منوعات

ضحكة ليلى ج1 حكايات شروق خالد

بنتي اللي عندها تلات سنين وقفت بين في مصر وابنه اللي عنده ست سنين، بعد ما الولدين بوّظوا مطبخه النضيف اللامع بالصابون والمية. الكل كان متوقع إن ياسين الجارحي فيهم، لكن ليلى بصت في عينيه وهمست:

«أنا كنت عايزة أخليه مبسوط بس… آدم دايمًا زعلان.»

وفجأة، الراجل اللي الناس كانت بتعدّي الناحية التانية من الشارع لما تشوفه، ماعرفش ينطق بكلمة واحدة.

أنا كنت مدبرة بيت ياسين الجارحي، وأول ما شوفته واقف على باب المطبخ، عرفت إن ممكن أخسر كل حاجة.

الصابون كان مغطي أرضية الرخام. والفقاقيع كانت لازقة في الدواليب. وابنه آدم كان واقف مبلول من راسه لرجليه جنب بنتي، وبيضحك ضحكة عمري ما سمعتها منه قبل كده.

لكن أول ما شاف أبوه…

الضحكة اختفت.

وده خوّفني أكتر من تعبير وش ياسين نفسه.

جسم آدم الصغير اتشد، وعينيه نزلت في الأرض. وفي ثواني، رجع تاني للولد الهادي الحذر اللي كنت بشوفه كل يوم وقت العشا.

ياسين بدأ يقرب منهم.

«ليلى…» همست لها.

لكن بنتي وقفت قدام آدم قبل ما ألحق أوصل لها.

كانت عندها تلات سنين بس. ماكنتش فاهمة إن الرجالة الكبار بيخفضوا صوتهم أول ما يقولوا اسم ياسين الجارحي.

قالت له:

«أنا كنت عايزة ألعب مع أخويا الكبير آدم.»

ياسين فضل باصص لها.

ليلى مسحت الصابون من على خدها بإيدها الصغيرة.

وبعدين قالت:

«هو مش بيضحك كتير… أنا كنت عايزاه يبقى مبسوط بس.»

قلبي وقف.

«ليلى!»

جريت عليها ولفيت دراعي حواليها.

«أنا آسفة يا مستر ياسين. هي مش فاهمة هي بتقول إيه. دي لسه عندها تلات سنين. أرجوك.»

لكن ياسين ماكانش باصص لي.

كان باصص لآدم.

ابنه كان بهدوء مادد إيده ومسك إيد ليلى.

الحركة الصغيرة دي غيرت حاجة في ملامح ياسين.

ولثانية واحدة بس، القسوة اختفت من وشه.

وشفت حاجة مستخبية تحتها، حاجة عمري ما توقعت أشوفها في راجل زيه.

الذنب.

لكن بعدها القناع رجع تاني.

قال بصوت بارد:

«الولدين… يطلعوا فوق.»

آدم أطاعه فورًا، ولسه ماسك إيد ليلى.

وهم معدّيين من جنبي، لاحظت حاجة وجعت قلبي.

آدم كان متقدم عنها خطوة، كأنه شايف إن لازم يحميها من أبوه هو نفسه.

وياسين لاحظ ده كمان.

أول ما الولدين اختفوا على السلم، لف ناحيتي.

«إنتِ هنا عشان تشتغلي، يا سارة. بنتك مش موجودة هنا عشان تفسد حياة ابني.»

«حاضر يا مستر ياسين.»

«مش عايز أشوف ألعاب زي دي تاني.»

«حاضر يا فندم.»

كنت متوقعة إنه يطردني.

لكن بدل كده، دخل مكتبه وخبط الباب وراه .

ركعت على الأرض وبدأت أمسح الصابون من على الرخام، وأنا بحاول أخلي إيديا المرتعشة تفضل تتحرك.

وبعدين، وسط سكون الفيلا الضخمة في التجمع الخامس، سمعت صوت جاي من ورا باب مكتب ياسين المقفول.

مش صريخ.

ولا صوت تكسير إزاز.

كان صوت هادي لدرجة إني كدت أقنع نفسي إني اتخيلته.

أخطر راجل في مصر…

كان بيعيط.

وماكنتش أعرف إن بنتي اللي عندها تلات سنين كانت لسه كاشفة السر اللي ياسين قضى سنين طويلة وهو بيدفنه جواه.

حكايات شروق خالد

فضلت واقفة قدام باب المكتب، مش عارفة أعمل إيه.

الصوت اللي سمعته كان لسه بيرن في ودني.

ياسين الجارحي… الراجل اللي كل الناس بتخاف منه، واللي محدش يجرؤ يعلي صوته قدامه… كان بيعيط.

حاولت أبعد عن الباب، لكن قبل ما أخطو خطوة، الباب اتفتح فجأة.

ياسين كان واقف قدامي.

وشه رجع جامد زي ما اتعودت أشوفه، لكن عينيه كانت حمرا.

بص لي ثواني طويلة، وبعدين قال:

«إنتِ سمعتي حاجة؟»

بلعت ريقي.

«لا يا فندم.»

فضل باصص لي كأنه بيحاول يعرف أنا بكذب ولا لأ.

وبعدين قال بهدوء:

«كويس.»

ولف عشان يدخل تاني.

لكن في اللحظة دي، صوت ليلى جه من فوق.

«مامااا!»

جريت ناحية السلم.

«ليلى! حصل إيه؟»

لقيتها نازلة وهي ماسكة إيد آدم.

آدم كان ساكت، لكن عينيه مليانة .

قربت منه.

«مالك يا حبيبي؟»

ما ردش.

ليلى بصت لياسين وقالت بكل براءة:

«بابا آدم زعق له.»

ياسين اتجمد.

أنا بصيت له.

«مين بابا آدم؟»

لأول مرة، شفت الخوف في عيني ياسين.

قرب بسرعة من ابنه.

«آدم… مين قالك الكلمة دي؟»

الولد هز راسه.

«ماما.»

الصمت وقع على المكان.

ياسين رجع خطوة.

«مامتك قالت لك إيه؟»

آدم رفع عينيه له وقال بصوت صغير:

«قالت إنك السبب في موت بابا.»

أنا شهقت.

لكن ياسين ما اتحركش.

فضل ثابت مكانه كأنه اتلقى .

وبعدين سأل:

«فين مامتك؟»

آدم أشار ناحية صورة كبيرة معلقة في آخر الطرقة.

كانت صورة ست جميلة، واقفة جنب ياسين في حفل قديم.

أنا كنت شفت الصورة دي قبل كده.

بس عمري ما سألت عنها.

ياسين مشي ناحية الصورة ببطء.

رفع إيده ولمس الزجاج.

وقال بصوت مكسور:

«أمك ماتت وهي بتكرهني…»

آدم قرب منه.

«هي قالت إنك بابا.»

ياسين قفل عينيه.

«أنا أبوك.»

وبعدين بص لابنه وقال:

«بس أنا كنت السبب في إنه .»

.«مستر ياسين…»

لف لي.

«إنتِ مالكيش دعوة.»

لكن ليلى قربت منه ومدت إيدها الصغيرة.

«إنت زعلان؟»

ياسين بص لإيدها.

وبعدين بص في عينيها.

«آه.»

ليلى مسكت صباعه.

«طيب ماتزعلش.»

لثواني، محدش اتكلم.

وبعدين حصلت حاجة ماكنتش أتوقعها.

ياسين نزل على ركبته قدام بنتي.

الراجل اللي عمره ما ركع لحد… نزل لمستوى طفلة صغيرة.

وقال لها:

«إنتِ ليه بتحاولي تخلي آدم مبسوط؟»

ليلى ابتسمت.

«عشان هو صاحبي.»

«بس هو ابني.»

«ما هو صاحبي برضه.»

ياسين لأول مرة ابتسم.

ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها كانت حقيقية.

آدم قرب منهم.

وبص لأبوه وقال:

«بابا… ممكن ألعب مع ليلى بكرة؟»

ياسين بص له فترة.

وبعدين قال:

«كل يوم.»

آدم ابتسم.

أما أنا، ففضلت واقفة مش مصدقة اللي بشوفه.

لكن فرحتي ماكملتش.

لأن في اللحظة دي، موبايل ياسين رن.

طلع الموبايل وبص للشاشة.

ملامحه اتغيرت فورًا.

رد:

«اتكلم.»

صوت الراجل اللي على الطرف التاني كان واضح إنه بيقول خبر .

ياسين سكت.

وبعدين قال:

«إنت متأكد؟»

سكت تاني.

«مين؟»

ثواني.

وبعدين رفع عينه ناحيتي.

أنا اتوترت.

«مين يا فندم؟»

قفل المكالمة.

وقال:

«أبو آدم ما ماتش.»

جسمي كله اتجمد.

«إيه؟»

ياسين بص لابنه.

«الرجل اللي كنا فاكرين إنه من ست سنين… ظهر من جديد.»

وبعدين بص لي.

«والخبر الأسوأ… إنه بيدور على ابنه.»

آدم مسك إيد ليلى.

وفي نفس اللحظة، كل أنوار الفيلا انطفت.

وسمعنا صوت عربية بتقف قدام البوابة.

ثم صوت حارس بيصرخ:

«يا ياسين بيه! في عربيات داخلة علينا!»

ياسين وقف فورًا.

اختفت كل مشاعر الأب من وشه.

ورجع الرجل اللي كانت كل الناس بتخاف منه.

مسك إيد آدم، وبص لي وقال:

«خدي بنتك واطلعي الأوضة. ومهما حصل… ماتفتحيش الباب.»

لكن قبل ما أتحرك، دوّى صوت في الخارج.

ليلى صرخت.

وآدم استخبى ورايا.

وياسين وقف قدامنا.

ولأول مرة فهمت إن الليلة دي مش مجرد ليلة انكشاف أسرار.

دي كانت بداية …

والحرب دي كان هدفها الحقيقي طفل عنده ست سنين.

حكايات شروق خالد

اص خلّى الفيلا كلها تهتز.

ليلى اتعلقت في هدومي وهي بتعيط، وآدم كان مستخبي ورا ضهري، بينما ياسين اتحرك بسرعة قدامنا.

«سارة، خدي الولدين واطلعي فوق حالًا!»

«بس إنت؟»

بص لي بنظرة حاسمة.

«أنا هتعامل معاهم.»

جريت ناحية السلم، لكن قبل ما أوصل، اتسمع صوت زجاج بيتكسر من الناحية التانية للفيلا.

آدم صرخ:

«بابا!»

ياسين لف له.

وللحظة، شفت حاجة غريبة في عينيه.

الخوف.

مش على نفسه…

على ابنه.

جري ياسين ناحيتنا، وشال آدم بإيد، ومد إيده التانية لليلى.

«تعالوا ورايا.»

دخلنا ممر جانبي، وفتح باب مخفي في الحائط.

دخلنا غرفة صغيرة تحت السلم.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى