روايات وقصص

حكايات شروق خالد ج 4

فضلت زينب واقفة قدام أمها، عينيها مليانة دموع، ومستنية منها كلمة واحدة تنفي بيها كلام محمود. قالت بصوت بيرتعش: «ماما… ردي عليا. هو بابا كان السبب في الحـ,ـريق؟ فاطمة قربت منها، لكن زينب رجعت لورا : «متلمسنيش! أنا عايزة أعرف الحقيقة!

» فاطمة حطت إيديها على صدرها وبدأت تعيط.«يا بنتي، أبوكي عمره ما كان ممكن . أبوكي كان بيحبك أكتر من نفسه».محمود ضحك وقال: «يبقى احكيلها يا فاطمة، احكيلها مين اللي كان ماسك المصباح ».

فاطمة بصتله وقالت: «إنت عايز تحوّل الحقيقة لكدبة جديدة زي ما عملت طول عمرك».وبعدين رجعت بصت لزينب وقالت: «اسمعيني يا بنتي… الليلة دي أنا كنت في البيت مع أبوكي، وإنتِ كنتِ نايمة في . قبل بساعات، أبوكي اكتشف إن سيد ومحمود بيحاولوا ياخدوا أرض العيلة بالعافية.

ولما واجههم، هددوه إنه لو اتكلم هيتخلصوا منه».زينب سألتها: «وبعدين؟» قالت فاطمة: «في نص الليل سمعت صوت تكسير، ولما خرجت لقيت سيد داخل البيت ومعاه محمود. كانوا بيدوروا على العقود الأصلية. أبوكي حاول يمنعهم، لكن محمود ضـ,ـربه على راسه ووقعه».

سكتت لحظة ومسحت دموعها. «سيد ولّع النار في المخزن عشان يخفي الأوراق، والنار انتشرت في البيت كله. أبوكي كان مصاب ومش قادر يتحرك، لكنه أول ما عرف إنك جوه ، قام رغم ودخل وسط عشان ينقذك».زينب بدأت في . «يعني بابا دخل عشاني؟

» قربت منها فاطمة وضمتها، والمرة دي زينب ما بعدتش عنها. كنت واقف بتابع اللي بيحصل، لكن عيني كانت على محمود وسيد. الراجلين كانوا بيحاولوا يلاقوا فرصة . رفعت البندقية وقلت: «محدش يتحرك من مكانه». محمود ابتسم وقال: «إنت لسه فاكر إن البندقية دي ؟

إنت حرمت أخوك من حياته، وحرمت بنته من أمها، ودلوقتي عايز من آخر حق لينا؟» محمود استغل وحاول ينزل السلم اللي تحت الأرض. لكن زينب جريت ناحية ووقفت قدامه. قالت بصوت قوي: «المخزن ده بتاع أبويا، ومش منه بحاجة».

محمود زقها بقوة، فوقعت على الأرض وخبطت إيدها في الحجر. في اللحظة دي، فقدت أعصابي. محمود من هدومه وشديته بعيد عنها، ووقعته على الأرض. حاول يطلع مسدسه، لكني سبقته وثبت إيده برجلي لحد ما منه. بعد دقائق، سمعنا أصوات خيل ورجالة جاية ناحية الطاحونة.

بعد دقائق، سمعنا أصوات خيل ورجالة جاية ناحية الطاحونة. كان العمدة ومعاه الخفر، ومعاهم ضابط من المركز. طلع واحد من رجالة محمود كان اتقبض عليه قبل كده، واعترف بمكان الاجتماع، وقدر يدلهم على الطاحونة. دخل الضابط وشاف محمود وسيد مربوطين، وبعدها أخد الدفتر من فاطمة وبدأ يقلب فيه.

كان فيه أسماء وتوقيعات وتحويلات وأدلة على تزوير العقود والتخطيط للحـ,ـريق. بص الضابط لمحمود وقال: «المرادي مش هتعرف تخرج من القضية دي بفلوسك».اتاخد محمود وسيد، تحقيق كبير في كل اللي . أما زينب، فكانت قاعدة على الأرض، ماسكة إيد أمها وبتعيط. قربت منها وسألتها: «إنتِ كويسة؟

إيدك وجعاكي؟» هزت راسها وقالت: «أنا كويسة يا صابر… بس حاسة إن كل حاجة جوايا اتغيرت».قلت لها: «التغيير مش دايمًا وحش يا بنتي. ساعات الحقيقة بتوجع، بس بتخلينا نعرف نبدأ من جديد». بعد أيام، ظهرت نتيجة التحقيقات، واتثبت إن أرض أبوها ملكها، وإن العقود اللي باع بيها سيد جزء من الأرض كانت مزورة.

رجع الحق لأصحابه، واتسلمت زينب مستندات ملكيتها. وفاطمة قررت تعيش مع بنتها في بيت العيلة القديم، وتصلح كل اللي الزمن بوظه. أما أنا، فكنت راجع لبيتي في الجبل، وكنت فاكر إن دوري انتهى. لكن قبل ما أمشي، زينب وقفت قدامي. قالت: «صابر، إنت رايح فين؟

» قلت: «راجـع بيتي يا بنتي. إنتِ بقيتي مع أمك، ورجعلك حقك، ومبقتيش محتاجة لحد». بصتلي بحزن وقالت: «يعني خلاص؟ بعد كل اللي حصل، هتمشي وتسيبنا؟» ابتسمت وقلت: «أنا مش عايز أكون حمل على حد».قربت مني وقالت: «إنت مش حمل يا صابر…

لكن اللي حصل بعد الغدا كان أغرب من كل اللي فات. فاطمة طلبت مني أقعد معاها لوحدنا شوية. قالت: «يا صابر، أنا عارفة إنك عشت سنين طويلة لوحدك، وإن الناس ظلمتك بسبب الندبة اللي في وشك».بصيت لها باستغراب. كملت: «زينب حكتلي إنك عمرك ما طلبت منها مقابل لأي مساعدة.

وأنا عايزة أقولك حاجة… بنتي مش محتاجة راجل ينقذها، هي محتاجة إنسان يحترمها ويشوف قلبها». سكتت لحظة، وبعدها قالت: «هي من يوم ما رجعت وهي بتتكلم عنك، وبتسأل كل يوم إمتى هتشوفك تاني».بصيت ناحية زينب، كانت واقفة بعيد، ولما عيني جت في عينها ابتسمت بخجل.

وقتها فهمت إن الحكاية اللي بدأت بخمسين جنيه، وبنت مغطية وشها بشوال خيش، ممكن تكون بداية حياة جديدة لينا إحنا الاتنين. لكن كان لازم أسيب لها الوقت تختار بنفسها. لأن آخر حاجة كنت عايزها إني أبقى نسخة تانية من الناس اللي قرروا مستقبلها من غير إرادتها.

يتبع…#حكايات_شروق_خالد#حصري عدّى أسبوعين من يوم ما رجعت زينب لبيت أبوها، وأنا رجعت لحياتي القديمة فوق الجبل. كنت بصحى مع الفجر، أجهز القهوة، وأخرج الحطب وأطمن على الحصان، لكن الغريب إن البيت اللي كنت طول عمري بحبه عشان هدوءه، بقى موحش بشكل مش طبيعي.

كنت كل يوم أبص ناحية الطريق اللي بينزل للقرية، وأقول لنفسي إن زينب خلاص بقت في أمان، وإن مفيش سبب يخليني أفكر فيها. لكن الحقيقة كانت غير كده. كنت فاكر ضحكتها، وطريقتها وهي بتتكلم، وحتى اللي بدأ يختفي واحدة واحدة.

وفي صباح يوم، وأنا بجهز الحطب، سمعت صوت خبط على الباب. فتحت، لما لقيت زينب واقفة قدامي، لابسة فستان أزرق بسيط، وشايلة سلة فيها أكل. ابتسمت وقالت: «صباح الخير يا صابر».بصيتلها باستغراب: «إنتِ إيه اللي جابك الجبل في البرد ده؟

» ضحكت وقالت: «جيت أطمن عليك، وأجيبلك فطار. أمي قالتلي إنك من ساعة ما مشيت وإنت عايش على القهوة والعيش الناشف».ابتسمت لأول مرة من أيام. دخلت وحطت السلة على الترابيزة، وبدأت تطلع منها عيش بلدي وجبنة قديمة وعسل أسود وبيض مسلوق. قلت لها: «إنتِ تعبتِ نفسك ليه؟

«عشان إنت تعبت معايا كتير، وده أقل حاجة أعملها».قعدنا نفطر، وبعدها بدأت تحكيلي عن حياتها في القرية. قالت إن العمدة ساعدها في استرداد باقي الأرض، وإنها ناوية تفتح أوضة صغيرة في البيت القديم لتعليم بنات القرية القراءة والخياطة. سألتها: «وإنتِ هتقدري تعملي كل ده؟

» ابتسمت وقالت: «أنا طول عمري الناس كانت بتقولي إني مقدرش أعمل حاجة. المرة دي عايزة أثبت لنفسي قبل أي حد إني أقدر». بصيتلها بإعجاب وقلت: «ربنا يقويكي».لكن فجأة، لاحظت إنها بتغطي جزء من وشها بالشال، فسألتها: «لسه بتخافي من نظرات الناس؟

» سكتت شوية وقالت: «أوقات… بس بقيت أحاول أتعود إني أبص في عيونهم بدل ما أبص في الأرض». قلتلها: «الندبة اللي في وشك مش هي اللي بتحدد إنتِ مين».ابتسمت وقالت: «عارفة، وابتديت أصدق الكلام ده».بعد الفطار، خرجنا نقعد قدام البيت، والشمس كانت دافية رغم برد الجو.

كنت فاكر إن الوحدة أرحم من إني أخسر حد تاني. زينب بصتلي بحزن وقالت: «يعني إنت كمان اتوجعت واتعلمت تخاف من القرب».هزيت راسي. قالت: «يمكن عشان كده فهمت خوفي من غير ما أتكلم».الكلام ده لمس حاجة جوايا.

وبعد شوية، وقفت عشان تمشي. لكن قبل ما تركب الحصان، قالت: «أنا مش عايزة تنتهي هنا يا صابر». بصيتلها وقلت: «ولا أنا».ابتسمت، وركبت الحصان، ونزلت ناحية القرية. ومن اليوم ده، بقت تزورني كل أسبوع، وأوقات كانت بتجيب معاها أمها.

ومع مرور الشهور، البيت اللي كان ساكت طول السنين بدأ يرجع له صوت الضحك والكلام. وفي يوم، وأنا قاعد قدام المدفأة، زينب قالتلي: «صابر، أنا عايزة أقولك حاجة، بس خايفة تفهمني غلط».بصيتلها وقلت: «اتكلمي».

قالت وهي باصة في الأرض: «أنا مش بنسى إنك دفعت فلوس عشان تخرجني من إيد عمي، بس اللي خلاني أتعلق بيك مش الفلوس. .. إنت أول واحد شافني إنسانة، قبل ما يشوف الندبة اللي في وشي».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى