
بص لها بثبات وقال:
“حتى لو الحقيقة هتخليني أواجه أبويا نفسه… هحميكي.”
لكن من بعيد، أم ياسين قالت بصوت مرتعش:
“ياسين… متوعدهاش بحاجة.”
لف لها.
“ليه؟”
قالت وهي بتبص لندى:
“لأن الحقيقة اللي أبوها مخبيها… ممكن تكون أخطر من إنك تتخيل.”
وفي نفس اللحظة، صوت رصاصة دوّى في الخارج.
وسلطان اندفع ناحية الباب.
ندى بصت لياسين، وعرفت إن حياتها القديمة انتهت للأبد.
حكايات شروق خالد
الرصاصة خلت البيت كله يهتز من الصدمة.
سلطان كان واقف قدام الباب، بيزمجر، وياسين رفع إيده للحراس.
“محدش يتحرك!”
صوت ضرب نار تاني جه من بعيد، وبعده صوت رجالة بتصرخ.
ندى كانت واقفة جنب ياسين، جسمها كله بيرتعش، لكن المرة دي ما كانتش خايفة على نفسها بس.
كانت خايفة من الحقيقة.
من أبوها.
ومن العيلة اللي دخلت حياتها فجأة.
ياسين قرب منها وقال بهدوء رغم التوتر اللي في صوته:
“بصيلي.”
ندى رفعت عينيها.
“أنا هنا.”
قالتها بصوت ضعيف.
“ومش هسيب حد يقرب منك.”
أمه صرخت من آخر الصالة:
“ياسين! لازم نطلع من هنا حالًا.”
بصلها.
“إزاي؟ البيت محاصر.”
“في طريق تحت الأرض.”
ياسين اتصدم.
“إنتِ عمرك ما قلتيلي إن فيه نفق.”
أمه ردت:
“لأن أبوك هو اللي بناه.”
الرجل الغريب اللي كان واقف على السلم ابتسم.
“وأخيرًا بدأتم تفهموا.”
ياسين رفع سلاحه ناحيته.
“إنت هتفضل واقف مكانك.”
الرجل رفع إيده.
“براحتك.”
لكن سلطان فجأة اندفع ناحية السلم.
الرجل حاول يرجع، لكن سلطان وقف قدامه وفضل ينبح.
ياسين استغل اللحظة وأمر رجاله يمسكوه.
في ثواني، اتقبض عليه.
ندى بصت لياسين.
“هو مين؟”
قال:
“اسمه سامح.”
ندى شهقت.
“سامح؟”
“تعرفيه؟”
“ده كان صاحب أبويا.”
سامح ضحك من مكانه.
“صاحب؟ أبوكي كان أكتر من أخويا.”
ندى بصت له بغضب.
“لو كنت بتحبه، كنت سيبته يعيش.”
سامح سكت.
لأول مرة ابتسامته اختفت.
ياسين قرب منه.
“مين قتله؟”
سامح بص له.
“اسأل أمك.”
الكل سكت.
ياسين لف ببطء ناحية أمه.
“ماما…”
لكن قبل ما تكمل، صوت انفجار خفيف جه من الجراج.
النور رجع فجأة.
أحد الحراس دخل بيجري.
“يا باشا، حصلت مشكلة في الجراج.”
ياسين قال:
“إيه؟”
“العربية اللي كانت هتهربنا بيها اتفجرت.”
ندى حطت إيدها على بوقها.
“هما عايزين يحاصرونا.”
ياسين هز راسه.
“لأ…”
بص للمفتاح اللي في إيد ندى.
“هما عايزين يخلونا نروح للمكان اللي المفتاح بيفتحه.”
أمه قربت منهم.
“هو عايزك تفتحي الخزنة.”
ندى قالت:
“مين؟”
الست الكبيرة ردت:
“الراجل اللي قتل أبوكي.”
ياسين سألها:
“إنتِ تعرفي اسمه؟”
أمه بصت له.
“أيوه.”
“مين؟”
سكتت ثواني، وبعدها قالت:
“عمك.”
ياسين اتجمد.
“عمي؟”
“أخو أبوك.”
ندى بصت له بعدم تصديق.
“يعني عمك هو اللي قتل أبويا؟”
أمه هزت راسها.
“هو اللي أمر.”
ياسين كان مصدوم.
“ليه؟”
“عشان أبوك كان ناوي يفضح كل حاجة.”
سامح ضحك من مكانه.
“متأخر أوي يا ياسين.”
ياسين بص له.
“إنت عارف مكانه؟”
سامح قال:
“هو اللي بيحرك كل حاجة من سنين.”
ندى سألت:
“طب ليه مستني لحد دلوقتي؟”
سامح رد:
“لأنه كان مستنيكي تكبري.”
ندى حسّت بقشعريرة في جسمها.
“ليه أنا؟”
سامح بص لها مباشرة.
“لأن أبوكي مخبى عندك آخر دليل.”
ندى رفعت المفتاح.
“المفتاح ده؟”
سامح هز راسه.
“ده مش مفتاح خزنة.”
ياسين قال:
“أمال إيه؟”
سامح ابتسم.
“مفتاح باب.”
أم ياسين قالت بسرعة:
“باب المخزن القديم.”
ندى سألت:
“فين؟”
أم ياسين ردت:
“في البيت اللي اتولدتي فيه.”
ندى شهقت.
“البيت القديم؟”
كانت فاكرة البيت.
بيت صغير في حارة قديمة.
ماتغيرش في ذاكرتها.
أبوها كان بيحط حاجاته في أوضة صغيرة في آخر البيت.
ياسين قال:
“المكان ده لسه موجود؟”
أمه:
“أيوه.”
ندى بصت له.
“أنا أعرفه.”
ياسين قال:
“هنروح هناك.”
أمه اعترضت:
“ده أخطر مكان.”
“ليه؟”
“لأنهم أكيد مستنيينها هناك.”
ندى قالت:
“وأنا لازم أعرف الحقيقة.”
ياسين بص لها.
“مش لوحدك.”
“إنت هتيجي؟”
“هروح معاكي.”
سامح ضحك.
“لو رحتوا، مش هترجعوا.”
ياسين بص له ببرود.
“دي مش أول مرة حد يحاول يقتلني.”
وبعدين أشار للحراس.
“خدوه.”
سامح اتسحب بعيد.
قبل ما يخرج، بص لندى وقال:
“لما تلاقي جواب أبوكي… اقريه للآخر.”
ندى بصت له باستغراب.
“أي جواب؟”
سامح ابتسم.
“هو سابلك واحد.”
وبعدها اختفى من قدامها.
—
بعد نص ساعة، خرج ياسين وندى من البيت من باب جانبي.
المطر كان لسه بينزل.
سلطان كان معاهم.
ياسين ركب العربية، وندى ركبت جنبه.
قالت:
“إنت متأكد إننا لازم نروح؟”
“أيوه.”
“ولو فعلاً عمك هو اللي قتل أبويا؟”
ياسين ضغط على عجلة القيادة.
“هواجهه.”
“حتى لو كان من عيلتك؟”
“عيلتي مش معناها إني أقبل الظلم.”
ندى بصت له للحظات.
كانت أول مرة تحس إنها ممكن تثق في حد.
العربية تحركت.
وبعد دقائق، وصلوا للحارة القديمة.
ندى أول ما نزلت، وقفت مكانها.
كل حاجة كانت شبه ذاكرتها.
الدكان.
الباب الأزرق.
الشجرة الصغيرة اللي كانت بتقف تحتها وهي طفلة.
وعلى آخر الحارة…
كان البيت.
قلبها وجعها.
دخلت.
البيت كان مهجور ومليان تراب.
ندى مشت ناحية الأوضة القديمة.
ياسين كان وراها.
سلطان دخل قبلهم، وفضل يشم الأرض.
ندى قالت:
“هنا.”
وقفت قدام الحيطة.
كان فيه مكان صغير في الحائط، عليه قفل قديم.
طلعت المفتاح.
إيدها كانت بترتعش.
دخلته.
المفتاح لف.
وصوت “طَق” طلع.
الحائط اتحرك.
ظهر باب صغير مخفي.
ياسين بص لها.
“أبوكي كان مخبي ده ورا الحيطة.”
ندى دخلت.
الأوضة كانت ضلمة.
ياسين شغل كشاف موبايله.
وفي منتصف الأوضة كان فيه صندوق خشب قديم.
ندى قربت منه.
وعلى الصندوق كان مكتوب اسمها.
“ندى.”
دموعها نزلت.
“ده خط أبويا.”
فتحت الصندوق.
جواه صور.
أوراق.
فلاشة صغيرة.
وظرف أبيض.
ندى مسكت الظرف.
كان مكتوب عليه:
“لبنتي ندى… لو وصلتي لحد هنا، يبقى أنا مت.”
ندى ما قدرتش تفتحه.
ياسين وقف جنبها.
“اقريه.”
فتحت الظرف.
وكان أول سطر:
“يا ندى، أنا آسف إني سيبتك تكبري من غير ما تعرفي الحقيقة.”
ندى بدأت تقرأ، وصوتها كان بيتهز.
“أبوك مش فقير زي ما إنتِ فاكرة… وأنا ما كنتش مجرد موظف.”
ياسين قرب منها.
“كملي.”
“كنت شريك في أكبر عملية مالية غير قانونية في البلد… لكني حاولت أخرج لما اكتشفت إنهم بيستخدموا أطفال وناس غلابة في عمليات أكبر بكتير.”
ندى شهقت.
كملت:
“أخوك الكبير…”
وقفت.
بصت لياسين.
“أخويا الكبير؟”
ياسين قال:
“كملي.”
ندى رجعت للورقة.
“أخوك الكبير اسمه ياسين الجبالي.”
ندى رفعت رأسها بصدمة.
“إيه؟”
ياسين نفسه اتجمد.
“ده مستحيل.”
لكن ندى كملت القراءة:
“لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى لازم تعرفي إن أمك ما ماتتش زي ما قالولك… وإن ياسين مش عدوك.”
ندى وقفت تمامًا.
“أمي عايشة؟”
ياسين بص لها.
وقبل ما يتكلم، سمعوا صوت حركة بره البيت.
سلطان بدأ يزمجر.
ياسين طفى الكشاف.
“حد دخل.”
ندى همست:
“مين؟”
ياسين قرب منها وقال:
“مش عارف.”
لكن فجأة سمعوا صوت امرأة من بره الأوضة.
صوت ضعيف… لكنه مألوف.
“ندى…”
ندى اتجمدت.
الصوت اتكرر.
“ندى… أنا أمك.”
الورقة وقعت من إيدها.
وعينيها اتملت دموع.
أما ياسين، فبص ناحية الباب وهو مش قادر يصدق اللي سمعه.
وفي اللحظة دي، باب البيت القديم بدأ يتفتح ببطء…
حكايات شروق خالد
الباب اتفتح ببطء، وصوت المفصلات القديمة عمل صدى في البيت كله.
ندى كانت واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك.
صوت المرأة اتكرر:
“ندى… أنا عارفة إنك جوا.”
ندى بصت لياسين، وعينيها مليانة دموع.
“دي أمي.”
ياسين أشار لها تستنى، وبعدها خرج من الأوضة بحذر.
سلطان وقف جنبه.
المرأة كانت واقفة في الصالة، ست في أواخر الخمسينات، ملامحها متعبة، وشعرها مليان خصلات بيضا.
أول ما عينيها وقعت على ندى، حطت إيدها على بوقها.
“يا بنتي…”
ندى خرجت من ورا ياسين.
“ماما؟”
الست ما قدرتش تستحمل.
جريت عليها.
ندى وقعت في حضنها وهي بتعيط.
“إنتِ كنتي فين؟ ليه سبتيـني؟ ليه كل السنين دي؟”
أمها كانت بتبكي وهي بتضمها.
“أنا ما سبتكيش يا بنتي… هما اللي أخدوني منك.”
“مين؟”
“أخو أبوكي… عم ياسين.”
ياسين قرب.
“يعني كل اللي حصل كان بسببه؟”
أم ندى هزت راسها.
“أبوك اكتشف الحقيقة، وحاول يهرب بيكي. لكنهم وصلوا له.”




