
«ياسين… اقفل.»
«مين ده؟»
«اقفل دلوقتي.»
وبعدين الخط اتقفل.
فضلت ماسك الموبايل وأنا حاسس إن الصورة اللي قدامي بدأت تتغير.
الموضوع ماكانش مجرد اعتداء على طفل.
كان فيه سر.
سر مريم نفسها خايفة منه.
وفي نفس اللحظة وصلتني رسالة جديدة.
«لقينا تسجيل كاميرا من الشارع. وفيه حاجة مهمة جدًا.»
فتحت الفيديو.
الصورة كانت مشوشة، لكن واضحة بما يكفي.
يوسف ظهر وهو بيجري خارج بوابة البيت.
ورا ظهره مباشرة كان عمه حسام.
وبعده سامح.
لكن المفاجأة ماكانتشي في الاتنين دول.
كانت في جدي.
لأنه ماكانش واقف بيتفرج.
كان بيجري ورا يوسف وهو ماسك ورقة في إيده.
وقبل ما الفيديو ينتهي، ظهر شخص رابع للحظة.
رجل ماعرفتوش.
وقف عند العربية.
وبمجرد ما شاف الكاميرا، رفع إيده وغطى وشه.
كبرت الصورة.
وبصيت على الرجل مرة.
مرتين.
وبعدين حسيت الدم اتجمد في عروقي.
أنا أعرفه.
مش معرفة عادية.
ده كان واحد من آخر الناس اللي توقعت أشوفهم واقفين في بيت عيلة أبويا.
كان شريكي القديم.
الرجل اللي اختفى من حياتي من أكتر من عشر سنين.
واللي كنت متأكد إنه مات.
همست:
«مستحيل…»
وصلتني رسالة أخيرة:
«ياسين… لازم تعرف الحقيقة قبل ما تتحرك. الراجل ده مش هو الخطر الحقيقي.»
بصيت ناحية يوسف.
وبعدين رجعت للشاشة.
وسألت:
«أمال مين؟»
جاء الرد:
«اللي أمر بضرب ابنك… مش جدك.»
توقفت أنفاسي.
«مين؟»
لكن الرد اتأخر.
ثواني.
ثم ظهر اسم واحد على الشاشة.
اسم خلاني أحس إن المستشفى كلها دارت بيا.
مريم.
حكايات شروق خالد
فضلت باصص للاسم على شاشة الموبايل.
مريم.
مراتي.
أم ابني.
الست اللي كنت فاكر إنها بتحاول تحميه.
للحظة، عقلي رفض يصدق.
اتصلت بيها.
ما ردتش.
اتصلت تاني.
ولا رد.
في اللحظة دي، دخل واحد من رجالي المستشفى، وحط قدامي ملف أسود.
قال بهدوء:
«لازم تقرأ ده بنفسك.»
فتحت الملف.
كانت فيه تحويلات مالية، رسائل، تسجيلات، وصور.
ومع كل ورقة كنت بقلبها، كنت بحس إن جزء من حياتي بيتكسر.
مريم كانت بتبعت فلوس لأبوها من شهور.
وكانت بتطلب منه يخوف يوسف ويضغط عليّ عشان أبيع جزء من ممتلكاتي وأتنازل عن إدارة شركة العيلة.
لكن آخر رسالة قلبت كل حاجة.
كان فيها كلام واضح:
«خليه يخاف من أبوه. بس ماتأذوش.»
رفعت عيني.
«يعني هي ما أمرتش بضربه؟»
هز رأسه.
«لأ. هي كانت عايزة يخوفوه بس. أبوها هو اللي فقد السيطرة.»
سكت.
كل الغضب اللي كان جوايا اختلط بحاجة أصعب.
الخيانة.
مريم غلطت.
كذبت.
وسابت ابني في المكان اللي كانت عارفة إنه ممكن يتعرض فيه للأذى.
لكنها ما طلبتش .
قلت:
«فين أبوها؟»
رد:
«الشرطة وصلت البيت من شوية. التسجيلات والصور اتبعتت لهم.»
لأول مرة، ماحاولتش أخفي اللي كنت قادر أعمله.
قلت:
«خلي القانون ياخد مجراه.»
وبالفعل، بعد ساعات قليلة، اتقبض على جد يوسف، وحسام وسامح اتوجهت لهم تهم الاعتداء عليه والتسبب في إصاباته.
أما مريم…
فجت المستشفى.
كانت واقفة قدام أوضة يوسف، وشكلها منهار.
أول ما شافتني، بدأت تبكي.
«ياسين… أنا آسفة.»
ما رديتش.
قالت:
«أنا كنت خايفة من أبويا. كنت فاكرة إني أقدر أسيطر على الموضوع.»
بصيت لها.
«إنتِ كنتِ عارفة إن ابنك في خطر.»
دموعها نزلت.
«عارفة.»
«ومع ذلك سيبتيه هناك.»
ماقدرتش ترد.
قلت:
«أنا ممكن أسامحك على كذبك عليّ… لكن مش عارف إذا كنت هقدر أسامحك على إنك خليتي يوسف يحس إنه مفيش حد هيحميه.»
نظرت من خلال الزجاج لابننا.
كان نايم بهدوء.
وقالت:
«هل أقدر أشوفه؟»
بعد لحظة طويلة، فتحت لها الباب.
دخلت مريم ببطء.
قربت من ، وقعدت جنبه.
يوسف فتح عينيه.
بص لها.
وسأل:
«ماما؟»
انهارت.
مسكت إيده وقالت:
«أنا آسفة يا حبيبي.»
سألها:
«إنتِ كنتِ عارفة؟»
سكتت.
ثم هزت رأسها والدموع على وشها.
«أيوه… ودي أكتر حاجة أنا ندمانة عليها في حياتي.»
يوسف بص لها فترة طويلة.
وبعدين قال:
«بابا جه.»
مريم بصت ناحيتي.
يوسف كمل:
«بابا ما سابنيش.»
خرجت من الأوضة.
مش عشان أهرب.
لكن عشان أخبي دموعي.
بعد أسبوعين، يوسف خرج من المستشفى.
كانت خطواته بطيئة، لكن إيده كانت ماسكة إيدي.
وقبل ما نركب العربية، وقف وبصلي.
«بابا؟»
«نعم يا حبيبي؟»
«إحنا هنرجع بيتنا؟»
ابتسمت.
«أيوه.»
«وهتفضل معايا؟»
نزلت لمستواه.
«دايمًا.»
حضنني بقوة.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة كنت ناسيها وسط كل الغضب.
أنا قضيت سنين أتعلم إزاي أخوف الناس.
إزاي أخليهم يهربوا.
إزاي أنتقم.
لكن ابني ماكانش محتاج راجل يخلي العالم كله يخاف منه.
كان محتاج أب.
أب يرجع له.
أب يصدقه.
وأب يفضل واقف جنبه مهما حصل.
بعد شهور، انتهت القضية.
جد يوسف اتعاقب، وكذلك الرجلان اللي شاركاه في الاعتداء.
أما مريم، فانتهى زواجنا.
مش لأنني توقفت عن حبها.
لكن لأن بعض الأخطاء بتكسر الثقة لدرجة إن الحب لوحده مايكفيش.
يوسف بدأ جلسات دعم نفسي، ومع الوقت رجع يلعب كرة القدم.
وفي أول ماتش له بعد الحادث، وقفت على سور الملعب.
لما شافني، ابتسم.
وبعد ما سجل أول هدف، جري ناحيتي.
صرخ:
«شوفتني يا بابا؟!»
ضحكت وأنا بحاول أمنع دموعي.
«شوفتك يا بطل.»
وفي تلك الليلة، لما رجعنا البيت، وقف يوسف قدام باب غرفته.
وبصلي.
«بابا؟»
«أيوه؟»
قال:
«أنا مش خايف من جدو تاني.»
سألته:
«ليه؟»
ابتسم وقال:
«عشان إنت جيت.»
حضنته.
وفي اللحظة دي عرفت إن دي كانت أهم معركة خضتها في حياتي.
مش المعركة اللي كنت هكسب فيها على أعدائي.
لكن المعركة اللي رجعت فيها ثقة ابني في الدنيا.
ومن يومها، كل ليلة قبل ما ينام، كنت بدخل أوضته وأقول نفس الجملة:
«أنا هنا يا يوسف.»
وفي كل مرة كان يبتسم ويغمض عينيه.
لأن الطفل اللي كان مقتنع في يوم إن أبوه مش هييجي…
عرف أخيرًا إن أبوه عمره ما هيسيب إيده.
«ضربوا ابني قدام جده
حكايات شروق خالد


