
ندى فضلت واقفة مكانها، مش فاهمة هي سمعت إيه بالظبط.
بصت للست الكبيرة، وبعدها بصت لياسين، وكأنها مستنية حد يقول لها إن الكلام ده مجرد سوء تفاهم.
قالت بصوت مهزوز:
“أنا؟ أبوك كان بيدور عليا ليه؟ أنا عمري ما شفت الراجل ده في حياتي.”
أم ياسين قربت منها خطوة، وعينيها كانت ثابتة على وش ندى.
“إنتِ يمكن ما شوفتيهوش… لكن هو شافك.”
ندى عقدت حواجبها.
“شافني فين؟”
قبل ما الست ترد، ياسين قال بعصبية:
“ماما، كفاية. ندى ملهاش علاقة بالموضوع.”
بصت له أمه بحدة.
“إنت مش فاهم حاجة يا ياسين. لو البنت دي هي اللي أنا فاكرة إنها هي، يبقى وجودها هنا مش صدفة.”
ندى حسّت إن قلبها بيخبط في صدرها.
قالت:
“أنا مش فاهمة حاجة… أنا واحدة غلبانة بشتغل في مطعم عشان أعيش. معرفش أبوك، ولا أعرف عيلتكم، ولا حتى أعرف إنتوا عايزين مني إيه.”
أم ياسين سكتت لحظات، وبعدها قالت:
“اسم أبوكي إيه؟”
ندى اتجمدت.
السؤال ده بالذات كان أكتر سؤال عمرها كرهت تسمعه.
خفضت عينيها وقالت:
“أبويا مات وأنا صغيرة.”
“اسمه؟”
ندى رفعت عينيها.
“حسن عبد الرحمن.”
أم ياسين شهقت شهقة خفيفة.
وياسين لاحظ التغيير في وش أمه.
“إنتِ تعرفيه؟”
أمه ما ردتش.
راحت ناحية درج قديم موجود جنب المكتبة، وفتحته بمفتاح كانت معلّقاه في رقبتها.
طلعت ظرف بني قديم، كان واضح عليه أثر الزمن.
رجعت ناحية ندى، ومدت الظرف ناحيتها.
“خدي.”
ندى مدّت إيدها بتردد.
فتحت الظرف، وطلعت منه صورة قديمة.
أول ما شافتها، نفسها اتقطع.
الصورة كانت لرجل في منتصف العمر، واقف جنب عربية قديمة، وعلى يمينه ست شابة شايلة طفلة صغيرة.
ندى قربت الصورة من وشها.
الطفلة كانت هي.
مافيش شك.
إيديها بدأت ترتعش.
“دي… أمي.”
قالتها وهي مش مصدقة.
أم ياسين ردت بهدوء:
“وأبوكي.”
ندى بصت للرجل في الصورة، وحست إن السنين كلها رجعت قدام عينيها مرة واحدة.
فاكرة أبوهـا وهو شايلها وهي صغيرة.
فاكرة ريحة هدومه.
فاكرة صوته وهو بيقول لها قبل ما يخرج من البيت:
“خلي بالك من أمك يا ندى.”
لكنها ما كانتش فاكرة تفاصيل أكتر.
قالت:
“الصورة دي عندكم ليه؟”
أم ياسين تنهدت.
“لأن أبوكي كان أقرب صاحب لأبو ياسين.”
ندى بصت لياسين.
“يعني إيه؟”
ياسين نفسه كان باين عليه إنه أول مرة يسمع الكلام ده.
“ماما، إنتِ بتقولي إيه؟”
ردت:
“أبوك قبل ما يموت بأيام كان بيدور على ندى.”
ندى سألت بسرعة:
“ليه؟”
الست الكبيرة بصت لها، وقالت:
“عشان كان عارف إن في ناس هتأذيكي لو عرفوا إنك موجودة.”
سكتت ندى.
“ناس مين؟”
أم ياسين قربت منها وقالت بصوت واطي:
“الناس اللي قتلوا أبوكي.”
الغرفة كلها سكتت.
ندى حست إن الأرض بتتحرك من تحت رجليها.
“أبويا… اتقتل؟”
ياسين بص لأمه بصدمة.
“إنتِ طول عمرك قلتيلي إن حسن مات في حادثة.”
أمه قالت:
“كنت بحاول أحميك.”
ندى دموعها نزلت من غير ما تحس.
“يعني أبويا ما ماتش في حادثة؟”
“لأ.”
“مين قتله؟”
أم ياسين سكتت.
وفي اللحظة دي، سلطان اللي كان نايم جنب الباب رفع راسه فجأة.
ودانه وقفت.
وبدأ يزمجر.
ياسين بص ناحية الباب.
“إيه اللي حصل؟”
سلطان وقف، واتجه للطرقة.
ندى مسحت دموعها وبصت له.
قالت:
“هو سمع حاجة؟”
ياسين أشار لرجال الحراسة.
“اقفلوا البيت كله.”
في ثواني، صوت خطوات رجالة انتشر في المكان.
باب البيت الرئيسي اتقفل.
الحراس اتحركوا في كل اتجاه.
ياسين رجع لأمه.
“كملي.”
لكن قبل ما أمه تتكلم، موبايل أحد الحراس رن.
رد بسرعة، وبعد ثواني وشه اتغير.
قرب من ياسين وقال:
“يا باشا… في عربية وقفت قدام البوابة.”
“مين؟”
“مش معروف. العربية مطفية النور، وفي اتنين قاعدين جوا.”
ياسين قرب من الشباك.
ومن بعيد، وسط المطر، كانت عربية سوداء واقفة قدام البوابة.
ندى شافت العربية.
واتخضت.
“دي…”
ياسين بص لها.
“إنتِ تعرفيها؟”
ندى هزت راسها.
“دي نفس العربية اللي كانت بتطاردنا.”
ياسين وشه اتغير تمامًا.
بص للحراس.
“محدش يفتح البوابة.”
وبعدين بص لندى.
“إنتِ هتفضلي هنا.”
ندى قالت:
“بس أنا مش فاهمة حاجة.”
“وهتعرفي كل حاجة.”
“إمتى؟”
ياسين بص لها بثبات.
“لما أتأكد إن اللي بيحصل ده مش فخ.”
فجأة صوت انفجار صغير دوّى من ناحية البوابة.
ندى صرخت.
سلطان اندفع ناحية الصوت، لكن ياسين مسكه قبل ما يخرج.
الحراس تحركوا بسرعة.
وبعد دقائق، واحد منهم رجع وقال:
“مفيش إصابات يا باشا. حد رمى جسم صغير عند البوابة واختفى.”
ياسين قال:
“هاتوه.”
الحارس رجع ومعاه علبة معدنية صغيرة.
ياسين فتحها.
جواها ورقة.
قرأها.
وشه اتجمد.
ندى قالت:
“مكتوب إيه؟”
ياسين ما ردش.
مد الورقة لأمه.
أول ما قرأتها، وشها اصفر.
ندى خطفت الورقة.
وكان مكتوب فيها:
“سلّموا البنت… وإلا اللي حصل لأبوها هيحصل لغيره.”
ندى رفعت عينيها ببطء.
“هم عايزيني أنا.”
ياسين قال:
“أيوه.”
“ليه؟”
“مش عارف.”
أمه قالت:
“أنا عارفة.”
الكل بص لها.
قالت:
“عشان ندى مش مجرد بنت حسن.”
ندى قربت منها.
“أمال أنا مين؟”
أم ياسين أخدت نفس طويل.
“إنتِ الوريثة.”
ندى ضحكت ضحكة قصيرة مليانة خوف.
“وريثة إيه؟ أنا معنديش حاجة.”
الست قالت:
“الفلوس مش هي كل حاجة يا ندى.”
وسكتت لحظة.
“أبوكي قبل ما يموت كان مخبي دليل يقدر يهد عائلات كاملة.”
ياسين قرب منها.
“دليل على إيه؟”
“على شبكة كبيرة كانت بتشتغل من سنين… وأبوك كان جزء منها، وبعدها حاول يخرج.”
ندى همست:
“وأنا مالي؟”
أم ياسين قالت:
“أبوك كان مخبي الدليل في مكان محدش يعرفه.”
“فين؟”
“معاكي.”
ندى شهقت.
“معايا؟”
“أيوه.”
ندى بدأت تفتكر.
كل حاجات أبوها القديمة.
ساعة.
صندوق خشب.
مفتاح صغير كانت محتفظة بيه من وهي طفلة، من غير ما تعرف بيفتح إيه.
حطت إيدها في جيب هدومها.
وطلعت سلسلة قديمة كانت لابساها من سنين.
في آخر السلسلة مفتاح صغير.
ياسين أول ما شافه، قرب منها.
“المفتاح ده كان معاكي طول الوقت؟”
ندى هزت راسها.
“أبويا ادهولي قبل ما يموت.”
أم ياسين قربت منه.
وأول ما شافته، دموعها نزلت.
“هو لسه موجود…”
ياسين سأل:
“إيه اللي بيفتحه؟”
ندى بصت لأمه.
لكن قبل ما تجاوب، سلطان بدأ ينبح بشدة ناحية السلم.
ياسين لف بسرعة.
وفي اللحظة نفسها، النور قطع.
البيت كله غرق في الضلمة.
ندى سمعت صوت حركة فوق.
وبعدين صوت حاجة وقعت.
أحد الحراس صرخ:
“يا باشا! حد دخل البيت!”
ياسين مسك إيد ندى.
“ورايا.”
جرّها ناحية الحيطة.
سلطان وقف قدامهم، شعره واقف وصوته مليان غضب.
صوت خطوات بدأ ينزل السلم.
خطوة…
وخطوة…
وخطوة…
وفجأة ظهر ظل شخص فوق السلم.
ياسين رفع سلاحه.
“قف مكانك!”
الشخص ما وقفش.
نزل درجة تانية.
ثم تالتة.
ولما البرق ضرب من شباك الصالة، بان وشه.
ندى شهقت.
كانت تعرفه.
قالت بصوت مخنوق:
“إنت؟!”
ياسين بص لها، وبعدين بص للرجل.
الرجل ابتسم.
وقال:
“كنت مستني اللحظة دي من سنين يا بنت حسن.”
ندى رجعت لورا.
“إنت كنت بتشتغل مع أبويا.”
الرجل ضحك.
“أبوك كان فاكر إنه يقدر يهرب مننا.”
ياسين شد قبضته.
“مين أنتم؟”
الرجل بص له وقال:
“إنت بالذات كان لازم تعرف الحقيقة من زمان يا ياسين.”
“قول.”
الرجل أشار لندى.
“أبوك وأبوها كانوا شركاء… لكن حسن خانهم.”
أم ياسين صرخت:
“كداب!”
الرجل رد:
“لو أنا كداب، افتحي الخزنة القديمة وقولي لابنك مين اللي حط فيها الملفات.”
ياسين بص لأمه.
“أي خزنة؟”
أمه سكتت.
ندى بصت لها.
“ماما ياسين… إنتِ كنتِ عارفة كل ده؟”
الرجل ضحك.
“هي عارفة أكتر مما قالتلكم.”
وبعدين أخرج هاتفه.
شغل تسجيل صوتي.
وصوت رجل عجوز طلع من السماعة.
صوت أبو ندى.
ندى أول ما سمعت صوت أبوها، ركبتها خانتها.
قعدت على الأرض.
الصوت قال:
“لو التسجيل ده وصل لندى، يبقى أنا مت.”
دموع ندى نزلت بغزارة.
“بابا…”
التسجيل كمل:
“يا ندى، لو سمعتي صوتي، متثقيش في أي حد يقول لك إنه بيحميكي… حتى لو كان من عيلة الجبالي.”
ياسين بص لأمه بصدمة.
وأبو ندى كمل:
“الحقيقة موجودة في المكان اللي بدأت فيه كل الحكاية… والمفتاح اللي معاكي هو الطريق الوحيد ليها.”
التسجيل وقف.
الرجل ابتسم.
“دلوقتي فهمتي ليه إحنا عايزينك؟”
ياسين قال:
“إنت مش هتخرج من هنا.”
الرجل رد:
“أنا مش محتاج أخرج.”
وفجأة أصوات عربيات كتير سمعت من بره.
رجالة ياسين جريوا ناحية الشبابيك.
واحد منهم صرخ:
“يا باشا! إحنا محاصرين!”
ياسين بص لندى.
ثم بص للمفتاح اللي في إيدها.
وفهم إن الليلة دي مش مجرد هجوم.
دي كانت بداية الحرب الحقيقية.
مسك إيدها وقال:
“من اللحظة دي، إنتِ تحت حمايتي.”
ندى بصت له والدموع في عينيها.
“ولو الحقيقة طلعت إن عيلتك هي السبب في موت أبويا؟”
ياسين سكت.
ندى كملت:


