“إنت دخلت فيه من عشر سنين.”

تجمد ياسين مكانه.

“إيه؟”

مريم بدأت تبكي.

“أنا كنت موجودة يوم أبوك مات.”

لم يتحرك ياسين.

وكأن العالم كله توقف حوله.

لأن موت والده كان السر الوحيد الذي قضى عشر سنوات يحاول الوصول إلى حقيقته.

والآن…

كانت خادمة فقيرة تحمل طفلًا صغيرًا هي الشخص الذي يملك الإجابة.

لكن قبل أن تتكلم مريم…

انطفأت أنوار الشقة.

وسُمع صوت قفل الباب الرئيسي.

ثم صوت رجل من خلف الباب:

“يا ياسين الجبالي…”

“كان لازم تسيب الصفقة تتم.”

رفع ياسين سلاحه.

وضمّت مريم ابنتها إلى صدرها.

أما الصوت فأكمل:

“لأنك لو عرفت مين قتل أبوك…”

“هتكتشف إن أقرب شخص ليك كان معاه من البداية.”#حكايات_شروق_خالدلم يتحرك ياسين.

ظل واقفًا في الظلام، وسلاحه مرفوع، بينما كان صوت الرجل يأتي من خلف الباب.

“إنت سامعني يا ياسين؟”

لم يرد.

كان يسمع أنفاس مريم خلفه.

ويسمع لوسي وهي تحاول كتم بكائها.

ثم قال الرجل:

“لو عايز مريم وبنتها يفضلوا عايشين، سيب المكان وخلّي الصفقة تتم.”

ابتسم ياسين ابتسامة باردة.

“إنت غلطان.”

سكت الرجل.

قال ياسين:

“إنت اللي لازم تسيب المكان.”

ضحكة قصيرة جاءت من خلف الباب.

“لسه زي ما إنت… مغرور.”

رفع ياسين عينيه نحو رجاله.

كانوا موزعين داخل الشقة.

أشار لهم بيده.

ثم همس:

“متتحركوش.”

اقترب من الباب.

“إنت عارف إني مش هسيب مريم.”

رد الصوت:

“مريم مش أهم حاجة.”

توقف ياسين.

“أمال إيه؟”

“الطفلة.”

شد ياسين قبضته على السلاح.

“إياك تقرب منها.”

“دي مش بنت عادية يا ياسين.”

نظر ياسين إلى لوسي.

كانت مختبئة خلف أمها.

“إنت بتتكلم عن طفلة عندها تلات سنين.”

قال الرجل:

“وأبوها كان عارف قيمتها.”

تجمد ياسين.

“أبوها؟”

صمت الرجل.

ثم قال:

“إنت عمرك ما سألت مريم مين أبو لوسي.”

نظر ياسين إلى مريم.

كانت شاحبة.

“مريم.”

لم ترفع عينيها.

“بصيلي.”

رفعت رأسها ببطء.

“مين أبو لوسي؟”

بدأت دموعها تنزل.

“أنا مكنتش عايزة أخبي عليك.”

“جاوبي.”

ابتلعت ريقها.

“أبوها…”

ترددت.

ثم قالت:

“أخويا.”

قطب ياسين حاجبيه.

“أخوكي؟”

هزت رأسها.

“أخويا الكبير… محمود.”

تغير وجه ياسين.

محمود.

نفس الرجل الذي كان في مكتبه قبل أقل من ساعة.

نفس الرجل الذي حاول إقناعه بإتمام صفقة مجمع النخيل.

ونفس الرجل الذي تغيرت نبرته عندما سأل عن الشقة 3C.

شعر ياسين بأن قطعًا كثيرة من لغز عمره عشر سنوات بدأت تتجمع أمامه.

“محمود أخوكي؟”

قالت مريم:

“أيوه.”

“ومين أبو لوسي الحقيقي؟”

سكتت.

ثم نظرت إلى طفلتها.

“محمود.”

ساد الصمت.

لوسي كانت تنظر إلى أمها دون أن تفهم شيئًا.

أما ياسين فكان عقله يعمل بسرعة.

قال:

“يعني محمود هو أبوها؟”

هزت مريم رأسها.

“أيوه.”

“طب ليه كان بيخطفك؟”

بكت مريم.

“لأني عرفت الحقيقة.”

“حقيقة إيه؟”

نظرت إليه.

“حقيقة موت أبوك.”

توقف ياسين.

قالت مريم:

“أبوك ما ماتش في حادث.”

لم يرمش.

“إيه؟”

“اتقتل.”

تقدم خطوة.

“مين قتله؟”

قالت مريم بصوت مرتجف:

“محمود.”

في اللحظة نفسها، انطلق صوت طلقة من خارج الشقة.

ارتطم شيء بالباب.

صرخت مريم.

وضمت لوسي بقوة.

صرخ أحد رجال ياسين:

“اطفوا النور!”

تحرك الجميع.

وانطلقت رصاصة ثانية.

ثم ثالثة.

لكن ياسين لم يطلق النار.

كان يريد محمود حيًا.

صرخ:

“محدش يضرب!”

أحد رجاله قال:

“بس يا باشا، هما بيحاولوا يدخلوا!”

“قلت محدش يضرب!”

ثم أمسك بيد مريم.

“هنخرج من هنا.”

“مش هينفع.”

“ليه؟”

أشارت إلى الأرض.

“في حاجة لازم تشوفها.”

انحنت مريم بجوار المرتبة، ورفعت طرفها.

كان هناك صندوق معدني صغير.

أخرجته.

وضعته أمام ياسين.

“ده كان عند أبوك.”

فتح ياسين الصندوق.

وجد بداخله هاتف قديم.

ومجموعة صور.

وذاكرة إلكترونية صغيرة.

ومفتاح.

التقط ياسين المفتاح.

عرفه فورًا.

كان مفتاحًا قديمًا لخزنة والده.

قال:

“الخزنة دي لسه موجودة.”

مريم هزت رأسها.

“محمود حاول يلاقيها سنين.”

“وإنتي عرفتي مكانها؟”

“أبوك قال لي قبل ما يموت.”

“فين؟”

اقتربت منه.

وهمست:

“في الفيلا القديمة في المعادي.”

رفع ياسين عينيه.

“ليه ما قولتيليش من عشر سنين؟”

انهارت مريم في البكاء.

“لأني كنت خايفة.”

“من مين؟”

“من محمود.”

ثم أضافت:

“هو قتل أبوك علشان ياخد كل حاجة.”

توقف ياسين.

“كل حاجة؟”

هزت رأسها.

“لا…”

“مش كل حاجة.”

ثم نظرت إلى لوسي.

“كان عايز حاجة واحدة بس.”

“إيه؟”

قالت:

“دفتر الحسابات.”

فتح ياسين عينيه.

“دفتر الحسابات القديم؟”

“أيوه.”

“اللي فيه أسماء كل الناس اللي كانوا شغالين مع العيلة؟”

هزت رأسها.

“والتحويلات.”

ثم قالت:

“والأسماء الحقيقية.”

نظر ياسين إلى الهاتف القديم.

“الدفتر فين؟”

قالت:

“أبوك خبّاه قبل ما يموت.”

“فين؟”

اقتربت مريم أكثر.

“في نفس المكان اللي خبّى فيه دليل إن محمود هو اللي قتله.”

فجأة…

انفتح باب الشقة بقوة.

دخل ثلاثة رجال مسلحين.

رفع رجال ياسين أسلحتهم.

لكن قبل أن يطلق أحدهم النار، ظهر محمود بنفسه عند الباب.

كان يرتدي نفس البدلة التي كان يرتديها في مكالمة الفيديو.

لكن هذه المرة لم يكن هناك أي هدوء في وجهه.

قال:

“كفاية يا ياسين.”

نظر إليه ياسين.

“كنت عارف إنك هتظهر.”

ابتسم محمود.

“يبقى عارف إني مش جاي أقتل حد.”

“أمال جاي تعمل إيه؟”

نظر محمود إلى لوسي.

ثم قال:

“آخد بنتي.”

صرخت مريم:

“مش هتاخدها!”

رفع محمود سلاحه.

“مريم، متخلينيش أندم إني سيبتك عايشة كل السنين دي.”

تقدمت مريم أمام لوسي.

لكن ياسين وقف بينها وبين محمود.

قال بهدوء:

“لو عايزها، لازم تعدي من فوقي.”

ابتسم محمود.

“كنت مستني الجملة دي.”

ثم أشار لأحد رجاله.

فُتح جهاز لوحي صغير.

ظهرت عليه صورة.

صورة لامرأة عجوز.

عرفها ياسين فورًا.

كانت والدته.

قال محمود:

“أمك عندي.”

تجمد ياسين.

“إنت بتكدب.”

“اتصل بيها.”

أعطاه الهاتف.

ظل ياسين واقفًا لثوانٍ.

ثم اتصل.

رن الهاتف.

مرة.

مرتين.

ثلاث مرات.

ثم جاء صوت والدته من الطرف الآخر:

“ياسين؟”

أغمض ياسين عينيه.

قالت:

“إياك تثق في محمود.”

ثم انقطع الاتصال.

نظر ياسين إلى محمود.

ولأول مرة…

اختفت البرودة من عينيه.

وقال:

“إنت كده أعلنت الحرب.”

ضحك محمود.

“الحرب بدأت من عشر سنين يا ابن أخويا.”

ثم أغلق الباب خلفه.

وبقي ياسين واقفًا في منتصف الشقة.

أمامه مريم.

وبجوارها لوسي.

وفي يده دليل قديم يمكن أن يغيّر كل شيء.

لكن قبل أن يتحرك…

اهتز الهاتف القديم الموجود داخل الصندوق.

وصلت رسالة واحدة.

فتحها ياسين.

وكان مكتوبًا فيها:

“لو وصلت للرسالة دي، يبقى محمود خد أمك… لكن خليك فاكر، محمود مش هو العقل المدبر.”

تجمد ياسين.

وتحت الجملة كان هناك اسم واحد.

اسم الشخص الذي لم يشك فيه طوال حياته.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى