روايات وقصص

قلب الزعيم ج1 حكايات شروق خالد

«بلاش تصحيها يا باشا»—هكذا همس الحارس، ثم تعرف صاحب النفوذ على الرضيع الذي بين ذراعيها

«بلاش تصحيها يا باشا.»

وقف “فارس السويفي” قدام الباب الحديد.

“عماد” ده كان بيمشي وسط المواقف الصعبة ولا كأن بيحصل حاجة، لكن دلوقتي، الراجل الكبير في السن بدا كأنه بيترجاه تقريباً.

ورا الباب ده كانت الأوضة رقم أربعة—أوضة البدروم المعزولة للصوت اللي رجالة فارس بيودوا فيها المحتجزين لما يحبوا يعرفوا كلام محدش يستحمله فوق.

النهاردة، جابوله مشتبه بهم.

أو على الأقل، ده اللي هم قالوه.

لاقوا واحدة جوه حاوية شحن في ميناء الإسكندرية. واحدة قاومت جامد لما حاولوا يشدوها بره.

عماد كان قطع على فارس قعدته في الشقة الكبيرة بجملة واحدة:

«أظن لازم تنزل تشوف هما عملوا إيه.»

ودلوقتي، فارس كان واقف في ممر ريحته كلور وخرسانة طرية، وسامع صوت تزييق حديد خفيف جاي من الناحية التانية.

زق الباب وفتح.

أول حاجة شافها كانت أثر على بلوفر رمادي لابسه بنت صغيرة.

شكلها كده متعدش خمسة وعشرين سنة. الطين مالي بنطلونها الجينز. وكتف البلوفر مقطوع، وفيه زرقاء ممدودة من خدها لحد عينيها.

كانت نايمة متدلية على السرير الضيق، وإيديها الاتنين قافلين جامد على حاجة تحت بالطو مبهذل.

وحتى وهي نايمة، كانت ضامّاه لصدرها كأن حد هيحاول يخطفه منها.

وفجأة، طلعت إيد صغيرة صغنونة.

فارس وقف مكانه.

طفل رضيع.

رجاله رموا ست ورضيع في الأوضة رقم أربعة.

قرب أكتر. كان نفسها بيترعش من التعب، بس دراعاتها مَحَلّتش أبداً. كانت لافة نفسها حوالين الطفل، ومتحملة برد البدروم في جسمها هي.

البطو اللي حوالين الرضيع كان كشمير غالي قوي. فارس عرف الزراير النحاس، والقصة، ووزن القماش. بطنه اتقبضت. ركع جنب السرير ورفع بالراحة طية من على وش الطفل. فيه حاجة فضية لمعت تحت نور اللمبة الفلورسنت.

#حكايات_شروق_خالد

#حصري_علي_الصغحه

سلسة فضية رفيعة كانت عاكسة النور، وفي نهايتها دلاية صغيرة… دلاية هو كان يعرفها كويس قوي، ومستحيل ينسى شكلها.

عقله تشوش للحظة. مستحيل. دي كانت المفروض تكون بعيدة عن هنا تماماً، مع حد تاني خالص.

بص للبنت وهي نايمة، وبص للطفل اللي في حضنها، وقلبه حس بنغزة غريبة لأول مرة من سنين طويلة. البرود والجبروت اللي بنى حواليهم إمبراطوريتها تهدموا في ثواني قدام المنظر ده.

رفع عينه لعماد وسأله بصوت منخفض خشن، كأنه طالع من بير سلم قديم:

«لقيتوها فين بالظبط يا عماد؟ ومن إمتى وهي جوه الحاوية؟»

عماد بلع ريقه ورد بصوت مكسور:

«لقيناها متدارية تحت بضاعة غير معلنة في آخر الحاوية يا باشا.. شكلها كانت هاربة من ناس تانيين.. ناس مش هترحمها لو لقوها.»

فارس قرب أكتر، مد إيده ببطء شديد كأنه خايف يفزّعها، وحرك خصلة من الشعر المبلل عن وش البنت المجروح. وعينيه اتملت بنظرة ما حدش من رجاله شافها عليه قبل كده.. نظرة فيها غضب أعمى ووجع قديم.

وبصوت واطي جداً، قال:

«صحّي الدكتور.. وهاتولي العربية فوراً. المرة دي.. الحساب هيبقى مختلف مع الكل.»

#حكايات_شروق_خالد

#حصري_علي_الصغحه

عماد اهتز رأسه بسرعة، وخرج من الأوضة بخطوات واسعة ومرتبكة، وساب فارس لوحده مع البنت والرضيع في السقيع والريحة المكتومة.

فارس نزل على ركبتيه الاتنين على أرضية البدروم الخرسانية، غير مهتم بالوساخة ولا بالأثر. مد إيده بحذر شديد وطلع سلسلة الفضة اللي كانت محشورة جوه قماش البالطو الكشمير. الدلاية كانت عبارة عن نصف قلب منقوش عليه حرفين، والنص التاني… النص التاني كان موجود في جيبه هو شخصياً من الليلة اللي اتشال فيها كل شيء عزيز عليه.

صدره ضاق فجأة كأن حد عصر قلبه بإيده. البنت دي مش مجرد مشتبه بها لاقوها صدفة في الميناء. دي واحدة شايلة سره، أو على الأقل… شايلة السر اللي قعد سنين يحارب علشانه.

حرك البالطو شوية كمان عشان يشمل وش الطفل كويس تحت النور الضعيف. عيون الطفل كانت مغمضة، وبشرته بيضا وصافية زي الحرير، وسط كل السواد والتراب ده كله. وفجأة، طفل الصغير فتح عيونه ببطء شديد.

عيون عسلية… نفس عيون مراته اللي راحت من سنين، أو يمكن أخته اللي ضاعت في زحمة الصراعات والفلوس.

البنت اللي على السرير بدأت تتململ وتحرك إيديها بضعف، ونطقت بصوت تائه وناشف من العطش:

«م… متخليهمش… ياخدوه مني…»

فارس قبض إيده بقوة لدرجة أن عروقه بارت، وبص لها بعيون تلمع بغضب طوفاني وقال بصوت حاسم يزلزل الأوضة:

«محدش هيقدر يقرب منه.. ولا يقرب منك إنتِ كمان. اعتبري نفسك خرجتي من المكان ده خلاص.»

برا في الممر، سُمع صوت خطوات بتجري، ورجع عماد ومعاه الدكتور الخاص بالعيلة وشنطة الإسعافات، وهما مش مصدقين إن الزعيم بنفسه بيحمي واحدة غريبة جوه أوضة خاصة.

فارس وقف، وعدّل جاكيته ببرود مرعب، وبص لعماد وقال بصوت هادئ ومخيف:

«جهّز رجالتك كلها. السهرة النهاردة مش هتكون في البدروم.. السهرة هتكون عند الناس اللي بعتوها هنا.»

#حكايات_شروق_خالد

#حصري_علي_الصغحه

الباب اتفتح على مصراعيه ودخل الدكتور “سيد” بخطوات سريعة وشنطته في إيده، وبص باستغراب شديد للمنظر: صاحب النفوذ المرعب واقف بنفسه جوه أوضة خاصة بيحمي بنت مصابة ورضيع.

دكتور سيد جري على السرير وطلع كشاف صغير عشان يفحص عيون البنت، وقال بصوت قلق:

«نبضها ضعيف يا باشا، وعنده هبوط حاد من الجوع والعطش.. ولازم تنقل المستشفى حالاً، الجو هنا ممكن يخلص على حياتهم في ساعات.»

فارس هز راسه برفض قاطع وقال بصوت حاسم:

«مستشفى لأ.. الأماكن دي مكشوفة وكلاب الحراسة بتوع المنافسين في كل حتة. خدهما على الفيلا بتاعتي في المقطم، جهّز أوضتها فوق، وخلّي الممرضة الخاصة تيجي فوراً.»

دكتور سيد بلع ريقه بتوتر وهو بيحاول يطمن البنت ويطلع محلول ملحي:

«حاضر يا باشا.. بس لازم ندفّيها ونغير لها الأثر الأول عشان الالتهاب ما يعملش مضاعفات.»

فارس بص للرضيع اللي رجع نام تاني بحضن أمه، ورجع بص لعماد اللي كان واقف على باب الأوضة بينتظر الأوامر.

«عماد..» قال فارس بصوت واطي لكنه مليان شرر.

«أنا سامعك يا باشا.»

«العربية تكون جاهزة قدام الباب الخلفي خلال خمس دقايق.. وعايز رجالة الصاعقة القديمة بتوعنا متوزعين حوالين العربية. اللي حصل في الميناء ده مش صدفة، فيه خائن بينا هو اللي سهّل دخولها الميناء ووصلها لحد هنا من غير ما نعرف.»

عماد عيونه وسعت بصدمة وقال:

«تقصد إن…»

«أقصد إن فيه ثعبان وسطنا، وهنخلص منه الليلة قبل الصبح.»

فارس مد إيده بحذر وشال الطفل بهدوء شديد كأنه بيشيل أثمن جوهرة في الدنيا، وحطه على صدره وهو بيبص للبنت اللي بدأ breathing بتاعه يستقر شوية بعد ما شعرت بالأمان المؤقت.

ركب العربية المصفحة وهي ماشية في وسط الليل الهادئ، وكان واخد قراره النهائي: اللي تجرأ وقرب من السر ده، هيخليه يتمنى لو ابتعد من زمان.

#حكايات_شروق_خالد

#حصري_علي_الصغحه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى