
لكن عينيه ماكانوش شايفينها.
السم دمر سيطرته.
الوحش اللي جواه سيطر عليه.
وكان بيدور على حاجة واحدة.
الحاجة الوحيدة اللي تقدر تهديه.
وفجأة نورهان سمعت صوت.
مش من بقه.
الصوت كان جوا دماغها.
كلمة واحدة.
“بتاعتي.”
نورهان ما لحقتش تفهم.
ألم رهيب انفجر في كتفها.
أنيابه غرست في جلدها.
صرخت بكل قوتها.
لكن اللي حصل بعدها كان أغرب من الألم نفسه.
حست بحاجة قديمة بتصحى جواها.
رابطة.
اتصال.
حاجة مالهاش تفسير.
حاجة أقدم من سليم نفسه.
وفجأة…
سم الفضة بدأ يخرج من جسم سليم.
لكن في نفس اللحظة، قوة غريبة دخلت جسم نورهان.
حياتهم اتربطت.
أنفاسهم اتوصلت.
وأرواحهم بقت مربوطة ببعض.
وقبل ما الظلام ياخدها، فهمت الحقيقة اللي مستحيل عقلها يصدقها.
سليم ماعضهاش وبس.
هو اختارها.
وبعد ساعات…
نورهان فتحت عينيها على ضوء الشمس.
للحظة افتكرت إن كل اللي حصل كان كابوس.
لكن أول ما حركت كتفها…
صرخت من الوجع.
حطت إيدها عليه.
البيت كان مقلوب.
البرطمانات المكسورة مالية الأرض.
الكرسي مقلوب.
والباب متكسر.
لكن سليم الهلالي…
اختفى.
نورهان قامت بسرعة.
بصت حوالين المكان.
“راح فين؟”
وبعدين عينيها وقعت على المراية.
اتجمدت.
نَفَسها اتقطع.
تحت عظمة صدرها مباشرة، كان فيه رمز ذهبي متوهج.
ذئب واقف تحت هلال.
علامة السيادة.
علامة ملك الألفا.
نورهان لمستها بإيد مرتعشة.
“لا…”
العلامة كانت بتحرق جلدها.
الإنسانة مستحيل تحمل علامة ملك الألفا.
والإنسانة اللي ترتبط بملك ألفا…
ممنوعة.
نورهان جريت تجيب شنطتها.
لازم تمشي.
لازم تختفي.
قبل ما الديابة يوصلوا لها.
وقبل ما سليم يرجع.
لكنها ما لحقتش.
صوت عربية وقف قدام البيت.
وبعدها عربية تانية.
نورهان قربت من الشباك.
راجلين نزلوا.
الأول كان أمين الشرطة المسؤول عن المنطقة.
أما التاني…
فأول ما شافته، قلبها وقف.
مراد رشدي.
ذراع سليم اليمين.
أقرب رجاله له.
الراجل اللي الناس كلها كانت بتقول إنه مستحيل يخون ملكه.
لكن نورهان لاحظت حاجة.
جزمة مراد كان عليها تراب لونه فضي.
نفس السم.
نفس المادة اللي كانت تقريبًا قتلت سليم.
قلب نورهان اتقبض.
الهجوم ماجاش من عدو.
الخيانة كانت من جوه جماعتهم.
خبطة قوية ضربت الباب.
وصوت مراد جه من بره:
“يا آنسة نورهان…”
صوته كان هادي.
هادي بشكل يخوف.
“إحنا عارفين إن حد كان هنا امبارح بالليل.”
نورهان بصت للعلامة اللي كانت بتحرق جلدها تحت هدومها.
عرفت إن قدامها ثواني.
لأن أول ما مراد يعرف العلامة اللي على جسمها…
حياتها هتتحول لجحيم.
لكن قبل ما الباب يتفتح…
حصل المستحيل.
زئير مرعب انفجر من وسط الجبل.
زئير قوي لدرجة إن شبابيك البيت كلها اهتزت.
مراد اتجمد.
وأمين الشرطة رجع خطوة للخلف.
أما نورهان…
فحست بعلامة الملك على جلدها بتشتعل.
لأن حد كان جاي.
حد حاسس بوجعها.
حد عارف مكانها بالظبط.
ملك الألفا رجع.
لكن المرة دي…
ما رجعش عشان ينقذ نفسه.
رجع عشان ياخد مراته.
مراته اللي اختارها القدر له…
حكايات شروق خالد
الزئير التاني دوّى أقرب.
مراد رفع عينه ناحية الجبل، ولأول مرة ملامح الخوف ظهرت على وشه.
“مستحيل…”
أمين الشرطة بص له بتوتر.
“في إيه؟”
مراد ما ردش.
كان سامع حاجة محدش غيره قادر يسمعها.
خطوات.
تقيلة.
منتظمة.
بتقرب من البيت.
نورهان رجعت لورا وهي حابسة نفسها بالعافية.
الباب اتخبط مرة واحدة…
وبعدها اتخلع من مكانه.
مراد اتراجع.
وفي فتحة الباب ظهر سليم.
لكن مش سليم اللي شافته نورهان بالليل.
كان لابس هدوم سودا، وشعره مبلول، ووشه هادي بشكل مخيف.
الجرح اللي كان في صدره اختفى.
ولا أثر للسم.
ولا أثر للرجل اللي كان بيموت من كام ساعة.
عينيه الذهبيتين ثبتوا على نورهان.
وبمجرد ما شاف العلامة اللي تحت هدومها، فكه اتشد.
“مين لمسها؟”
صوته كان واطي.
لكن البيت كله سكت.
مراد حاول يتماسك.
“سليم، اسمعني…”
سليم لف له ببطء.
“أنا سألت مين لمسها؟”
مراد بلع ريقه.
“محدش.”
سليم ابتسم ابتسامة باردة.
“كداب.”
وفي ثانية واحدة كان واقف قدامه.
مراد ما لحقش حتى يرفع إيده.
سليم مسكه من رقبته ورفعه عن الأرض.
“سم الفضة كان في دمه.”
مراد بدأ يختنق.
“مش أنا…”
“وأنا لقيت نفس السم على جزمتك.”
نورهان قربت خطوة.
“سليم… استنى.”
سليم بص لها.
وفجأة كل الغضب اللي كان في عينيه اختفى.
ساب مراد يقع على الأرض.
وبص لنورهان.
“إنتِ كويسة؟”
نورهان ضحكت بسخرية من شدة خوفها.
“كويسة؟ إنت عضيتني، وطلعت لي علامة غريبة في صدري، وبتقول عليا مراتك، وفي رجالة بتدور عليا… وتسألني كويسة؟”
سليم قرب منها.
نورهان رجعت خطوة.
“ماتقربش.”
وقف مكانه.
ولأول مرة ظهر على وشه شيء يشبه الوجع.
“أنا ماكنتش مسيطر على نفسي.”
“بس العلامة ظهرت.”
سليم سكت.
نورهان رفعت إيدها ناحية صدرها.
“يعني إيه أنا مراتك؟”
مراد، اللي كان واقع على الأرض، ضحك ضحكة خافتة.
“هي لسه ما تعرفش؟”
سليم بص له بحدة.
لكن مراد كمل:
“قول لها يا سليم… قول لها إن العلامة دي مش مجرد رابطة.”
نورهان بصت بينهم.
“قول لي.”
سليم أخد نفس عميق.
“العلامة دي معناها إنك ملكة.”
نورهان هزت راسها.
“ملكة إيه؟”
“ملكة جماعة الذئاب.”
سكتت لحظة.
وبعدين ضحكت.
“إنتوا مجانين.”
سليم قرب خطوة.
“أنا كنت فاكر إنك إنسانة.”
نورهان اتجمدت.
“إيه؟”
“لكن اللي حصل امبارح كشف الحقيقة.”
سليم لمس العلامة من فوق هدومها.
في اللحظة دي العلامة أضاءت بقوة.
نورهان شهقت.
وصورة غريبة ضربت دماغها.
غابة.
قمر كامل.
مئات الذئاب راكعة على الأرض.
وجدتها زينب واقفة قدام امرأة غريبة، والمرأة دي كانت شايلة طفلة صغيرة.
نورهان شافت نفسها.
سمعت صوت جدتها:
“خبّيها… لو عرفوا إنها آخر واحدة من سلالة الملكات، هيقتلوها قبل ما تكبر.”
نورهان فتحت عينيها فجأة.
“جدتي…”
سليم بص لها.
“إنتِ من سلالة الملكات.”
دموع نورهان نزلت من غير ما تحس.
كل الأسرار.
كل التحذيرات.
كل اللي جدتها كانت بتخبيه عنها…
بدأ ياخد معنى.
مراد وقف ببطء.
وقال:
“وعشان كده أنا جيت هنا.”
سليم لف له.
“إنت؟”
مراد ابتسم.
“مش عشان أقتلها.”
نورهان بصت له باستغراب.
“أمال عشان إيه؟”
مراد بص لسليم.
“عشان أحذرك.”
“من مين؟”
مراد قالها بهدوء:
“من مجلس الشيوخ.”
سليم سكت.
مراد كمل:
“هما عرفوا إن الملكة ظهرت.”
الجو اتغير.
سليم قبض إيده.
“إزاي؟”
“لأن العلامة ظهرت عليك.”
نورهان بصت لسليم.
مراد قال:
“وفيه قانون قديم بيقول إن الملكة لو ظهرت، لازم تختار بين ملك الألفا وبين المجلس.”
نورهان سألت بصوت مرتعش:
“ولو اخترت إيه؟”
مراد بص لها.
“لو اخترتي سليم… المجلس هيعلن الحرب.”
سليم رد من غير تردد:
“خليهم يعلنوا.”
مراد هز راسه.
“إنت مش فاهم.”
“أنا فاهم.”
“لا… إنت مش فاهم إن الحرب دي مش هتكون على الجماعة.”
مراد بص لنورهان.
“هتكون عليها هي.”
نورهان حسّت بقلبها بيقع.
سليم وقف قدامها، وحجبها بجسمه.
“أي حد يقرب منها…”
عيناه بقتا ذهبية.
“…هيكون أعلن الحرب عليا.”
وفجأة من بعيد بدأت أصوات الذئاب تعلى.
واحد.
اتنين.
عشرات.
وبعدين مئات.
نورهان قربت من الشباك.
على سفح الجبل، كانت عشرات الأعين الذهبية بتلمع وسط الظلام.
وكانوا كلهم راكعين.
سليم وقف جنبها.
وقال:
“هم مش جايين يحاربوا.”
نورهان بصت له.
“أمال جايين ليه؟”
سليم ابتسم.
“جايين يبايعوا ملكتهم.”
لكن قبل ما نورهان تستوعب…
صوت رصاصة دوّى في الجبل.
وسليم وقع على ركبته.
نورهان صرخت.
“سليم!”
رصاصة تانية ضربت الحائط جنب رأسها.
مراد صرخ:
“اهربي!”
ومن فوق الجبل ظهر عشرات الرجال المسلحين.
لكن أخطر حاجة كانت إنهم ماكانوش بشر.
كانوا ذئاب من جماعة تانية.
وراءهم وقف رجل عجوز، شعره أبيض وعينه فضية.
رفع إيده.
كل الذئاب سكتت.
وبص لنورهان.
“أخيرًا…”
صوته وصل رغم المسافة.
“لقيت بنت أختي.”
نورهان اتجمدت.
سليم رفع رأسه بصعوبة.
“مين إنت؟”
العجوز ابتسم.
“أنا جلال الهلالي.”
سليم اتسمر مكانه.
مراد شهق.
“أخوه…”
نورهان بصت لسليم.
“إنت عندك عم؟”
جلال ضحك.
“مش عمها وبس.”
وبص لنورهان.
“أنا آخر واحد يعرف الحقيقة الكاملة عن أمك.”
نورهان حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
لأن أمها…
كانت طول عمرها فاكرة إنها ماتت وهي صغيرة.
وجلال قال الجملة اللي قلبت حياتها كلها:
“أمك ما ماتتش يا نورهان.”
سليم قام رغم الرصاصة.
“إنت بتكدب.”
جلال ابتسم.
“لو عايز تعرف الحقيقة…”
وبص لنورهان.
“تعالي معايا.”
سليم وقف قدامها.
“مش هتروح في حتة.”
جلال رد:
“لو فضلت معاها، مش هتعرف أبدًا إن أمها عايشة.”
نورهان بصت لسليم.
ثم بصت للجبل.
ولأول مرة في حياتها…
كان قدامها اختيار يخليها تخسر كل حاجة.
أو تعرف الحقيقة اللي جدتها دفنتها عنها سنين.
مدت إيدها ناحية سليم.
لكن قبل ما تلمس إيده…
سمعت صوت امرأة من بعيد.
صوت كانت تعرفه.
صوت مستحيل تنساه.
“نورهان…”
اتجمدت.
وسليم بص للجبل.
المرأة ظهرت بين الأشجار.
نورهان حطت إيدها على بوقها.
“ماما؟”
المرأة وقفت تحت ضوء القمر.
وعينيها…
كانوا ذهبيين.
وقالت:
“بنتي…”
حكايات شروق خالد
نورهان فضلت واقفة مكانها.
شفايفها كانت بتترعش.
“ماما؟”
الست قربت خطوة.
نورهان كانت عايزة تجري عليها، لكن رجليها ما اتحركتش.
سنين كاملة وهي فاكرة إن أمها ماتت.
سنين وهي بتعيش على صورة قديمة مخبيّاها جدتها في صندوق خشب.
وسنين وهي بتصدق إن مفيش حد في الدنيا يخصها غير ذكريات جدتها.
لكن الست اللي قدامها كانت هي.
نفس العينين.
نفس شكل الأنف.
حتى الندبة الصغيرة اللي فوق حاجبها الشمال…
نورهان شافتها وهي طفلة.
“إنتِ…”
صوتها انكسر.
“إنتِ أمي بجد؟”
المرأة دموعها نزلت.
“أيوه يا نورهان.”
نورهان جريت عليها.
لكن قبل ما توصل لها، سليم مسك إيدها.
“استني.”
نورهان بصت له بعصبية.
“دي أمي!”
سليم ما بصش لها.
كان مركز على المرأة.
“لو إنتِ أم نورهان… ليه سبتيها؟”
المرأة سكتت.
جلال تقدم من وراها.
“لأن لو كانت فضلت معاها، كانت ماتت.”
نورهان بصت له.
“ماتت ليه؟”
جلال رد:




