
مريم بصت لها بحزن.
“إنتي مش فاهمة.”
“فاهمة إيه؟”
مريم قربت منها وهمست:
“أبوكي لو عرف الحقيقة، ممكن ناس تأذيه.”
اتجمدت مكاني.
“حقيقة إيه؟”
مريم رفعت عيني عليا.
“الحقيقة اللي في الورقة.”
مديت إيدي.
“وريني.”
هزت راسها.
“مش هنا.”
“فين؟”
“مكان محدش يقدر يسمعنا فيه.”
كنت على وشك أسألها تاني، لكن صوت جرس المدرسة قطع الكلام.
وبدأت البوابة تتقفل.
بصيت ناحية المدرسة.
كل الأطفال تقريبًا مشيوا.
لكن كان فيه مدرس واقف عند البوابة وبيبص علينا.
أول ما شاف مريم، وشه اتغير.
وبدأ يمشي ناحيتنا بسرعة.
مريم شافته.
وفجأة مسكت إيد ليان.
“لازم أمشي.”
المدرس قرب.
“آنسة ليان!”
ليان بصت له.
“أيوه يا مستر سامح؟”
المدرس ابتسم ابتسامة مصطنعة.
“والدك جه ياخدك؟”
رديت:
“أيوه.”
بص لمريم.
وللحظة، بان الرعب في عينيه.
وبعدين رجع ابتسم.
“مين البنت دي؟”
مريم ما ردتش.
أنا رديت:
“دي مريم.”
المدرس بصلي.
“مريم مين؟”
قلت:
“مريم حسن.”
وشه شحب.
كانت لحظة قصيرة جدًا، لكني لاحظتها.
وبعدين قال بسرعة:
“أعتقد إن حضرتك فاهم غلط. البنت دي مالهاش علاقة بالمدرسة.”
طلعت الورقة من إيدي.
“غريبة.”
رفعتها قدامه.
“لأن دي ورقة عليها شعار المدرسة واسمها.”
المدرس مد إيده ياخدها.
لكن سحبتها قبل ما توصل لإيده.
“مش محتاج تشوفها.”
اتوتر.
“يا أستاذ أحمد، الموضوع قديم ومش مهم.”
“إنت عرفت اسمي إزاي؟”
سكت.
نظرت له بثبات.
“أنا أول مرة أشوفك.”
بدأ يتلعثم.
“أنا… أنا شفت حضرتك قبل كده.”
ابتسمت ابتسامة باردة.
“فين؟”
ما ردش.
وفي اللحظة دي، مريم شدت إيدي.
“أستاذ أحمد… لازم نمشي.”
بصيت لها.
“ليه؟”
قبل ما تجاوب، سمعنا صوت عربية بتتحرك بسرعة.
لفيت ناحية الشارع.
العربية الرمادي اللي كان الراجل واقف جنبها بدأت تتحرك.
السواق بتاعي جري خطوتين ناحية العربية.
“يا فندم! العربية دي كانت واقفة من بدري وبتراقبنا.”
مريم اتخضت.
“لا…”
قلت:
“إيه؟”
بصت للعربية وهي بتبعد.
“هما عرفوا إني اتكلمت معاك.”
“مين هما؟”
مريم بدأت تعيط.
“الناس اللي خلوني أسيب المدرسة.”
سألتها:
“إنتي كنتي طالبة هنا؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
“إمتى؟”
“من سنتين.”
“وليه مشيتي؟”
مريم مسحت دموعها بطرف كمها.
“أنا ما مشيتش.”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“هما قالوا إني متُّ.”
حسيت إن الدنيا وقفت.
بصيت لها مش فاهم.
“إيه؟”
مريم طلعت نفس طويل.
“قالوا لأبويا إني مت… وبعدها اختفيت.”
ليان قربت منها وهي مرعوبة.
“إنتي كنتي عايشة؟”
مريم هزت راسها.
“أيوه.”
بصيت للمدرس.
كان واقف مكانه، وشه أصفر.
قلت له:
“إنت كنت تعرفها؟”
ما ردش.
قربت منه خطوة.
“إنت كنت تعرف إن البنت دي عايشة؟”
قال بسرعة:
“أنا معرفش حاجة.”
مريم صرخت:
“كداب!”
المدرس رجع خطوة.
“إنتي مجنونة! ابعدي عني!”
مريم بدأت ترتعش.
وأنا لأول مرة فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من بنت مشردة بتعلم بنتي الرياضيات على الرصيف.
بصيت للورقة مرة تانية.
كان فيها رقم صغير في آخر الصفحة.
رقم ملف.
نفس الرقم اللي كنت شوفته قبل كده.
رقم ملف قديم مرتبط بمراتي.
رفعت عيني ببطء.
“مريم…”
قالت وهي بتبصلي بخوف:
“إيه؟”
قلت:
“إنتي تعرفي مراتي؟”
سكتت.
وبعدين دموعها نزلت.
“أيوه.”
قلبي دق بعنف.
“إزاي؟”
مريم بصت حوالين نفسها، وكأنها خايفة حد يسمعها.
وبصوت مكسور قالت:
“هي آخر واحدة شافتني قبل ما يعلنوا إني مت.”
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
لأن مراتي ماتت من سنتين.
ومريم قالت إنها اختفت من سنتين.
وفي نفس الأسبوع تقريبًا.
لكن قبل ما أقدر أسألها أي سؤال، موبايلها وقع منها على الأرض.
الشاشة نورت.
ظهر عليها تسجيل صوتي قديم.
وعنوان التسجيل كان:
“لما أحمد يعرف الحقيقة.”
بصيت لمريم.
هي شهقت ومدت إيدها بسرعة تاخد الموبايل.
لكن كنت أسرع.
مسكته.
وضغطت تشغيل.
وفي أول ثانية من التسجيل…
سمعت صوت مراتي.
“أحمد… لو التسجيل ده وصلك، يبقى أنا ما قدرتش أحمي مريم.”
اتجمدت.
ليان مسكت إيدي.
ومريم بدأت تبكي.
أما أنا، فكنت واقف في نص الشارع، وبسمع صوت مراتي اللي مات من سنتين، وهي بتقول اسم بنت عمرها كله اتقال لي إنها ماتت.
وفجأة التسجيل كمل:
“ومتثقش في أي حد من المدرسة…”
وبعدها سكت التسجيل.
لثلاث ثواني.
ثم ظهر صوت راجل في الخلفية.
صوت أنا أعرفه كويس.
صوت واحد كان بييجي بيتنا كل أسبوع تقريبًا.
صوت أقرب شخص ليا بعد مراتي.
وأول ما سمعته، عرفت إن الشخص اللي كنت بثق فيه طول السنين…
كان له علاقة باختفاء مريم.
حكايات شروق خالد
فضلت واقف مكاني، والموبايل في إيدي، وصوت الراجل لسه بيرن في ودني.
ما كنتش محتاج أسمع التسجيل تاني.
أنا عارف الصوت ده كويس.
ده صوت حسام فوزي.
شريكي في الشركة.
وأقرب واحد ليا من بعد وفاة مراتي.
الراجل اللي وقف جنبي يوم جنازتها، واللي كان بيقولي كل يوم:
“إنت لازم تركز في بنتك يا أحمد، وسيب الشغل عليا.”
واللي أنا وثقت فيه ثقة عمياء.
بصيت لمريم.
“إنتي عارفة حسام؟”
مريم هزت راسها.
“أيوه.”
“إيه علاقته بيكي؟”
قبل ما تجاوب، موبايلها رن.
مريم بصت للشاشة، واترعبت.
“هو.”
مديت إيدي.
“هاتي الموبايل.”
لكنها رجعت لورا.
“لو عرف إني معاك، هيأذيني.”
الكلمة دي نزلت عليا تقيلة.
“مش هيقدر يقرب منك.”
مريم بصتلي بحزن.
“إنت مش عارف هو عمل إيه.”
“يبقى قوليلي.”
فضلت ساكتة.
ليان قربت منها وقالت:
“مريم، بابا هيحميكي.”
مريم بصت لها، ودموعها نزلت.
“أنا عارفة.”
وبعدين قالت:
“علشان كده كنت مستنياكي.”
بصيت لها باستغراب.
“مستنياني أنا؟”
هزت راسها.
“من شهور.”
“ليه؟”
طلعت من شنطتها صورة قديمة.
مدتها لي.
مسكت الصورة.
كانت لمراتي.
شايلة ليان وهي صغيرة.



