
— أنا مش فاهمة.
سعاد قالت:
— قبل ما يموت عادل، نقل كل أمواله لشخص واحد.
مالك سأل:
— مين؟
سعاد نظرت مباشرة إلى مريم.
— لابنته.
مالك اتصدم.
— عادل ما كانش عنده بنت.
سعاد ابتسمت.
— كان عنده.
ثم بصت إلى مريم.
— وكانت أمك حامل بيها.
سكت الجميع.
مريم همست:
— يعني… عادل كان أبويا؟
سعاد قالت:
— لأ.
ثم أشارت إلى ليان.
— أبوكي الحقيقي هو الشخص اللي ما حدش فيكم فكر يسأل عنه.
مريم بدأت تهز رأسها.
— مين؟
سعاد قالت:
— أخو مالك.
ساد الصمت.
مالك نفسه تراجع خطوة.
— أخويا مات من خمسة وعشرين سنة.
سعاد ردت:
— لأ.
ثم قالت:
— أخوك عايش.
وفي اللحظة نفسها، انطفأت أنوار الفيلا.
وظهر صوت رجل من الظلام:
— وأخيرًا… عرفتي إنك بنتي يا مريم.
مالك رفع .
ياسين شد مريم بعيدًا.
أما سعاد فابتسمت.
لكن مريم كانت قد تعرفت على الصوت.
نفس الصوت الذي سمعته في التسجيل القديم.
نفس الصوت الذي ظل يطاردها في أحلام طفولتها.
صوت رجل كانت أمها قد أخبرتها أنه مات منذ سنوات.
ومن الظلام خرج رجل يحمل مسدسًا.
كان يشبه مالك بشكل مرعب.
مالك همس:
— محمود…
الرجل ابتسم.
— وحشتني يا أخويا.
مالك بص لأخوه كأنه شايف ميت قدامه.
— إنت مات من خمسة وعشرين سنة.
محمود ابتسم.
— دي كانت الحكاية اللي أبويا حب يخلي الكل يصدقها.
مريم قربت خطوة.
— وإنت أبويا؟
محمود بص لها.
— أيوه.
الكلمة هزت المكان.
مريم ضمت ليان لصدرها.
— طب ليه؟ ليه كل السنين دي؟
محمود قال:
— لأن أبوكي الحقيقي ما كانش عايزك تعرفي إنك بنته. كان عايز يستخدمك كورقة. ولما اكتشف إن أمك بتحاول تهرب بيكي، عادل واتفق مع منصور إنه يربيكي باسمه.
مريم بصت لأمها.
— وإنتِ سكتّي؟
أمها قالت وهي بتبكي:
— كنت صغيرة وخايفة. محمود ساعدني أهرب بيكي. لكنه رجع بعد كده واختفى، وأنا افتكرت إنه مات.
مالك قال:
— محمود هو اللي كان بيموّل الشبكة.
محمود ضحك.
— وأنا اللي بنيتها من الصفر.
ياسين اتقدم.
— وأنا كنت واحد من رجالتك.
— وكنت غبي.
— عشان كده سرقت الفلوس.
محمود رفع مسدسه.
مالك وقف قدام مريم.
— لو حد، .
محمود ابتسم.
— دي مش النهاية اللي كنت مخطط لها.
ثم نظر إلى مريم.
— الحسابات باسمك. وكل المستندات موجودة في مكان واحد. كنت محتاجك توقعي بنفسك.
مريم فهمت.
— عشان كده ليان.
— بالضبط.
مريم رفعت رأسها.
— لو وقعت، هتسيب ليان؟
— هسيبكم الاتنين.
مالك همس:
— مريم، ما تعمليش كده.
لكن مريم بصت له.
نظرة قصيرة فهم منها إنها بتخطط لحاجة.
قالت لمحمود:
— هوقع.
مالك اتصدم.
— مريم!
— بس بشرط.
محمود ضحك.
— قولي.
— أمي وياسين ومالك يخرجوا الأول.
— ومالك؟
— أيوه.
محمود فكر لحظة.
— موافق.
بدأ رجاله يخرجون من المكان.
مالك رفض يتحرك.
مريم اقتربت منه وهمست:
— ثق فيا.
— مريم…
— أول مرة في حياتي أطلب منك تثق فيا.
نظر إلى عينيها.
ثم أومأ.
خرج مالك مع ياسين وأمها.
وبقيت مريم وحدها مع محمود.
وضع أمامها مجموعة أوراق.
— وقعي.
أخذت القلم.
لكن قبل ما تلمس الورقة، قالت:
— عندي سؤال أخير.
— اسألي.
— ليه اخترتني أنا؟
محمود ابتسم.
— لأنك أضعف نقطة عند مالك.
مريم رفعت عينيها.
— غلط.
— إزاي؟
— أنا مش نقطة ضعفه.
ثم ابتسمت لأول مرة.
— أنا نقطة قوته.
في نفس اللحظة، انفتحت أبواب الفيلا.
دخلت قوات الشرطة.
محمود اتجمد.
— إيه ده؟
ظهر مالك.
وخلفه ضباط مسلحون.
محمود رفع .
لكن ياسين ضرب يده فسقط المسدس.
اندفع محمود ناحية مريم.
مالك أمسكه وأسقطه أرضًا.
بعد دقائق، كان محمود مكبلًا.
مريم وقفت أمامه.
— إنت خسرت.
محمود بص لها بحقد.
— فاكرة إن ده انتصار؟
— أيوه.
— هتكتشفي إن الدم عمره ما بيتغير.
مريم ردت بهدوء:
— أنا مش هخلي الدم يحدد أنا مين.
اقتادته الشرطة.
وبعدها بأيام، ظهرت كل الحقيقة.
الشبكة اتفككت.
الحسابات اتصادرت.
أسماء كبيرة اتقبض عليها.
واتثبت إن ياسين كان بيجمع أدلة ضد محمود قبل ما يختفي.
أما مالك، فاعترف بكل الجرائم اللي ارتكبها خلال السنين السابقة، وسلّم كل الملفات للنيابة، وقرر يقطع علاقته تمامًا بالعالم اللي كان عايش فيه.
بعد شهور، وقفت مريم أمام بوابة جامعة عين شمس.
كانت ماسكة إيد ليان.
بصت لبنتها وابتسمت.
— فاكرة أول مرة كنت بدخل الجامعة؟
ليان ضحكت من غير ما تفهم.
مريم قالت:
— كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
صوت مالك جاء من خلفها:
— وطلعت لسه بتبدأ.
لفت.
كان واقف بعيد، من غير حراسة، من غير بدلة سوداء، ومن غير النظرة المرعبة اللي كانت الناس كلها بتخاف منها.
مريم ابتسمت.
— اتأخرت.
— كنت خايف أجي بدري.
— ليه؟
— عشان ما أفرضش نفسي على حياتك.
مريم قربت منه.
— المرة دي… أنا اللي بختارك.
مالك ابتسم.
— وأنا من زمان اخترتك.
ليان مدت إيديها له.
حملها مالك وضحك.
مريم بصت لهم.
لأول مرة من سنين، ما كانتش خايفة من المستقبل.
بعد عام، تخرجت مريم من الجامعة.
وفي يوم التخرج، كانت أمها في الصف الأول، وياسين واقف بعيد، ومالك ماسك ليان.
لما نادت الجامعة اسمها، مشت مريم للمنصة وسط التصفيق.
وبعد ما استلمت شهادتها، بصت للجمهور.
ثم قالت لنفسها:
“أنا مش بنت … ولا بنت سر… ولا بنت رجل عشان السلطة.”
ابتسمت.
“أنا مريم.”
وعلى الرصيف أمام الجامعة، كان مالك مستنيها.
لما وصلت له، قال:
— نروح؟
— نروح فين؟
— البيت.
بصت لليان.
ثم له.
— بيتنا؟
مالك ابتسم.
— بيتنا.
وضعت يدها في يده.
ومشوا معًا.
أما الماضي، ففضل خلفهم.
مش لأنه اختفى…
لكن لأن مريم أخيرًا بطلت تسمح له يتحكم في حياتها.
وفي آخر الليل، وهي بتحط ليان في سريرها، لقت ورقة صغيرة تحت وسادتها.
فتحتها.
كان مكتوبًا فيها:
“لسه في سر واحد ما تعرفيهوش.”
تجمدت.
ثم قلبت الورقة.
وفي ظهرها جملة واحدة:
“أبوك الحقيقي مات… لكن الشخص اللي لسه عايش.”
مريم رفعت عينيها ناحية الباب.
وكان مالك واقف هناك.
لكن المرة دي…
ما كانش هو اللي خايف.
كان هو اللي شاف الرعب في عينيها.
وقال:
— مريم… إنتِ لسه ما عرفتيش كل الحقيقة.
ابنة زعيم
حكايات شروق خالد




