روايات وقصص

طفلة الخادمة ج1 حكايات شروق خالد

ضمت الطفلة الأرنب إلى صدرها.

“لوسي.”

“لوسي.”

هزت رأسها.

أشار ياسين إلى المفتاح النحاسي.

“وده؟”

قالت بهدوء:

“البيت.”

كانت الكلمة بالكاد مسموعة.

نظر ياسين إلى المفتاح.

كانت القطعة الزرقاء مخدوشة حتى كادت الكتابة عليها تختفي، لكن بعض الحروف الباهتة كانت لا تزال واضحة.

مجمع النخيل

الشقة 3C

توقف ياسين.

انتقلت عيناه ببطء إلى ملف صفقة التطوير العقاري الموجود على مكتبه.

مجمع النخيل.

كان واحدًا من العقارات الثلاثة الموجودة في الصفقة.

وهو نفس العقار الذي وصفه محمود قبل أقل من خمس دقائق بأنه أصبح شبه خالٍ تمامًا تمهيدًا لإعادة تطويره.

“تم إخلاء العقار تقريبًا بالكامل.”

نظر ياسين إلى لوسي مرة أخرى.

“إنتي ساكنة هناك؟”

قالت:

“البيت.”

قلب ياسين المفتاح بين أصابعه.

الشقة 3C.

ثم نظر إلى الشاشة أمامه.

اقترب محمود من الكاميرا.

“ياسين؟”

رفع ياسين عينيه إليه.

“نعم؟”

قال محمود:

“أيًا كان اللي بيحصل هناك، نقدر نحلّه بعد إتمام الصفقة.”

نظر إليه ياسين طويلًا.

كانت نبرة محمود قد تغيرت.

تغيرت قليلًا فقط.

لكن ياسين قضى معظم حياته في ملاحظة التغيرات الصغيرة.

وكان يعرف أن الرجل الذي يقول الحقيقة لا يحتاج عادةً إلى تغيير نبرة صوته عندما يُسأل سؤالًا بسيطًا.

أما محمود…

فقد فعل.

وفي تلك اللحظة، نظر ياسين إلى الطفلة الصغيرة الجالسة على سجادته، ثم إلى المفتاح الموجود في يدها.

ولأول مرة منذ بداية الاجتماع، لم يعد يفكر في الملايين…

بل بدأ يتساءل:

ماذا يوجد فعلًا داخل الشقة 3C؟

وكان قراره التالي سيكشف سرًا لم يكن أحد مستعدًا لمواجهته.ظل ياسين يحدق في محمود لعدة ثوانٍ دون أن ينطق.

كان الصمت داخل المكتب أثقل من أي تهديد.

ثم قال بهدوء:

“اقفل الصفقة.”

تنفس محمود براحة، لكن ياسين أكمل:

“اقفلها على طول.”

ابتسم محمود.

“تمام.”

“من غير ما تمضي أي ورقة.”

اختفت الابتسامة من وجه محمود.

“بس… إنت قلت—”

“سمعتني.”

سكت محمود.

رفع ياسين عينيه إلى رجال الأمن.

“عايز أعرف كل واحد دخل مجمع النخيل من أول امبارح لحد دلوقتي.”

تحرك أحد الحراس فورًا.

“حاضر يا باشا.”

ثم نظر ياسين إلى الطفلة.

كانت لا تزال جالسة على الأرض، تحرك الأرنب المحشو في حضنها، وكأن كل ما يحدث حولها لا يعنيها.

اقترب منها وجلس على ركبته.

“لوسي.”

رفعت عينيها إليه.

“ماما فين؟”

تغير وجه الطفلة فجأة.

وضمت الأرنب إلى صدرها.

“ماما نايمة.”

عقد ياسين حاجبيه.

“نايمة فين؟”

أشارت ناحية الباب.

“البيت.”

سألها بهدوء:

“وإنتي جيتي هنا إزاي؟”

أشارت إلى الممر.

ثم قالت:

“ماما قالتلي أستخبى.”

تجمد ياسين.

“تستخبي من مين؟”

لم تجب.

“لوسي… مين كان بيجري وراكي؟”

رفعت الطفلة إصبعها الصغير نحو الباب.

“الراجل.”

نظر ياسين إلى الحارس.

“أي راجل؟”

لكن قبل أن يحصل على إجابة، سُمع صوت خطوات سريعة في الممر.

رفع رجال الأمن أسلحتهم فورًا.

أما ياسين فلم يتحرك.

كانت عيناه مثبتتين على الباب.

دخل رجل في منتصف الخمسينيات، يرتدي بدلة رمادية.

كان وجهه متوترًا.

وما إن رأى الطفلة حتى توقف مكانه.

“يا نهار أبيض…”

صرخ:

“لوسي!”

الطفلة انتفضت.

وتراجعت خلف ياسين فورًا.

نظر ياسين إلى الرجل.

“إنت مين؟”

قال الرجل بسرعة:

“أنا مسؤول إدارة العقار يا باشا… البنت دي تبع واحدة من الخدم.”

“اسمها إيه؟”

تردد الرجل.

“مريم.”

نظر ياسين إلى لوسي.

“مامتك اسمها مريم؟”

هزت الطفلة رأسها.

“ماما مريم.”

عاد ياسين ينظر للرجل.

“ومريم فين؟”

بلع الرجل ريقه.

“هي… هي سابت الشغل.”

“إمتى؟”

“من امبارح.”

“وسابت بنتها؟”

لم يرد الرجل.

اقترب ياسين خطوة.

“أنا سألتك سؤال.”

ارتبك الرجل.

“البنت كانت معايا، وبعدين اختفت.”

قالت لوسي فجأة:

“كداب.”

ساد الصمت.

نظر الجميع إليها.

كانت الطفلة الصغيرة تنظر إلى الرجل بعينين مليئتين بالخوف.

ثم أمسكت بيد ياسين.

“هو اللي خد ماما.”

شعر ياسين ببرودة تسري في جسده.

نظر إلى الرجل.

“خد مامتك إزاي يا لوسي؟”

لكن الطفلة لم تستطع الكلام.

بدأت تبكي.

جلس ياسين أمامها فورًا.

“بصيلي.”

رفعت عينيها.

“أنا مش هخلي حد ياخدك.”

مسحت دموعها بيدها الصغيرة.

“وعد؟”

لأول مرة منذ سنوات طويلة، شعر ياسين أن كلمة صغيرة مثل “وعد” أصبحت أثقل من ملايين الجنيهات التي كان يتعامل معها كل يوم.

قال:

“وعد.”

ثم وقف.

ونظر إلى مسؤول العقار.

“خدوه.”

تحرك الحارسان نحوه.

صرخ الرجل:

“استنى يا باشا! أنا معملتش حاجة!”

لكن ياسين لم يرد.

كان قد اتجه بالفعل نحو مكتبه.

فتح ملف صفقة مجمع النخيل.

قلب الأوراق بسرعة.

ثم توقف.

كانت هناك قائمة بأسماء الوحدات التي تم إخلاؤها.

الشقة 3C…

مكتوب أمامها:

خالية.

رفع ياسين رأسه ببطء.

“خالية؟”

نظر إلى مسؤول العقار.

“إنت قلتلي إن الشقة دي خالية.”

لم يرد الرجل.

كرر ياسين:

“قلتلي إن الشقة 3C خالية.”

قال الرجل بصوت مرتجف:

“أيوه يا باشا.”

ضحك ياسين ضحكة قصيرة بلا أي مرح.

“يبقى مين كان ساكن فيها؟”

لم يجب.

فتح ياسين هاتفه واتصل بأحد رجاله.

“عايز عربية قدام البيت فورًا.”

ثم نظر إلى لوسي.

“هنروح لمامتك.”

رفعت الطفلة رأسها.

“ماما نايمة.”

“هصحّيها.”

خرج ياسين من المكتب، والطفلة تمسك بيده.

ولأول مرة، لم يكن رجال الأمن يمشون أمامه.

بل خلفه.

لأن ياسين كان يعرف شيئًا واحدًا.

لو كانت مريم قد اختفت بالفعل…

فالشقة 3C لم تكن مجرد شقة خالية.

كانت مسرح جريمة.

—

بعد عشرين دقيقة، توقفت السيارات أمام مجمع النخيل في القاهرة الجديدة.

نزل ياسين من السيارة.

وكانت لوسي بين ذراعيه.

نظر إلى المبنى الفخم.

كل شيء بدا طبيعيًا.

البواب.

الحراس.

السيارات.

الحدائق.

لكن ياسين كان يعرف أن أخطر الأشياء هي التي تبدو طبيعية.

دخل المبنى.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى