
فارس ضغط على شاشة الموبايل ببطء، وفتح قائمة المكالمات الصادرة والواردة، وبص للرقم الدولي اللي عليه آخر مكالمة. ابتسامته الباردة زادت وسع، وطلب رقم من ثلاث أرقام بصوت هادئ لكنه يحمل أمر لا يُرد:
«هات لي الملازم طارق.. حالاً.»
بعد ثوانٍ معدودة، جاء صوت ضابط الشرطة الكبير الذي كان يدين لفارس بالكثير من الخدمات تحت الطاولة:
«أمرك يا باشا.. ليلة غريبة دي، سمعت عن كمين الدائري.. كله تمام؟»
فارس رد بصوت جاف وحاسم:
«رجالة “سليم العزبي” هما اللي عملوها يا طارق.. وعايزك تتحرك دلوقتي حالا. تقفل كل حساباته، وتجيب لي تصريح تفتيش لكل شركاته ومخازنه، وقبل الصباح، أسمع إنه محبوس في أقرب سجن بتهمة الخيانة العظمى وتجارة السلاح.»
طارق بلع ريقه وقال بتوتر:
«يا باشا.. سليم العزبي مش سهل.. وله ناس كبار في الحكومة.. القبض عليه بالشكل ده هيعمل هزة كبيرة.»
فارس قاطع كلامه بصوت مرعب ومستبد:
«الهزة اللي هتعملها مش أخليني أتولى أنا تصفيته بنفسي.. قدامك ساعة يا طارق، والخبر يكون عندي.»
قفل السكة في وجهه، وقام من على الكسي متوجه للصالون الكبير في الفيلا، حيث كانت مريم قاعدة بتشرب شاي دافي ومرتاحة، بينما الرضيع نايم في سرير صغير جابه دكتور سيد.
مريم أول ما شافته دخل، قامت بقلق وسألت بصوت متهدج:
«فارس بيك… ناوية على إيه؟ سليم مش هيسكت، وهيحاول يهرب برا مصر لو حس إن أمره انكشف.»
فارس قرب منها، وابتسم بتهدئة لأول مرة من سنين، وقال بصوت حنون:
«اطمني يا مريم.. اللي يلمس عيلة فارس السويفي ملوش مكان يعيش فيه على وجه الأرض. سليم هيكون في زنزانة انفرادية قبل ما شمس بكرة تطلع.. وانتي وابنك هتبقوا في أمان هنا، في بيتك وباباكِ الله يرحمه كان شالني في عينه، وأنا هشيل ابنه ودفعه.»
مريم نزلت دموعها من الفرحة والارتياح بعد ما شافت سند حقيقي لأول مرة بعد موت أبوها، وقالت بصوت مكسور:
«شكراً يا باشا.. بابا كان دايماً بيقول إنك أكتر شخص شجاع شافه في حياته، وطلع كلامه صح.»
فارس بص للطفل النايم بوداعة، ولمس خده الصغير بصباعه بحنان، وقال لنفسه بصوت خافت:
«المرة دي.. السهرة انتهت يا سليم.. والحساب بدأ بجد.»
#حكايات_شروق_خالد
#حصري_علي_الصغحه
الساعة كانت لسه مهديتش، والظلام بيبدأ ينقشع عن سماء القاهرة، لما الباب الخارجي للفيلا اتفتح بصوت قوي.
عماد دخل وبخطوات سريعة وصل لحد مكتب فارس، وكان وشّه متبوع بعلامات النصر، وفي إيده فلاشة صغيرة وورق رسمي.
فارس كان واقف قدام الشباك الكبير بيبص على أنوار المدينة، ومن غير ما يلتف، سأل بصوت هادئ:
«خلصت يا عماد؟»
عماد رد بصوت كله حماس واختصار:
«كله تمام يا باشا! رجالة طارق ومعاهم رجالتنا اقتحموا مقر سليم العزبي في التجمع قبل ما يلحق يلم هدومه. لقيناه قاعد في المطار بينهي إجراءات سفر برقم هارب، والبوليس لبسه القيود في مطار القاهرة الدولي.. ومقراته كلها بقت تحت إشرافنا بالكامل.»
فارس التفت ببطء، ولمس طيات البالطو الكشمير اللي كان لسه على الكرسي، وابتسم ببرود:
«جدع يا عماد.. هاتولي سليم ده على مخزن المقطم القديم.. عايز أقعد معاه لوحدنا، ونتحاسب على عيش وملح سنين طويلة خانها.»
في اللحظة دي، نزلت مريم من السلم وهي شايلة الرضيع على كتفها وبتطبطب عليه بلطف، وبصت لفارس وقالت بصوت مليان امتنان:
«أنا مش عارفة أقولك إيه يا فارس بيك.. لولاك، كان زماني أنا وابني في خبر كان.»
فارس بص لها بحنان أبوي، وقال:
«قلت لك يا مريم، ده بيتك.. والواد ده بقى من عيلة السويفي، ومحدش في مصر كلها يقرب له طول ما أنا حي.»
خد فارس سعادته وثقته الكاملة، وخرج متوجه للعربية، وعينه على بكرة جديدة.. صفحة قديمة بتتطوى بكل أحداثها، وصفحة جديدة تبدأ بضحكة طفل صغير بريء رجع لحضن عيلته.
#حكايات_شروق_خالد
#حصري_علي_الصغحه
المخزن القديم في المقطم كان بيتميز بظلمته وهدوءه المرعب، الإضاءة الوحيدة كانت لمبة صفراء ضعيفة بتتدلى من السقف فوق كرسين خشب، وقاعد عليهم “سليم العزبي” ومكتوف الإيدين ورا ظهر بحبال غليظة، وشه متبوع بآثار صدمة والقيود بتهز إيده كل ما يتحرك.
باب المخزن اتفتح ببطء، وظهر فارس السويفي بخطواته الثابتة ورعْب هيبته اللي تملى المكان. وقف قدام سليم، وبص له بنظرة حارقة مليانة خيبة أمل وغضب مكبوت.
سليم حاول يرفع راسه بابتسامة صفراء وقال بصوت مبحوح:
«ياااه.. رجل الأعمال النافذ بنفسه بيستقبلني في البدروم؟ كنت فكرت إنك بقيت أطرى من زمان يا فارس، بس شكل القديم ما بيعتقش.»
فارس ما نطقش في الأول، طلع سيجارته وولعها بهدوء، ونفخ الدخان في وش سليم مباشرة، وبعدين قال بصوت واطي وخشن جداً:
«عشر سنين وأنت قاعد على يميني.. بناكل عيش وملح سوا، وبتوعدني إنك حافظ السر… وفي الآخر، تبيع دم أختي وابنها عشان شوية فلوس وحلفا فاشلين؟»
سليم ضحك بصوت عالي شوية وقال بتحدي:
«الفلوس والسلطة يا فارس هما اللي بيحكموا، مش العيش والملح! وأنت كان لازم تنتهي من زمان، الحريق اللي عملناه زمان كان مفروض يقضى عليك وعلى عيلتك كلها، بس للأسف… دايماً كنت بتطلع زي القطط بسبع أرواح!»
فارس ملامحه ما اتحركتش، بس عيونه لمعت بشرر لا يُطاق. ميل جسمه عليه، وبص في عيونه مباشرة وقال:
«تصور؟ كنت ممكن أخلص عليك بضربة واحدة وأريح دماغي… بس دي تبقى راحة ليك أنت. أنا قررت إنك تعيش بقية عمرك في زنزانة انفرادية مترها في متر، تفتح عينك وتقفلها على صوت الحيطة وهي بتضيق عليك، من غير لا فلوس، ولا سلطان، ولا حتى أمل في بكرة.»
وقبل ما سليم يلحق يصرخ أو يرد، فارس أشار لعماد اللي كان واقف في الظلمة، وخرج بخطوات هادئة وواثقة وساب سليم لوحده يواجه مصيره المظلم اللي صنعه بإيده.
مرت سنة كاملة على الليلة دي…



