منوعات

ابني قدام جده حكايات شروق خالد

«بابا… جدو قال إنك مش جاي.»

كانوا فاكرين إني مجرد أب عادي ساكن في مدينة نصر، في زحمة المرور على الناحية التانية من القاهرة.

ماكانوش يعرفوا أنا مين بجد.

أول حاجة لاحظتها جوه مستشفى في وسط القاهرة ماكانتش حالة الذعر. كانت الإضاءة.

لمبات فلورسنت قاسية بتزن فوق دماغي، وأنا قاعد من غير حركة في منطقة انتظار الطوارئ، وإيديا مقبوضة بقوة لدرجة إن مفاصل صوابعي بقت بيضا. في مكان قريب، ماكينة بيع وقعت منها علبة مشروب بصوت دوّى في المكان. طفل رضيع كان بيعيط في آخر الممر. والممرضين كانوا بيجروا رايحين جايين، ماسكين ملفات، ووشوشهم باين عليها الإرهاق.

وتليفوني ماكانش بيبطل اهتزاز.

مريم.

مراتي اتصلت بيا 8 مرات.

8 مرات بالظبط.

لكنها لسه ماجتش المستشفى.

حسب كلام جارتنا العجوز، الحاجة زينب، مريم كانت لسه في بيت أبوها في المعادي، في الوقت اللي ابني كان بيتهادى وهو بينزف على الرصيف، فردة جزمة واحدة ضايعة منه، والدم نازل من ودنه.

الدكاترة قالوا إن يوسف عنده ارتجاج متوسط، وممكن تكون حالته أسوأ من كده. لسه بيعملوا له فحوصات وأشعة. كنت سامع كل كلمة قالوها، لكن ولا كلمة منهم كانت حقيقية بالنسبالي.

حياتي كان المفروض تبقى عادية.

تمرين كرة القدم.

فطار يوم الجمعة.

وصوت ابني وهو بيضحك في البيت.

مش ده.

مش ابني الصغير وهو نايم ورا الستارة، نص وشه متورم ولونه بقى بنفسجي من الكدمات.

وبعدين الدكتور أخيرًا جه ناحيتي.

قالت بصوت هادي:

«أستاذ ياسين؟ هو فاق. وبيفضل يسأل عليك.»

مشيت وراها وسط ممرات طويلة شاحبة، ريحتها خليط من المطهر والقهوة القديمة.

كل خطوة كنت بحس إنها أتقل من اللي قبلها.

ولما دخلت أوضة يوسف، حسيت إن صدري هينهار.

كان صغير أوي وهو نايم على المستشفى.

الناحية اليمين من وشه كانت متورمة بشكل بشع، والكدمات منتشرة تحت جلده زي سحب عاصفة سودا. شعره كان لازق في جبهته، وجنبه كانت فيه جروح صغيرة.

وبعدين بصلي.

«بابا…»

صوته شق قلبي نصين.

مسكت إيده بحذر.

«أنا هنا يا حبيبي… أنا جنبك.»

صوابعه كانت بتترعش وهي ماسكة إيدي. وعينيه اتمَلوا بالدموع.

همس:

«حاولت أجري.»

حسيت حلقي اتقفل.

«مش لازم تتكلم دلوقتي.»

لكن الأطفال الخايفين دايمًا بيتكلموا.

السكوت بيخوفهم أكتر.

قال يوسف بصوت مرتعش:

«جدو اتعصب… وقال إنك فاكر نفسك أحسن من العيلة دي.»

حسيت بحاجة ساقعة بتجري في دمي.

«وبعدين… عمو حسام مسك دراعاتي. وعمو سامح مسك رجلي.»

الأوضة فجأة بقت ضيقة جدًا.

بلع يوسف ريقه بصعوبة، وقبل ما ينطق بالكلمات اللي هتغير كل حاجة، سكت للحظة.

وبعدين همس:

«جدو خبط دماغي في الأرض.»

لثانية واحدة…

ماقدرتش أتنفس.

أنا شفت العنف قبل كده.

عنف حقيقي.

قضيت سنين وسط رجالة قادرين يعملوا أهوال معظم الناس عمرها ما تتخيلها.

اتعلمت إزاي أفضل ثابت وأنا الخطر حواليا من كل ناحية، وإزاي أفضل هادي ورجالة كبار بيتوسلوا عشان حياتهم.

لكن إني أسمع ابني بيحكيلي إزاي 3 رجال كبار ثبتوه على الأرض، وجده كان بيتفرج ويضحك؟

الحاجة دي صحّت وحش كان جوايا من سنين.

ارتعشت شفايف يوسف تاني.

«جدو قال… باباك مش هنا عشان يحميك.»

بُست جبينه برفق، وأنا بحاول ما ألمسش الكدمات.

وبعدين خرجت من الأوضة قبل ما يشوف الغضب اللي كان بدأ يسيطر على وشي.

الدكتورة بدأت تقول حاجة ورايا، لكني ماكنتش سامعها.

إيدي كانت وصلت للموبايل بالفعل.

أنا ما اتصلتش بالشرطة.

الشرطة بتعمل محاضر.

والشرطة بتسأل أسئلة.

والشرطة ممكن تحتاج أيام وأسابيع عشان تجمع الأدلة، في الوقت اللي الناس اللي عملت كده ممكن تفضل عايشة حياتها وكأن ولا حاجة حصلت.

لأ…

أنا عملت مكالمة من نوع تاني.

رقم مشفّر واحد ما استخدمتوش من سنين.

الطرف التاني رد فورًا.

قال الصوت:

«مين الهدف؟»

فضلت ساكت لحظة.

كنت ببص من خلال زجاج المستشفى ناحية ابني المكسور وهو نايم على السرير.

ولأول مرة من سنين طويلة جدًا…

أديت أمر من شأنه إنه يغيّر كل حاجة.

حكايات شروق خالد

«مين الهدف؟»

الصوت كرر السؤال للمرة التانية.

قفلت عيني للحظة.

كان قدامي اختيارين.

إما أرجع أكون الراجل اللي كنت عليه زمان…

أو أكون الأب اللي ابني محتاجه دلوقتي.

فتحت عيني وقلت بهدوء:

«مش عايز حد يلمسهم.»

سكت الطرف التاني.

واضح إنه اتفاجئ.

«أمال عايز إيه؟»

بصيت من خلال زجاج باب الأوضة.

يوسف كان نايم، والدكتورة قاعدة جنبه بتتابع الأجهزة.

قلت:

«عايز الحقيقة كاملة. مين كان موجود؟ مين ضربه؟ مين أمرهم؟ ومين حاول يغطّي على الموضوع.»

جالي الرد فورًا:

«اعتبره حصل.»

قفلت المكالمة.

ولأول مرة من ساعة ما دخلت المستشفى، حسيت إني قادر آخد نفس.

بعد حوالي عشرين دقيقة، خرجت الدكتورة.

«هو مستقر دلوقتي، لكن محتاج متابعة دقيقة. إصابته مش بسيطة.»

هزيت رأسي.

«هيدخل العناية؟»

«مش حاليًا، لكن لازم نراقب أي تغير في وعيه أو سلوكه. والأهم… هو محتاج يحس بالأمان.»

الكلمة الأخيرة فضلت ترن في دماغي.

الأمان.

ابني كان محتاج يحس بالأمان.

وأنا كنت لازم أوفرهوله.

رجعت الأوضة.

يوسف فتح عينيه أول ما سمع خطواتي.

«بابا؟»

قربت منه.

«أنا هنا.»

مسك إيدي.

«هتسبني؟»

اتجمدت.

«ليه بتقول كده؟»

بص ناحية الباب.

«عشان جدو قال إنك مش هتيجي.»

قربت منه أكتر وقلت:

«اسمعني يا يوسف… حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي، أنا هاجي لك. فاهم؟»

هز راسه.

وبعدين سألني السؤال اللي وجعني أكتر من أي حاجة:

«أنا عملت حاجة غلط؟»

حسيت قلبي اتقطع.

«لأ يا حبيبي. إنت ماعملتش أي حاجة غلط.»

سكت شوية وبعدين قال:

«جدو كان عايزني أقول إنك وحش.»

«وإنت قلت إيه؟»

بصلي بعينيه الصغيرتين.

«قلتله إن بابا مش وحش.»

ماقدرتش أتكلم.

بس ضغطت على إيده.

في اللحظة دي، موبايلي اهتز.

رسالة واحدة.

فتحتها.

كانت صورة لسيارة واقفة قدام بيت جدي.

وتحتها رسالة:

«التلاتة موجودين. وفي شخص رابع دخل البيت من عشر دقايق.»

قلبي دق بسرعة.

الشخص الرابع.

كتبت:

«مين؟»

بعد ثواني وصلتني الإجابة.

«مراتك.»

فضلت باصص للشاشة.

مريم.

مراتي.

الست اللي اتصلت بيا 8 مرات.

الست اللي ماجتش المستشفى.

الست اللي المفروض تكون أول واحدة تجري على ابنها.

حسيت بحاجة غلط.

حاجة كبيرة.

خرجت من الأوضة واتصلت بيها.

ردت بعد رنة واحدة.

«ياسين؟»

صوتها كان مرتعش.

«إنتِ فين؟»

سكتت.

«مريم… سألتك إنتِ فين؟»

قالت:

«أنا… عند باب

«ليه؟»

«الموضوع مش زي ما إنت فاكر.»

بصيت على باب أوضة يوسف.

«ابني كان على الأرض بينزف.»

بدأت تبكي.

«أنا عارفة.»

«وعارفة مين عمل فيه كده؟»

سكتت.

قلت بصوت أخفض:

«مريم… أنا مش هزعق. بس عايز الحقيقة.»

جاء صوتها ضعيفًا:

«أنا حاولت أمنعهم.»

ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.

«تحاولي تمنعيهم؟ وإنتِ كنتِ في البيت؟»

«أيوه.»

«طيب ليه ماجيتيش المستشفى؟»

سكتت لثواني طويلة.

ثم قالت:

«لأن أبويا .»

« بإيه؟»

«قال لو خرجت من البيت، كل حاجة.»

اتسعت عيني.

«كل حاجة إيه؟»

لكنها ما ردتش.

سمعت صوت باب بيتفتح عندها.

وبعدين صوت رجل من بعيد:

«مريم! إنتِ بتكلمي مين؟»

اتغير صوتها فورًا.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى