Uncategorized

طلاء أظافر في قبضة الوحش حكايات شروق خالد

ابتسم. ابتسامة خفيفة جداً، مجرد حركة بسيطة في طرف شفايفه، لكنها غيرت ملامحه تماماً. الشبح اللي كنت خايفة منه اختفى في لحظة.
قفل الزجاجة بهدوء، ومسح إيده في منديل كان جنبه، وبعدين وقف بطوله الهيبة اللي يركّب الرعب في أي حد. حط الزجاجة على الترابيزة وقرب خطوة، وبص لإيدي الملفوفة بالشاش الأبيض.
“مين اللي بيكشف عليكِ في المستشفى؟”
“دكتور الورشة غيّر لي على الجرح…”
قاطعني بنبرة صارمة بس مش حادة:
“من بكرة الصبح دكتور متخصص هييجي البيت هنا يتابع الحرق بنفسه. شغل ترميم المجوهرات هيركن شوية لحد ما إيدك تخف تماماً.”
بصيت له باستغراب وقبل ما ألحق أعترض، كمل كلامه وهو بيبص في عيني مباشرة:
“أنا ما تجوزتكيش عشان تسددي دين أخوكي، يا سارة.”
الجملة نزلت عليا زي المية الثلج.
“نعم؟”
قرب أكتر، وحط إيده في جيبه وهو بيكمل كلامه بأسلوب هادي ومنظم:
“أحمد أخوكي ما كانش مديون بـ 240 ألف دولار للموانئ بتاعتي… أحمد كان بيتحمى فيا من ناس تانية خالص. والدين ده كان الغطاء اللي يتسجل بيه العقد، عشان محدش يقدر يقرب منه ولا يقرب لكِ. العقد ده كان الحماية الوحيدة اللي تقدر تبعدهم عنك.”
وقفت مكانها الدنيا. كأن كل الحسابات اللي عملتها في دماغي من يوم ما دخل المحامي المطبخ اتفرتك في الهواء.
“طب… وليه ما قولتليش؟ ليه سيبتني فاكرة إنك…”
“إن الوحش اللي أخدك بفلوسه؟”
كمل جملتي بنبرة خالية من الغضب، لكن فيها وجع مستخبي.
“علشان لو كنتِ عرفتي الحقيقة من الأول، كنتِ هتفتكري إنك مديونة لي بحياتك وحياة أخوكي… وأنا ما كنتش عايز جوازنا يبدأ بدين. كنت عايزك تيجي بيتي وأنتِ حاسة إنك بأمان، حتى لو أمان مع مفتاح بيفتح من ناحيتك أنتِ بس.”
سكت ورجع خطوة لورا، كأنه بيدي حريتي ومساحتي تاني قبل ما يمشى ويسيب الأوضة.
“نامي يرتاح جسمك. والدكتور هييجي الساعة تسعة.”
مشى خطوتين ناحية الباب، وقبل ما يفتح الباب ويدخل ممر أوضته، اتلفت لي وقال:
“على فكرة… الفرشة اللي كنتِ بتستخدميها في تصليح البروش الأثري الأسبوع اللي فات، أنا اللي بعتشت أشتريها لكِ في الورشة من ألمانيا… إيدك الثابتة دي هي أغلى حاجة في المكان هنا.”
قفل الباب بهدوء، وسابني واقفة في نص الصالة.
بصيت لإيدي الملفوفة، وبعدين بصيت لرجلي المدهونة باللون الوردي…
ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن قلبي هو اللي محتاج ترميم، وإن الراجل اللي برة ده هو الوحيد اللي عارف إزاي يرممه.

حكايات شروق خالد

عدى الأسسبوع الأول وأنا عايشة في البيت الكبير، بس المشهد جواه اتغير تماماً.
الهدوء اللي كان بيخوفني زمان بقا يطمني. الدكتور كان بييجي كل يوم الصبح يغير على الجرح باهتمام شديد، وفاطمة بقت تدخل المطبخ تعمل لي الأكل اللي بحبه من غير ما أسألها، وعرفت بعدها إن رامي سايب لها قائمة باللي باكل وبحبه.
رامي ما كانش بيتكلم كتير، بس أفعاله كانت بتتكلم بنبرة عالية جداً.
في ليلة من الليالي، كنت قاعدة في الصالة الكبيرة بحاول باليد الشمال أعلم على أوراق تصاميم قطعه أثرية جديدة جاتلي على الإيميل. الحرق كان بدأ يلتئم، بس إيدي اليمين لسة محتاجة راحة. سمعت خطواته المنتظمة وهي بتقرب.
رفع عينيه من التلفون اللي في إيده وبص على الورق المفرود قدامي:
“ألم نتفق إن شغل الترميم متأجل لحد ما الشاش يتفك؟”
رفعت راسي وبصيت له وابتسمت محاولة أداري توتري:
“دي تصاميم بس يا رامي… مجرد أفكار عشان إيدي ما تتنساش. شغل المجوهرات ده هو الحاجة الوحيدة اللي بتخليني أحس بإني سارة.”
قعد على الكرسي الموجه ليا، حط رجلاً على رجل وهز رأسه بتفهم:
“عارف… الذهب والمجوهرات القديمة بتعيش مئات السنين لأن اللي رممها أول مرة عملها بحب، مش بعافية.”
بصيت له باستغراب:
“أنت بتفهم في الآثار؟”
سكت لحظة، وبص على إيديه القوية اللي شايلة آثار ندوب قديمة من زمن ما أعرفش عنه حاجة، وقال بنبرة هادية:
“بفهم في الحاجات اللي اتكسرت وتحملت القسوة عشان تفضل واضفة… وبفهم في القيمة اللي مستخبية تحت التراب.”
نظرة عينيه في اللحظة دي كانت أعمق من أي كلمة. حسيت إن الكلام مش عن المجوهرات، الكلام كان عني وعنه.
في اليوم التالي، لما صحيت من النوم، لقيت الشاش مأخوذ من إيدي بمهارة أثناء العلاج، ولما دخلت غرفتي الصغيرة اللي عاملة فيها ورشة مصغرة، اتفاجأت.
كان في صندوق خشب أبنوس متغطي بمخمل وردي محطوط على الترابيزة.
قربت بخطوات بطيئة وفتحت الصندوق.
جوه الصندوق، كانت فيه مجموعة كاملة من أدوات الدقة والترميم المصنوعة خصيصاً من ألياف الكربون الخفيفة جداً — أدوات مصممة خصيصاً عشان إيد مصابة تقدر تمسكها من غير ما تتعب أو تضغط على الجرح. ومعاها عدسة مكبرة متطورة مثبتة على حامل هيدروليكي بيتحرك بلمسة صباع.
وتحت العدسة، كان فيه كارت صغير مكتوب فيه بخط إيده القوي الثابت:
“علشان إيدك ترجع تثبت… بس براحتك خالص.”
مسكت الكارت وضغطت عليه بإيدي. الدموع اتجمعت في عيني، بس المرة دي ما كانتش دموع خوف ولا حيرة.
خرجت من الأوضة ودورت عليه في البيت، لقيتها واقف عند الشباك الكبير في الصالة، ماسك كوباية القهوة وبيتابع حركة المراكب في النيل بالليل.
قربت منه لحد ما بقيت واقفة جنبه تماماً.
“رامي…”
اتلفت لي بهدوء:
“عجبتك الأدوات؟”
“أنت ليه بتعمل كل ده؟” سألته والنبرة في صوتي كانت طالعة بالعافية من كتر التأثر. “أنت راجل الناس كلها بتترعب من اسمك… ليه معايا أنا بالذات بتتصرف كأنك…”
“كأني إيه؟” قاطعني بصوت واطي وهو بيبص في عيني مباشرة.
“كأنك خايف عليا.”
سكت رامي، وحط كوباية القهوة على الترابيزة القريبة، وقرب خطوة واحدة. الصمت اللي بيننا كان مليان بمشاعر أعمق من أي كلام ممكن يتقال.
“أنا مش خايف عليكِ يا سارة…” قال وهو بيرفع إيده ببطء شديد، ولمس طرف الشاش الملفوف على إيدي بمنتهى الرقة، “أنا خايف من اليوم اللي ممكن تكتشفي فيه إنك تقدري تعيشي من غيري… وترجمي حياتك بعيد عن البيت ده.”
الكلمات طلعت منه بصدق مرعب هز كل كياني.
في اللحظة دي، عرفت إن الحماية اللي قدمها لي ما كانتش مجرد عقد جواز على ورقة… دي كانت أول صفحة في قصة جديدة خالص، قصة راجل ما بيخافش من إمبراطوريات ولا مافيا، بس بيخاف يخسر قلب البنت اللي علمته إزاي يمسك زجاجة طلاء أظافر بحب.

​طلاء أظافر في قبضة الوحش

حكايات شروق خالد


2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى